.

هواجس المسلمين الأوائل

Foto

لماذا يؤمن المسلمون بأن كل فرد له قرين من الجن؟ من أين جاءت فكرة سيطرة الجن على الإنس؟


كان العرب قبل الإسلام أسرَى فكرة وجود قوة خارقة مسيطرة عليهم، وكانوا يعتقدون أن هذه القوة هى الجن، وأنهم خارقون يفعلون الأعاجيب، فعبدوا الجن وتقرّبوا إليهم؛ لهذا كانت عبادة الجن من العبادات التى عُرفت فى بعض نواحى بلاد العرب قبل الإسلام، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم فى سورة «سبأ» إذ يقول الله، عز وجلّ: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (41)». أى أن الملائكة ستنكر عبادة العرب لهم وتثبت عبادة العرب للجن، فكان بنو مليح من خزاعة من أكثر القبائل العربية عبادةً للجن، ولما جاء الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، بدَّد أى سيطرة خارقة لأى قوة على الإنسان إلا قوة الله خالق الأكوان، فتلاشت عبادة الجن، وبقى مفهوم الجن ذى القدرات الخارقة فى نفوس العرب، وأسهم فى بقاء هذه المفاهيم ورود ذِكر الجن فى القرآن وبعض الإشارات عن مساندتهم نبى الله سليمان، ولما دخل العرب البلدان المجاورة لهم، تحت مسمى الفتح، واختلطوا بأهل هذه البلاد، وقدّموا لهم القرآن ككتاب مُعجِز، ظهرت الحاجة إلى تفسير بعض المصطلحات التى جاءت عامة ومبهَمَة فى القرآن، أو التى يمكن أن تحمل وجهين؛ مثل القرين الذى ورد فى قوله تعالى: «والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومَن يكُن الشيطان له قرينا فساء قرينا» «النساء- 38»، وفى قوله، تبارك وتعالى: «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» «الزخرف- 36»، وفى قوله: «قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان فى ضلال بعيد» «ق- 27»، والقرين فى اللغة هو المقارِن أو الصاحِب الذى يلازم شخصًا أو شيئًا آخر أينما كان وأينما ذهب، وبسبب الثقافة العربية الموروثة، التى تحمل مفاهيم عربية عن الجن، فسَّر التابعيّون القرينَ بأنه جنّ من كفرة الجن مُوكل بالإنسان ويلازمه منذ ولادته إلى وفاته، رغم أن الآية القرآنية الكريمة تحدثت عن قرين شيطان، والقرآن لم يقصِر إطلاق لقب الشيطان على الجن فقط، بل على الإنس أيضًا، فيقول الحق تبارك وتعالى: «وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنما نحن مستهزئون» «البقرة- 14»، وفى قوله: «وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون» «الأنعام- 112». إذن القرين الذى يغوى الإنسان قد يكون إنسانًا مثله ملازمًا له وإنما هو فقط يغويه، وكما يقولون فى المثال العربى «الصاحب ساحب»، أى أنه يسحبك إلى حيث هو، ولو تخيلنا قول الله عن القرين إنه الصاحب غير الأمين فى النصيحة والذى يجرّ زميله وصديقه إلى الهاوية لَكان ذلك أسلَم فى فهم الآيات، فنفهم قوله «إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم» أى إذا جلسوا مع أقرانهم السيئين من البشر قالوا: إنّا معكم على السوء، وبهذا يكون فهمًا واقعيًّا، ولم نكن فى حاجة إلى اللف والدوران فى تفسير القرين واعتباره جنًّا، لأن اعتباره جنًّا سيئًا سيفجّر أسئلة من نوع آخر تهدد العقيدة؛ مثل: ما دور القرين الجن مع الإنسان الموكل به؟ إذا قلت «الإغواء» فسيكون السؤال المنطقى الثانى: مَن الذى أوكل القرين بالإنسان؟ هل هو الله، عز وجل، أم إبليس؟ إذا قلت «الله»، فأنت تتهم الله بأنه أرسل إلينا قوى تغوينا كى لا ندخل الجنة! وهذا حاشاه أن يكون مراده، وأما إذا قلت «إبليس» فأنت تناقض صريح القرآن؛ لأن الله توعّد إبليس بأنه لا سلطان له على أبناء آدم فى قوله: «إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا مَن اتبعك من الغاوين» «الحجر- 42»، وقوله تعالى: «إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون» «النحل- 99»، وفى قوله أيضًا: «إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون» «النحل- 100»، ومن ثم يُستبعَد أن يكون لإبليس اللعين سلطان بأن يجعل لكل ولد من أولاد آدم قرينًا، ومع هذا توسع الأوائل فى رسم دور القرين، بدايةً من مرافقته للإنسان منذ ولادته إلى حين مولده، يعنى: مع زوجته، وهو فى مسجده، وهو بين يدى الله. ولإثبات صدق ادّعائهم نسبوا حديثًا للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم: عن أَبِى سَعِيدٍ الخدْرِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شىء يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ فِى نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» رواه البخارى «3100» ومسلم «505»، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ»  رواه مسلم «506»، يعنى أن القرين يذهب إلى المسجد وهو المسؤول عن إغوائه وبَث الوَسوَسة المستمرة والدائمة فى قلبه، وإبعاد الإنسان عن أعمال الخير والطاعات وتزيين الذنوب والمعاصى والفواحش فى عينيه، وكأن الإنسان مسلوب الإرادة خاضع لهذا القرين غير المرئى، الذى يدفعه دفعًا للمعصية حتى ولو فى المسجد، مع العلم أن الشيطان الذى يوسوس للإنسان فى صلاته ليس هو القرين، بل هو شيطان خاص لهذا الأمر، وقد سمَّاه النبى، صلى الله عليه وسلم «خِنْزَب» -بفتح الخاء أو كسرها- وهو أيضًا ليس الشيطان الذى يعقد على قافية المسلم قبل نومه ثلاث عُقَد -كما فى الصحيحَين- وليس هو الذى يبول فى أذن مَن نام الليل كله حتى أصبح -كما فى الصحيحَين- يعنى أن الإنسان البسيط فى حياته واقع تحت سلطة قرين وخنزب وشيطان ثالث يعقد على قفاه ثلاث عقَد، وشيطان رابع يبول فى أذنه فلا يصلّى الفجر. أربعة شياطين لكل إنسان! هذا بخلاف شياطين الأسواق وشياطين البحار.. وهلمّ جرّا! وهنا ثارت أسئلة كثيرة؛ مثل: هل يموت القرين مع موت الإنسان؟ وأين يذهب القرين بعد موت الإنسان؟ وهل القرين يحب الإنسان الموكول به أو يؤذيه؟ وإذا قُتل الإنسان فهل ينتقم القرين من قاتله، أم يساعده؟ ثم يُفجر تساؤل آخر: هل الأنبياء لهم قرناء أيضًا؟ وهل الرسول الكريم له مثل هؤلاء الشياطين الأربعة؟ للأسف الشديد، لم يتوانَ الإخباريون فى استحضار حديث ينسب للنبى أن له قرينًا أيضًا، فقالوا: «عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياى، إلا أن الله أعانَنى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير». ارتباك كبير وإضافات مسيئة، لم تزِد الإسلام بل هددت مفهوم الإيمان بالله، وأعاقت العقول عن استيعاب القرآن الكريم، فماذا لو أنهم فسروا القرين بأنه الإنسان السيئ المصاحب للإنسان؟ ألم يكن هذا أسلَم من ادّعاء لن نجد له إجابة، ولو حاولنا أن نؤلف إجابة لَتسببنا فى هدم مُسلّمات إيمانية؟! العجيب أنك ستجد مَن يدافع عن تفسير الأوائل باسم الإسلام، ويهاجم مَن يحاول أن يبرئ الإسلام من الخزعبلات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات