.

مَن يحظر ويمنع اليوم سيجد مَن يحظره ويمنعه غدًا

Foto

كيف تحول الجدل حول قرارات حظر النشر إلى جهة الاختصاص بدلًا من القيود والمعايير التى تحكمها؟ هل يتم تمرير قانون الصحافة والإعلام خلال أيام رغم كل الانتقادات والملاحظات؟


جاءت الأزمة الأخيرة التى تسبب فيها قرار رئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد، بوقف النشر فى كل ما يتعلق بقضية تبرعات مستشفى 57357، والتى أدَّت إلى قرار النائب العام بمثوله أمام نيابة أمن الدولة العليا، والذى اعتبر أن القرار منعدم لا أثر له لكونه ليس من اختصاص المجلس الأعلى للإعلام، حسب خطاب النائب العام، لتثير جدلًا قانونيًّا واسعًا حول إذا ما كانت صلاحية إصدار قرارات بمنع وحظر النشر والبث هى من صميم اختصاصات النيابة العامة، أم أنها مخولة أيضًا للمجلس الأعلى للإعلام سواء وَفقًا لتفسيرات نصوص قانونه الحالى، والتى سوف تتسع أكثر فى نصوص مشروع قانون الصحافة والإعلام الجديد، وهى النصوص التى استند إليها المجلس ورئيسه فى البيانات التى أصدروها ردًّا على خطاب النائب العام.

لكن بعيدًا عن هذا الجدال القانونى، الذى سوف تحسمه جلسة التحقيق التى ستجرى غدًا «الأربعاء»، بعد طلب نقابة الصحفيين تأجيلها، وهو التحقيق الذى تم حظر النشر بخصوصه أيضًا بقرار النائب العام، فإن ما جرى يكشف بوضوح عن ثلاثة جوانب رئيسية ومهمة، تتعلق بالتداخل فى الاختصاصات وَفقًا لتفسيرات المواد القانونية فى ما يتعلق بصلاحية قرار ينتقص بالأساس من حرية الصحافة والإعلام دون أى حديث جاد عن ضوابط ومعايير محددة لإصدار مثل تلك القرارات التى يفترض أن تمثل استثناءً، لكن الممارسة خلال السنوات القليلة الماضية تشير إلى توسع كبير فى استخدامها.. وجانب ثانٍ يخص مدى الاختلاف الذى لا نبالغ إن قُلنا إنه يصل حد التناقض بين فهمَين مختلفَين لدور الصحافة والإعلام ومدى تأثير مناخ الحرية على قدرتهما على أداء هذا الدور، أما الجانب الثالث فيتعلق بتزامن توقيت تلك الأزمة الأخيرة مع اقتراب مجلس النواب من إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد الذى تعرض لكثير من الانتقادات خلال الفترة الماضية كما أصدر قسم التشريع بمجلس الدولة عدة ملاحظات بخصوصه قبل استكمال إجراءات إصداره من مجلس النواب.
قضية وقف أو منع أو حظر النشر تبدو الآن وبعد الكثير من القرارات فى قضايا عديدة -ربما تذكر منها الجماعة الصحفية تحديدًا على سبيل المثال حظر النشر فى ما يتعلق بواقعة اقتحام نقابة الصحفيين والقبض على اثنين من الصحفيين وقتها والتى تحولت بعد ذلك إلى محاكمة نقيب الصحفيين السابق واثنين من أعضاء المجلس وقتها- بحاجة جادة إلى ضوابط وقيود حاكمة وملزمة أيًّا كانت الجهة التى من حقها إصدار مثل ذلك القرار، لكن الأزمة الأخيرة لا تثير ذلك فى النقاش العام، سواء على المستوى الصحفى والإعلامى أم على مستوى الجماعة الصحفية، بل يبدو الجدل القانونى مقتصرًا على اختصاص إصدار مثل ذلك القرار وليس حدوده أو قيوده أو ضبطه فى إطار الضرورة. والمفارقة أنه فى الموقف الأخير المتعلق بقرار المجلس الأعلى للإعلام بخصوص مستشفى 57357، يبدو بيان النائب العام أقرب إلى هذا الفهم من بيانات المجلس الأعلى للإعلام ورئيسه الذين يفترض أنهم ينتمون إلى الجماعة الصحفية، ولعل الفقرة التى يشير فيها البيان إلى أن دور المجلس (ضمان وحماية حرية الصحافة وحق المواطن فى التمتع بإعلام وصحافة حرة نزيهة) قد يدلل على مدى تلك المفارقة التى تفترض بالصحفيين والإعلاميين بنقابتَيهم وهيئتهم ومجلسهم أن يكونوا هم الأكثر انحيازًا لفكرة أن يكون المنع والحظر استثناءً محدودًا لا أن يمارسوه هم بأنفسهم وبقراراتهم!
الجانب الثانى مما كشفته التفاعلات الأخيرة، وكثير من الممارسات قبلها، يشير إلى حجم واسع وحقيقى وجاد من الاختلاف حول مفهوم حرية الصحافة والإعلام، وضرورة تمتعهما بالحرية اللازمة لممارسة دورهما المنوط بهما، وأن تكون حدود دور أى مجالس أو هيئات هى التنظيم لا التقييد، والانحياز لتوسيع مساحات تلك الحرية المطلوبة لا تضييقها لدرجة غير مسبوقة، وفى هذا السياق ربما تأتى إشارة رئيس المجلس الأعلى للإعلام إلى قيام مجلسه بإصدار قرارات سابقة بالمنع والحظر وهو يحاول التدليل على صحة قراره الأخير، لتؤكد أن المجلس الأعلى للإعلام بطبيعة الصلاحيات الممنوحة له حاليًّا وبطريقة استخدامه لها، حولته إلى رقيب على الصحافة والإعلام، وهو أمر يمثل استمراره خطرًا حقيقيًّا على حرية الصحافة والإعلام، وبالذات فى ظل الأوضاع الراهنة، ويبدو ذلك الخطر أكبر إذا ما صدر قانون الصحافة والإعلام الجديد بشكله الحالى أو فى ظل أى تعديلات شكلية لا تطول جوهر وفلسفة مواده التى تأتى ترسيخًا لواقع تقييد وتهميش الصحافة والإعلام ودورهما وفرض المزيد من القيود والرقابة عليهما.
جوهر الخلاف هنا الذى يصل حقًّا إلى حد التناقض هو بين فهم يرى أن الصحافة والإعلام دورهما مرتبط بمحاذير وقيود تراها السلطة وتفرضها من خلال قوانين، ويعتبرون ذلك فهمًا لما يسمونه الحرية المسؤولة، أو يعتبرون التقييد مساويًا للتنظيم، أو أن ذلك هو الحل لما يرونه فوضى أصابت الصحافة والإعلام، وهو فى حقيقة الأمر فهم يفرغ دور الصحافة والإعلام من أى مضمون، ويحولهما إلى مجرد أداة فى يد السلطة، ويخفض أسقفها ويزيد خطوطها الحمراء، حتى يصل الوضع إلى فرض رقيب ذاتى ترتعش معه أيدى وأقلام كثير من الصحفيين فى ظل الأوضاع الراهنة، وهو فهم لا ينتصر لحرية الصحافة تمامًا كما لا ينتصر للحرية بالأساس كمفهوم، وهو ما ينتمى إليه كثيرون من المحسوبين على الصحفيين والإعلاميين بكل أسف، لكن الأدهى أن ينعكس ذلك الفهم على مواقفهم وممارساتهم فى ما يتعلق بالمهنة نفسها التى لا يمكن أن تعيش أو تتطور إلا فى مناخ حر وديمقراطى.
وما بين التوسع فى قرارات حظر النشر وتحول النقاش إلى جهة الاختصاص بدلًا من الضوابط والقيود، وممارسة الهيئات الصحفية والإعلامية مفهوم الرقيب الذى يقيد ويمنع ويعاقب، تأتى قضية القانون الجديد للصحافة والإعلام الذى ترسخ مواده الأوضاع الحالية، بل وتقننها، وصحيح أن هذا القانون لن يكون من بين سوابقه حجب مواقع أو حبس صحفيين أو المزيد من فرض القيود على حرية التعبير، فكل ذلك وأكثر منه قائم بالفعل، لكن سوابقه ستمتد إلى ما يتعلق بأوضاع المؤسسات القومية، وبمدى قدرة الصحفى على ممارسة دوره حتى فى ظل القيود المتعلقة بالمناخ العام وحرية التعبير، وهو القانون الذى أبدى قسم التشريع بمجلس الدولة ست ملاحظات تهدده بالبطلان الدستورى، لكن الملاحظات بخصوص فلسفته وانحيازه ومفاهيمه تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير فى ظل نصوصه المقيدة والمهددة لا للصحفيين والإعلاميين فحسب، بل لحرية التعبير بشكل عام، خصوصًا مع امتداد مواده إلى ما يتعلق بشبكات التواصل الاجتماعى والحسابات والمدونات الشخصية وغيرها، ومع ذلك فإن هذا القانون وجد من بين مَن يعتبرون أنفسهم صحفيين أو إعلاميين مَن يدافع عنه ويروج له بل ويتهم منتقديه بأن لهم أهدافًا ومصالح خاصة أو أنهم لم يقرؤوا القانون بالأساس.
ورغم أن الأزمة الأخيرة وما تعكسه من خلاف مفاهيم حول أن الشفافية وحرية التعبير وقدرة الصحافة على النقد وإثارة القضايا وجذب اهتمام الرأى العام، وقدرتها أيضًا على الحفاظ على المعايير المهنية التى تصحح أى أخطاء وتتيح للجميع حق التعبير والرد، وما تلفت الانتباه إليه أيضًا من أن سلاح الحظر والمنع والرقابة قد ينقلب أحيانًا على أصحابه وممارسيه، فإن الأرجح أن ذلك كله لن يعنى الكثير لمَن يتمسكون بمواقفهم الأقرب إلى السلطة من الانتصار لحرية المهنة، تمامًا كما لم يعن لهم من قبل التضحية بكثير من المؤيدين والداعمين السابقين بمنتهى البساطة، لكن المؤكد أنه وبعيدًا عن تلك الأزمة، وسواء تم تمرير القانون أو تعديله شكليًّا لتجاوز الأزمة وامتصاص غضب البعض فى مقابل الحفاظ على جوهر فلسفته المقيدة والمانعة، فإن حرية الصحافة سوف تبقى فى النهاية، رغم حجم القيود واتساع الرقابة المفروضة عليها، والحرية وحدها ستنتصر فى النهاية، فى الصحافة والإعلام وغيرهما.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات