كم يكسب الكُتاب والأدباء المصريون من تأليف الكُتب؟

Foto

كيف يكسب بعض المؤلفين بضعة آلاف من كتبهم بينما يدفع آخرون 15 ألف جنيه لنشر أعمالهم؟ كيف يمكن معرفة متوسط دخل الأدباء ولا يوجد تحديد لعدد النسَخ فى كل طبعة؟


هل يعنى السؤال السابق هذا أنك تبحث عن أرقام؟ حسنًا، للأسف، العثور على العنقاء أو مرافقة الغول أو التوصل إلى الخِلّ الوفىّ أسهَل بكل تأكيد.. أرقام فى مصر؟! هذه أشياء تعامَل معاملة «الأمن القومى»، خصوصًا إذا تعلقت بالفلوس أو المبيعات.
الآن نحن فى مهمة مستحيلة فعلًا، نريد معرفة دَخل الكاتب أو المؤلف فى مصر سنويًّا، حصيلة مبيعاته من «حبر» جبينه، وهذه مسألة صعبة جدا فى ظل غياب أرقام دقيقة عن حجم تجارة سوق النشر فى مصر إجمالًا، لا أحد يعرف -على وجه التحديد- عدد الكتب التى تصدر فى مصر سنويًّا، حتى دار الكتب، الجهة المسؤولة عن ذلك بحكم أنها الجهة الحكومية التى يجب إيداع نسَخ من الكتب الصادرة لديها، أرقامها فى الأغلب غير دقيقة، صحيح أنها ترصد صدور نحو 24 ألف كتاب فى عام 2017، إلا أن الرقم خادع، لأنه غير تفصيلى ويتعامل مع أى إصدار ورقى باعتباره كتابًا، ولا يضم تصنيفًا واضحًا للكتب ما بين تعليمية (وهى التى تشكّل الجانب الأكبر من الإصدارات) ومرتبطة بكتب سماوية (مصحف/ إنجيل)، بالإضافة إلى الكتب الثقافية التى نبحث عن أرباح مؤلفيها.
لا أحد فى مصر يملك أساسًا رقمًا دقيقًا عن حجم صناعة النشر والكتب، لا جهة مختصة تقوم بذلك، وكل ما يجرى فى الأمر هو محض اجتهادات. 12 مليار جنيه هو آخر رقم تقديرى قاله عادل المصرى، رئيس اتحاد الناشرين السابق، فى مطلع 2018، معتقدًا أنه يمثّل حجم صناعة النشر فى مصر، هو قال هذا الرقم معترفًا بأنه تقديرى وليس دقيقًا، خصوصًا أنه لا يملك بالأساس رقمًا محددًا عن عدد دور النشر العاملة فى مصر بالأساس، مُقدِّرًا إياها بدوره بـ700 دار نشر.
وإذا كانت الجهات الرسمية أو الجهات المختصة بصناعة النشر والكتب لا تملك سوى اجتهادات وتقديرات، فمن حقنا -إذن- أن نجتهد بدورنا فى تقدير الدخل السنوى للكتاب والمؤلفين فى مصر اعتمادًا على معلومات مستقاة من ناشرين ومؤلفين.
الأمر يتطلب أولًا معرفة الطريقة التى يتم بها حساب أرباح المؤلف عقب نشر كتابه فى مصر.
أغلب العقود التى تتم بين دور النشر والمؤلفين فى مصر تحصر نسبة المؤلف ما بين «10 و15%» من حجم المبيعات، بمعنى أنه إذا كان متوسط سعر الكتاب فى مصر 50 جنيهًا، فإن نصيب المؤلف من كل نسخة مَبيعة يكون ما بين 5 جنيهات و7 جنيهات ونصف الجنيه على الأكثر.
ما عدد النسخ المبيعة، إذن؟
كل دور النشر تتعامل مع هذا السؤال باعتباره تحت بند «سرى للغاية». دَعك من أنه لا معيارَ واضحَ فى أى شىء حرفيًّا فى صناعة الكتب فى مصر، فكلمة الطبعة الأولى قد تعنى أن عدد النسخ 300 نسخة أو 500 أو 1000 أو 3000، وقد تصل أحيانًا إلى 10 آلاف أو 20 ألف نسخة مع الكتاب الأكثر مبيعًا، الذين تترقب السوق صدور أعمالهم ويتحفز المزوّرون لهم، ما يدفع دور النشر إلى طرح طبعة أولى ضخمة، وفى بعض الأحيان طرح طبعتين كبيرتين، كل واحدة تضم 10 آلاف نسخة، لجَمع الأرباح المنتظرة قبل أن تعمل يد المُزورين على «ضرب الكتاب»، وهو أمر صار مهنيًّا واحترافيًّا لدرجة أن الكتب الأكثر مبيعًا الآن أصبحت نسَخها المزورة تُطرَح بعد طرح نسَخها الأصلية خلال «48- 72» ساعة فقط.
ما نسعى إلى رصده إذن هو مكاسب الكُتاب الأكثر مبيعًا فقط وليس الكُتاب بشكل عام، وذلك لأن أغلب المؤلفين كتبهم توزع الخمسمئة نسخة الأولى بشق الأنفس وخلال عام أو أكثر، وهؤلاء غالبًا لا ينالون أى مبلغ مادى مقابل التأليف، ومعظمهم يأخذ حقه «ناشف» فى صورة 25 نسخة مجانية ينالها من الناشر ليوزعها على أصدقائه.
هناك فئة أخرى من الكُتاب، وهؤلاء الذين توزع كتبهم -فى الأغلب تكون روايات- ما بين 2000 إلى 5000 نسخة، وهذه نسبة آخذة فى التزايد حاليا، وهؤلاء يتراوح دَخلهم السنوى حصيلة التأليف ما بين 2000 جنيه و12000 جنيه فقط لا غير، أى فى الحالة القصوى للأرباح فإن دخلهم الشهرى من تأليف الكتب يكون 1000 جنيه تقريبًا، وهو رقم أقل من الحد الأدنى للأجور كما لعلك لاحظت.
فئة الكُتاب الأكثر مبيعًا، وهؤلاء تتراوح مبيعاتهم ما بين 30 ألف نسخة وأكثر من 100 ألف نسخة، وهى نسبة قليلة بطبيعة الحال، وبفرض أن متوسط ثمن نسخة كتبهم يكون 60 جنيهًا (مع تضاعف أسعار الطباعة فى آخر عامين) فإن دخلهم السنوى يتراوح ما بين 150 ألف جنيه وما يزيد على النصف مليون جنيه قليلًا، وهؤلاء يمكن عدّهم على أصابع اليد الواحدة أو يد ونصف اليد، وأسماؤهم محددة وتضم ثلاثة أو أربعة أسماء فى الرواية ومثلهم فى الشعر أو الكتابة الشعرية الخفيفة، وربما ينضم إليهم أحيانًا اسم أو آخر فى مجالات أخرى.
لكن هؤلاء لا يصلحون للقياس مطلقًا كمتوسط لدَخل الكُتاب فى مصر، مع مراعاة استبعاد «بند الجوائز» لأنه بند عرضى وليس دائمًا، ويحدث أحيانًا مرة واحدة فى حياة المؤلف، وعادةً ما يأتيه فى سنوات متأخرة من حياته، بعدما ذاق من «ملاليم الكتابة» كثيرًا.
المدهش أنه فى الوقت الذى نبحث فيه عن «متوسط دَخل الكُتاب من مؤلفاتهم» لا يزال الكثير من دور النشر، وبعضها راسخ ومعروف، تطلب من بعض المؤلفين، ومنهم المتحقق والمعروف نسبيًّا، مبالغ مالية لنشر أعمالهم. أى أن المؤلف هنا هو الذى يدفع من جيبه من أجل نشر كتابه، لا أن يحصل على أرباح نظير الكتابة! الأمر أشبه بأن يدفع الطبيب لأهل المرضى أموالًا من أجل أن يقوم هو بإجراء العملية!
ومع ارتفاع تكاليف الطباعة مؤخرًا، تضاعفت «فيزيتا» نشر الكتاب فى دور النشر. أحد الناشرين طلب قبل عدة أسابيع من مؤلف فى منتصف عمره الأدبى، قد أصدر من قبل أربعة كتب، وفاز بواحدة من جوائز الدولة فى مجال الآداب- أن يدفع له مبلغ 15 ألف جنيه نظير نشر روايته الجديدة! الرقم حقيقى وليس هناك أى خطأ مطبعى هنا.. فهل يصح بعد هذا الوضع العجيب أن نسأل عن متوسط أرباح المؤلفين المصريين من الكتابة؟! أم أن السؤال الأكثر دقة هنا هو كم يدفع المؤلف المصرى من جيبه لنشر كتابه؟
المسألة تبدو «هَمًّا عالميًّا» فى ما يبدو، فإذا كان متوسط دخل الكاتب المحترف فى بريطانيا هو 11300 دولار سنويًّا بمتوسط 200 ألف جنيه سنويًّا، أى 17 ألف جنيه مصرى شهريًّا، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور أيضًا، فإنه من حق الكُتاب المصريين المحترفين -إذن- أن يتفاخروا بأنهم مثل الكُتاب الإنجليز، فكلاهما من أصحاب الدخل المنخفض، وكلاهما متوسط دَخله أقل من الحد الأدنى للأجور! ويبقى للكاتب المصرى ميزة فى كونه «بيصرف من جيبه» على الكتابة، ربما حتى يتعلم قيمة الكلمة وغلاوتها مبكرًا!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات