الشيوخ وسبوبة العين

Foto

ما الهدف من وراء هوس المسلمين بالحسد؟ كيف استفاد الشيوخ من ترويج الخرافات والأساطير حوله؟ كيف ينعكس ذلك بالسلب على نفس المسلم وعقيدته؟


لدينا فى هذا المجتمع هوس كبير بالحسد، لدرجة أن هناك من ترى فى عينيه الخوف أو الهم عندما توجه إليه إطراءً أو مجاملة بخصوص مظهره مثلا، تشعر وكأنه ينتظر بلا حول ولا قوة، ما سيحل عليه من لعنات عينيك، وقد يسارع البعض بإخبارك بما يعانيه فى الحياة من مشاكل ومصائب وأمراض، وقد يختلق قصصا ومواقف؛ لإقناعك بأنه فيه ما يكفى من الكروب وأن حاله ليست أفضل من حالك، فى محاولة منه للنجاة من حسدك بالغ القوة سريع المفعول. ولا أظن أن ما أصابه بهذا الهوس هو أفلام الخيال العلمى التى نرى فيها الأبطال الخارقين يطلقون أشعة الليزر الحارقة من عيونهم أو الذين يحركون الأشياء عن بعد بنظراتهم، بل ما يحاط به منذ الصغر من أفكار ومعتقدات سيئة يرددها الجميع لم تترك أحدًا إلا ومسّته بهذا الهوس، بل هناك بعض اللا دينيين قد نجدهم يرددون نفس العبارات التى تشير إلى هذا المفهوم المضحك للحسد، والتى قد يؤمن بها بعضهم فى قرارة أنفسهم، رغم عدم إيمانهم بالأديان نفسها.


ولا ننكر تأثير الموروثات الفقهية المليئة بالخرافات فى صناعة تلك المعتقدات، جنبًا إلى جنب مع الأعراف والأساطير الاجتماعية المتداولة.

ويستدل أولئك المبالغون بهذا الهوس، بعبارتهم الشهيرة «الحسد مذكور فى القرآن». وبصرف النظر عن تلك الجملة مفككة المنطق، هلامية التفسير، فلسنا نتجادل حول وجود الحسد بل حول مفهومه، فالحسد صفة من الصفات السيئة كما الغضب والحقد والغيرة والطمع، قد تدفع بصاحبها إلى ارتكاب أفعال سيئة بحق غيره، ولا يوجد أى دليل فى القرآن الكريم على صدق المفاهيم الشائعة عن الحسد التى يقتنع الناس بها.


فمثله كمثل الجن والسحر، هو أيضا مذكور فى القرآن، ولكن لدى البعض أفكارًا مبالغا فيها بشأنه وتصرفات معيبة بخصوص التعامل مع هواجسهم تجاه الأمر، ما يذكرنا بالمستفيدين من وراء تصديق الناس لتلك المعتقدات وانشغالهم بها، ألا وهم الشيوخ والدجالون.


هم الذين عملوا على إضفاء لمسَتهم الفقهية وتحويل تلك المبالغات إلى عقائد متأصلة فى الدين، ما زاد من اقتناع الناس بها.

أذكر أن أحد الشيوخ المشاهير تحدث فى إحدى القنوات الدينية المرموقة عن الحسد وقد سخر من تفاسير الأطباء للأمراض، ونبه إلى أن السبب فى إصابة أحدهم بها قد يكون العين، ثم أشار إلى ما اعتبره دليلا من القرآن على الحسد فى الآية الكريمة «يا بنى ادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شىء»، وقد فسرها بأن النبى يعقوب، عليه السلام، كان يقصد بذلك أن لا يُحسَد أبناؤه وهم كُثُر.

ولا ندرى من أين له التأكد أن هذا ما كان فى نفس النبى يعقوب، خصوصًا أن الآيات فى سورة يوسف تجعل التفسير الأقرب إلى الصواب، أنه خشى على أبنائه من احتمال وجود مؤامرة من عزيز مصر عليهم، فجاءت هذه الفكرة كمحاولة لتمويه العزيز.

وبعيدًا عن كل من التفسيرَين، لماذا لم ينصحهم النبى بهذا فى أول مرة يدخلون مصر؟ ثم كيف تتم حمايتهم من العين بهذه الطريقة فى بلادهم؟ هذا مجرد مثال على سوء تأويل الآيات القرآنية لخدمة ما يتم ترويجه.

وأنا لست ضد الاستعاذة وقراءة القرآن والدعاء طلبًا لحاجة أو حماية من مكروه، لكنى ضد مزج الأساطير بالدين، ضد إشاعة الجهل والخرافات لاستغلال المسلمين ماديا وإمراضهم نفسيا، ضد هذا الخوف والجنون، ضد أن ينصبّ اهتمام البعض على معرفة كمية الريق الذى يستخدم فى النفث فى الرقى الشرعية على أماكن الإصابات مثلا، ضد كثرة الإفتاء والافتراء بخصوص هذه الأمور التى لا تخدم سوى سوق الشعوذة.


فالهدف من وراء ذلك واضح، والمستفيدون هم من يدفع لهم الجاهلون الأموال مقابل وصفاتهم العشبية للشفاء من الأمراض، ورقاهم الشرعية للحماية من العين باعتبارهم مباركين، وما هم سوى محتالين على البسطاء من أجل نهب ما فى جيوبهم، ولن يتم كل ذلك إن لم يقدموا للعوام استنادات دينية على صدق ما يدعون تتمثل فى تفاسير مغلوطة للآيات الكريمة التى لا نجد فيها أدلة قاطعة على مفاهيمهم للحسد؛ لذلك فهم يغمسون عقول الناس فى دهاليز الروايات الخرافية أو ما ينسبونه إلى النبى، والله وحده أعلم بما فيه من صدق وما فيه من تدليس.


النقطة الثانية التى يجب ملاحظتها، هى تجاهل أولئك الداعين إلى هذا الهوس، لآيات مثل «وأما بنعمة ربك فحدث»، هل نجد فى هذا المجتمع من يمتثل لهذا الأمر ويتحدث إلى غيره عن نعم الله عليه؟ وهل نجد بين هؤلاء اقتناعًا حقيقيا بالآية الكريمة «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»، وغيرها من الآيات التى تؤكد أن قدرة الله فوق أى شىء؟


إن هذا الهوس القديم له تأثير ذميم من حيث إنه جعل الناس يخشون بعضهم أكثر من خشيتهم لله، كما أن له أثرًا نفسيا سلبيا فى تعاملات الإنسان ونفسيته التى كثيرا ما تعانى من القلق والتربص ولوم الآخرين، بل إن البعض يخافون حتى من أنفسهم، فالأسطورة تقول «الواحد ممكن يحسد نفسه» أو «ما يحسد المال إلا أصحابه»؛ ما أوصل البعض إلى أنهم قد يشعرون بالندم إذا امتدحوا أنفسهم أو نجاحاتهم بصوت مرتفع.


إن الشيوخ بما عملوا على تعزيز هذا الهوس من خلال سوء تأويل الآيات الكريمة، استطاعوا تأسيس تجارة رابحة يحصدون فيها ما زرعوه فى الناس من جهل، والناس تسعى إلى شراء بركاتهم الزائفة، ويطلبون منهم حمايتهم من العين بمختلف الوسائل.


وقد جعلوا كثيرًا من الناس يعظّمون قدرة المخلوق ويخشونه، ويفضلون تلك الخزعبلات على المنطق والعلوم الطبية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات