.

الحب فى زمن الحرب

Foto

هل يستطيع الحب النجاة فى واقع الموت والأشلاء والدم؟ ما الذى قد يدفعنا إلى الوقوع فى الحب فى أثناء الأوقات العصيبة؟


رواية فلانجان الحائزة على جائزة مان بوكر البريطانية، هل هى رواية مأساوية عن ويلات الحروب أم هى رواية رومانسية عن الحب الضائع؟
. .........................................................................


هى بمنتهى البساطة قصة حب تحاول النجاة وسط مدينة غارقة فى الموت والغبار والأشلاء والدم، هى قصة حب تحاول النجاة وسط حرب شرسة تستطيع اعتبار نفسك محظوظاً إذا أنت خرجت منها على قيد الحياة، فما بالكم بشخص يريد الخروج منها على قيد الحياة والحب معًا؟!


إنها الثنائية الأزلية نفسها، الحب والحرب، هاتان الكلمتان اللتان وإن بدتا للوهلة الأولى متناقضتين وعصيِّتين على الاجتماع معًا، فإنه بالنظر إلى كل تلك الحكايات القادمة لنا من أرض الحروب سوف نكتشف، للمفارقة، أنهما ربما كانتا الكلمتين الأكثر ارتباطًا على مر العصور، فالحب فى زمن الحرب أشبه بالملاجئ المحصنة التى نهرع إليها فى أوقات الغارات على المدن التعسة، وهو فى تلك الحالة ليس اختيارًا بقدر ما هو احتياج، فعلى قدر ما تولِّده مأساة الحرب من دمار وقتل، تُوَلِّد أيضًا رهافة حس يشعر الإنسان معها أن قلبه ممتلئ بالحب للجميع، طالما كانوا لا يرتدون بذلة عسكرية أو يحملون أسلحتهم فى حالة استعدادهم الدائم للقتل.


وعلى غرار روايات «همنجواى» و«ديكنز» و«ماركيز»، الذين جعلوا من الحرب خلفية درامية رائعة لإبراز قصص حب خالدة علقت بأذهاننا، كما فى رواية «جميلة» للكاتب الروسى «إيتماتوف»، تلك التى نشأت بين جميلة ودانيار فى سهول كازاخستان فى أثناء غياب الزوج الذى يحارب على جبهة بعيدة، ورواية الأسترالى «ريتشارد فلانجان» «الطريق الضيق لعمق الشمال»، التى فازت بجائزة مان بوكر البريطانية لهذا العام.


الرواية تدور أحداثها فى فترة الحرب العالمية الثانية فى معسكرات الأسرى، حيث يتم إجبارهم فيها على شق طريق سكة حديد يمتد من «تايلاند» إلى «ميانمار»، حيث تم تسخير أكثر من ربع مليون أسير لحفر هذا الخط، وهى السُخرة التى لم تخلُ من حكايات التعذيب فى ظل الغياب الكامل لأى رعاية طبية، ناهيكم عن أساليب التجويع المميتة واللا إنسانية، وهكذا يسافر بطل روايتنا الطبيب الأسترالى «دوريجو» إلى تلك المعسكرات ليرتطم هناك بذلك الوجه البشع واللا إنسانى للحرب، حيث الجروح المتقيحة والدم المتخثر والعديد من حالات الغرغرينا والتسمم الغذائى وسقوط العديد من الضحايا يوميًّا بسبب الإهمال الصحى والتجويع الممنهج.


  يصف الدكتور «دوريجو» حالات المرض والموت فى أثناء العمل فى معسكرات الأسرى برفاق السلاح، فوسط هذا العدد اليومى الضخم من الوفيات بين الأسرى سوف تلمح الموت يطل بوجهه من خلف كل تلك الجثث هازئًا ومستهزئًا وهو ينهش أجساد ضحاياه ببطء:


«قرحة شديدة فى الساق لم يتم علاجها تسببت فى جعل طبقة رقيقة من الجلد السليم تسقط على الجانب الخارجى مثل جلد عجل، بينما الساق تحولت إلى كتلة ضخمة من الصديد القابع تحت سطح جلد ميت تحول لونه إلى الرمادى.

اللفافات والضمادات المنزوعة كشفت العضلات والأوتار، بل التجاويف التى تفصل بينها أيضًا، بينما يمكننا أن نلمح عظمة الساق الآخذة فى التعفن والتشقق كما لو أن كلبًا قد قضمها. رفع رأسه لينظر إلى صاحب الجسد الممدد أمامه، الذى لم يكن سوى طفل شاحب الوجه بعينين يختلط فيهما الضياع باللا مبالاة».


يعود «دوريجو» وقد أثقل كاهله شعور عارم بالذنب فى إجازة قصيرة ليلتقى «آمى» التى وقع فى حبها من النظرة الأولى، ليكتشف لاحقًا أنها زوجة عمه الجديدة التى لم يلتقِ بها بعد. يستمر فى حبه لها حتى يعود إلى ساحات الحرب، بعد أن يتزوج زيجة تقليدية من «إيلا» قبل مغادرته بقليل. 

يعود لمعسكرات الموت ويتنقل بين عشيقاته الكثيرات فى محاولة منه للهروب من حب «آمى» ومن ثقل العيش بين جراح ومآسى الأسرى، إلا أنه لا يستطيع إلى نسيانها سبيلًا. يتضح ذلك الصراع الداخلى عند «دوريجو» من خلال لغة «فلانجان» الشائقة الغارقة فى الوصف الحسى التى تكاد تقترب من الحالة الشعرية واصفًا علاقة تمتد عبر عقود طويلة بروية وتأمل هادئ وغير ممل.

كما فى الجملة التالية على سبيل المثال «عندما ينظر إلى الخلف، يجد عينى آمى قد تغيرت، فبؤبؤا عينيها يبدوان كأنهما آخذان فى الانحسار شيئًا فشيئًا. ولقد أدرك فى داخله أنه يشعر بجاذبية مرعبة تجاهها تدفعه إلى العودة إليها. والآن وبعد كل ما حدث كل ما يريده هو أنه يهرب منها بأى طريقة ممكنة، ولكن بدلًا من أن يفكر كيف يمكن أن يفر، أغمض عينيه».


وفى خضم هذه المشاعر ذات التناقضات الهائلة بين عذاب المعتقلين ومشاعر الحب، سوف تنسى لوهلة أنك تقرأ رواية عن الحرب والقتل والتعذيب ومعسكرات الأسرى، فهى من وجهة نظر لجنة التحكيم التى منحته الجائزة «ليست رواية عن الحرب بقدر ما هى عن قصة حب عاشت وسط أحداث تاريخية عصيبة لم يُلْقَ عليها الضوء بعد من تاريخ أستراليا، وقد قام هذا الحب بتخفيف أهوال الحرب وتعويض من يشعرون به عن الإساءة لوطن بأكمله.


يُذكر أن «فلانجان» استغرق اثنى عشر عامًا فى كتابة رواية «الطريق الضيق لعمق الشمال» وأهداها لوالده الذى كان أحد أسرى الحرب العالمية الثانية ويحمل رقم 335، وهو الرقم الذى بدأ به أول سطور روايته، وقد تُوفى والد «فلانجان» فى اليوم نفسه الذى أنهى فيه روايته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات