.

لعبة اللوم بين الحكومة والشعب.. هل نعانى بشكل جماعى من مرض اضطراب الشخصية الحدّى؟

Foto

ما الخصوصية الثقافية؟


فى اللغة الإنجليزية مصطلح «لعبة اللوم» يشير إلى ديناميكية دائرية ينخرط فيها طرفان عند حدوث مشكلة، إذ يلوم كل طرف الآخر على التسبب فى المشكلة دون بحث دقيق وعلمى من أحد الطرفين أو كليهما.

وهذا المصطلح يختص بالأساس لوصف السلوك الذى ينخرط فيه الأطفال عندما يلومون بعضهم بعضًا عندما يتعرض أحدهم أو كلهم لمساءلة إذا وقعوا فى خطأ ما. وعندما يتمادى هذا السلوك إلى الكِبْر، يكون فى أحيان كثيرة جزءًا من مرض سلوكى/ نفسى أو عقلى.
فنحن الآن، شعبًا وحكومةً، نُدمن ممارسة هذا السلوك المدمر، إذ تلوم الحكومة الشعب، والشعب يلوم الحكومة، فى حالة تناسٍ تام أن الحكومة من الشعب وليست مستوردة من الصين أو هبطت علينا بمركبة فضائية من المريخ! إذا كان الشعب ينظر إلى الحكومة على أنها مستبدة، فيرد عليهم عمر الخيام منذ ألف عام ويقول لهم: «مستبدون جاءهم مستبد، ما لحكم الأيام فى الخلق رد، لا مناصَ منه ولا منه بُد، وإذا رسمتم دعيتم لحرب» والرسم هنا يعنى حسن المشى. مقولة عمر الخيام هذه عبقرية، تُحلل كتلة اضطرابات عقلية/ فكرية ونفسية وأخلاقية، توجه العلاقة بين الشعب والحكومة، والحكومة مع أجهزتها، والشعب مع مختلف قطاعاته، فى دوامة المنطق الدائرى، أى (البيضة أم الفرخة؟). «ملحوظة جانبية: لقد حسم عِلم الأحياء التطورى هذه المعركة بأنه فى الأصل كانت البيضة».
هذا السلوك يجعلنا نتساءل إذا كنا نعانى بشكل جمعى من مرض اضطراب الشخصية الحدّى، وهذا مرض يتمكن من الفرد فى سن المراهقة ويلازمه طوال حياته، وأعراضه هى:
١- وجود صورة ذاتية غير مستقرة أو مختلة أو شعور ذاتى مشوه.
٢- مشاعر العزلة والسأم والفراغ.
٣- صعوبة الشعور بالتعاطف مع الآخرين.
٤- تاريخ من العلاقات غير المستقرة التى يمكن أن تتغير بشكل كبير من الحب الشديد والمثالية إلى الكراهية الشديدة.
٥- الخوف المستمر من الهَجر، الانتقاد أو الرفض، بما فى ذلك رد الفعل الشديد تجاه التخلى الحقيقى وحتى المتصوَّر.
٦- المزاج المتشدد والمتغير للغاية، والذى يمكن أن يستمر لعدة أيام أو لبضع ساعات فقط.
٧ـ مشاعر قوية من القلق والاكتئاب.
٨ـ سلوكيات متهورة ومحفوفة بالمخاطر ومدمرة للذات وخطيرة، بما فى ذلك القيادة المتهورة، وتعاطى المخدرات أو تعاطى الكحول، أو ممارسة الجنس باستهتار.
٩ـ العدوانية.
١٠ـ حياة وظيفية غير مستقرة أو مليئة بالصراعات، وطموحات وأهداف غير منظمة.
وفى كثير من الأحيان يصاحب اضطراب الشخصية الحدى مرض النرجسية أيضًا. وإحدى أبرز ممارسات هذا المرض هى الإسقاط النفسى، وهو سلوك نفسى يقوم مَن يمارسه بالدفاع عن نفسه من عقله الباطن وخصاله الشخصية من خلال إنكار وجودها فى نفسه، ولكن يتهم الآخرين بها. وهذه -للأسف- أعراض نعانى منها بشكل جمعى، ففى معظم الأحوال كل ما يكره الشعب فى الحكومة، والحكومة فى الشعب، هى أشياء يمارسها الجميع.
فكسر دائرة اللوم وتحمُّل المسؤولية الفردية والقيَم العقلانية العلمية التى تعززها هى ما تقصم تلك الحلقة البائسة الشرسة، وتبدأ بمراجعة أمرين أساسيين:
١- الخصوصية الثقافية
فكثير من أمراضنا المجتمعية والسياسية والدينية تلبس عباءة هذا المصطلح الفاشى الذى لا يحمل غير كل قيم «المحسوبية، الفساد، السرقة، إهدار الموارد، عدم احترام الخصوصية، عدم احترام الملكية الخاصة، عدم احترام القانون، عدم تفعيل القانون، التزوير، احتقار المرأة، انتهاك حقوق الأطفال، العنصرية العرقية والدينية، التطرف الدينى، الهوس بالخرافة، الهوس الجنسى، استباحة الآخرين والتعدى عليهم، انعدام أوجه الحضارة، عدم الدقة فى العمل، التفكير غير المنطقى، الفرط والمبالغة فى المشاعر، التفاخر، التنطع، ابتذال الخطاب الاجتماعى والسياسى، الحقد على الآخرين، انعدام تحمل المسؤولية، العنف، الفَتونة، الكذب» كل هذه صفات مجتمعية وصفات ثقافية يتم ترسيخها والدفاع عنها على أنها «خصوصيتنا الثقافية»، فمصطلح الخصوصية الثقافية يحمل بوتقة من الأمراض النفسية والعقلية والقيَم الرثّة التى أصبحت جزءًا من الهوية الوطنية التى تصل بالبعض إلى حد إعلان النفير والعنف من قبَل مَن يتطرفون فيها؛ مثل الإخوان والسلفيين.
فكم الجرائم التى ارتكبت فى حق أنفسنا ووطننا تحت هذا المصطلح البالى الذى سيوضع يومًا ما فى المستقبل فى مكانه الصحيح فى معجم الأمراض النفسية المسمى بالـ«DSM» أى الدليل التشخيصى والإحصائى للاضطرابات العقلية.
فبوطقة أمراض الخصوصية الثقافية يستحيل علاجها فى ظل دائرة لعبة اللوم.
٢- تعريف الأخلاق
يستخدم المصريون والعرب ألفاظًا دون الإمعان فى معانيها والبحث فى فلسفتها، أو محاولة تعريفها عمليًّا. وأكثر كلمة مشوَّهة نستخدمها دون تعريف محدد وتحبسنا فى دوامة اللوم الشرسة هى كلمة «الأخلاق».
بسبب ترسيخ كل ما هو فاسد ومعتَدٍ تحت مصطلح الخصوصية الثقافية تم تشويه الأخلاق إلى حد تعريفها بنقيضها؛ فمثلًا إذا كنت لا تغتصب، أو تسرق، أو تقتل، أو تحرق خوفًا من الذهاب إلى جهنم، فهذا ليس خلقًا حميدًا، هذا فقط يعنى أنك جبان ووازعك الخوف وليس الأخلاق.
والجبن ليس سيد الأخلاق كما يقول شعار الخصوصية الثقافية الرثيث، ولكن الجُبن هو النتاج الحتمى للتخلى عن الأخلاق، الجُبن هو عرَض جانبى دارج عند كل مَن يمارس التملُّق الفكرى لصالح مَن هو أكثر عدوانًا وأكثر بطشًا منه.
العقلانية هى سيدة الأخلاق
فالإنسان السوى لا يرتكب تلك الجرائم لأنه يرفض إيذاء أو ضرر الآخرين، لاحترامه نفسَه ولأهمية حفاظه على صحته النفسية وسلامته الضمائرية وسعادته، ولمعرفته الواعية أن الأعراض الجانبية لهذه الممارسات تنقص من جودة حياته. وهذا هو الفرق بين الأخلاق العقلانية والأخلاق الغَيبية الميتافيزيقية. تقول الفيلسوفة إين راند: «نظرية الأخلاق الميتافيزيقية تعتمد بشكل حصرى على قاعدة أن المعيار للقيمة الأخلاقية لدى الإنسان يكمن بعد القبر، بقوانين أو ملزمات لبُعد قوى خارقة أو غيبية، وتكون قيَمًا يستحيل الموافاة بها، بل وتعادى حياته على الأرض؛ ولذلك يجب أن يُلام ويتعذب طوال وجوده على الأرض لكى يعوض عن ذنب عدم تحقيقها».
فمعيار الأخلاق الميتافيزيقى هو معيار يحتكم إلى بذرة فساده وفشله؛ ولذلك تجد فى كل العصور وكل التواريخ فى كل الشعوب وكل الأديان الحكومات الدينية أو الثيوقراطية والشبه ثيوقراطية لم تأتِ غير بالخراب والدمار والحروب، وهذا يعرفه مَن قرأ التاريخ، وليس النسَخ المنقَّحة والمكذوبة منه.
أما الأخلاق الموضعية العقلانية فهى دومًا تدرّ على الفرد الرخاء الاقتصادى والاستقرار السياسى والسعادة الفردية، التى ترتكز على تحمُّل المسؤولية الفردية. لا يمكن كسر دائرة اللوم دون اعترافنا بأخطائنا الثقافية والأخلاقية، ويبدأ ذلك بنبذ مصطلح «الخصوصية الثقافية» الذى يرسخ لكل ما هو قبيح.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات