.

ردهات القلب العامرة!

Foto

تزوجت الروائية التشيلية إيزابيل الليندى، للمرة الثانية، من محامٍ أمريكى التقته فى كاليفورنيا يدعى ويليام غوردوم، كان آخر رجل يمكن أن يفكر فى زواج ثانٍ، لكنه كان قد قرأ رواية لها وأعجب بالرواية..


لم تكن الليندى (ابنة أخ الرئيس التشيلى سلفادور الليندى) تجيد فى طفولتها أمرًا مثلما كانت تجيد القص.. تستفرد بإخوتها الصغار ولا تتركهم إلا بعد أن تفرغ كل ما بها من حكايات.. انشغلت بتربية الأطفال وكسب لقمة العيش بالعمل فى الصحافة.


يمكن للمرء أن يأتى إلى الدنيا ويرحل دون أن يدرك ما أراده من الحياة، ويمكن أن تأتى اللحظة الفارقة دون توقُّع.. حين يجد الإنسان ما كان يستشعره ولا يدريه، فيتعرف على ذاته.. هكذا لم تتعرف هذه الكاتبة البديعة على نفسها ككاتبة إلا قرب الأربعين.. لتأتى أعمالها تحمل واقعية أمريكا اللاتينية السحرية، الخيال والواقع، طلاقها من الزواج الأول جرى وديًّا فى المنفى فنزويلا.. الحِل والترحال أخذاها إلى كاليفورنيا.


تزوجت الروائية التشيلية إيزابيل الليندى، للمرة الثانية، من محامٍ أمريكى التقته فى كاليفورنيا يدعى ويليام غوردوم، كان آخر رجل يمكن أن يفكر فى زواج ثانٍ، لكنه كان قد قرأ رواية لها وأعجب بالرواية.. تحكى عنه الليندى بمرح ودهاء أنثوى لطيف.


وكيف شعر بالخذلان لما التقيا فى احتفال.. كان يحب الشقراوات الطويلات وكانت قصيرة بشعر أسود.. ومع ذلك وقعا فى الحب، وقررت هى أن تتزوجه وأخذت المبادرة.. فى ليلة كانا مدعوَّين إلى حفل عشاء والقمر بدر وفرانك سيناترا يملأ سكون الليل بأغنيته «غرباء فى الليل».. طلبت منه أن يكلمها عن نفسه (وهى حيلة كثيرًا ما تفلح أيتها النساء)! المهم أنه ما أن بدأ حتى اكتشفت الليندى أنها أمام «صيد» أو فريسة فنية.. تقول «بعد وقت قليل اكتشفت أنى عثرت على جوهرة من تلك الجواهر النادرة التى يبحث عنها كل قاص.. كانت حياة هذا الرجل عبارة عن رواية! لذلك فعلت ما يمكن أن تفعله أية روائية طبيعية من أمريكا اللاتينية، تزوجت الرجل لأحصل على القصة، وقد استغرق ذاك بعض التلاعب البارع!


استقرت منذ عام ١٩٨٧ فى كاليفورنيا، منحها العيش فى أمريكا كما تقول فرصة للخصوصية والعزلة كى تكتمل، وأعطاها الحرية لتنتج نسخة جديدة من شخصيتها، ولم يكن عليها أن تعانى انقسامًا بين الوطن الأول ووطن المهجر، لأنها كما تقول لم تشعر أنها غريبة فى أى منهما، لم ينقسم قلبها.. فقط هو اتسع.. تقول إحدى خصائص أمريكا الشمالية إنك تستطيع دائمًا أن تبدأ من جديد وأن تتحرك إلى الأمام وتعبر حدود الولاية وتدع وراءك الذنب والتقاليد القديمة والذكريات، فكأنك تولد من جديد كالأفعى التى تترك وراءها جلدها القديم وتبدأ من جديد.. فى عام ٢٠٠٦ وقع الاختيار عليها لتحمل علم الدورة الأوليمبية الشتوية فى إيطاليا مع نساء يمثلن خمس قارات، منهن صوفيا لورين والممثلة سوزان سارندون وامرأتان ممن أسهمن فى تغيير ما يحيطهن: الكينية الحاصلة على نوبل للسلام والتى أسهمت فى زراعة ثلاثين مليون شجرة «وانجارى ماثاى»، ولهذا غيَّرت البيئة فى إفريقيا كلها، والكمبودية التى حاربت المتاجرة الجنسية فى الأطفال «سومالى مام».. تملك الليندى حسًّا فكاهيًّا لماحًا، يجعلها دائمًا تخلط الرسالة التى توجهها فى حوار أو مقالة أو كلمة، بمزحة ذات دلالة.. وقد حكت عن طابور العرض الأوليمبى، وكيف كانت مغمورة حتى سارت فيه (مع أن هذا غير صحيح)، وكيف أن الكاميرات تركزت على صوفيا لورين، رمز الجمال الخالد، ومن ثَمَّ عليها لأنها كانت ملاصقة للورين، ولا يكاد طولها يتجاوز نصفها. وقالت إنها بالطبع لو خيرت لتمنت أن تملك جمال صوفيا، ساقيها الرشيقتَين ونهديها الأسطوريِّين، لكنها تتمنى أكثر لو امتلكت «قلب» أى من المرأتين: الكينية أو الكمبودية.. «وانجارى ماثاى» العطوف أو «سومالى مام» تقول «أود أن أجعل العالم جيدًا ليس فقط فى وضع أفضل مما كان، ولكن جعله سيطًا فى المجمل». عاشت الليندى فى مجتمع تقول عنه إنه ذكورى كاثوليكى وعائلة محافظة، فلا غرابة إن انحازت «للنسوية» منذ سن الخامسة حتى ولو لم يكن المصطلح معروفًا فى شيلى وقتها.. وهى مهمومة بمصائر النساء الضعيفات اللائى يرقدن فى ذاكرتها، بدءًا من أُمِّها التى لم تكن تملك ما تدفع به غوائل الدهر لما هجرها زوجها تاركًا الأولاد دون نفقات.. النساء واحد وخمسون فى المئة من البشرية، وهن الأكثر مظلومية فى المجتمعات الأكثر مظلومية.. تقول فى معظم حروب هذا الزمن، معظم الضحايا مدنيون، وأغلبهم نساء وأطفال.. تذهب أرباح الحروب إلى الرجال وتموت النساء.. يحكم الرجال العالم فانظروا أى عالم نعيشه؟!


تقول الليندى «إن أكثر ما أخشاه فى عالمنا هو السلطة المطلقة دون حساب أو عقاب.. سوء استخدام السلطة والتجبر فى المعاملة فى جنسنا البشرى، يعرف الذكر واقع العالم ويجبر البقية على القبول بهذا الواقع واتباع قوانينه.. تتغيَّر القوانين فى كل وقت، لكنها دومًا فى صف الذكور.. تمضى هذه فى النمو، تتعامل معها آجلاً أو عاجلاً القوانين فى طريقها النفعى من أعلى السلم إلى الأسفل.. النساء والأطفال هم دومًا فى آخر القاع.. حتى أشد الذكور فقرًا لديه دائمًا مَن يستعبده»! تقول «عندما أحكى قصة عن العبودية، فإنى أرويها بلسان المستعبد، وأنظر إلى العالم بعينه هو، كذلك ألج قلب السيد، أريد للقارئ أن يشعر ويفهم معنى أن لا يكون حُرًّا.. فى كل كتبى نساء قويات يتغلبن على عوائق عظيمة ويكتبن أقدارهن».


تعيش فى كالفورنيا ولا تكتب أدبًا إلا بالإسبانية.. اللغة جوهر الكاتب.. ممكن تكتب خطابات أو تعليقات أو مقالات بالإنجليزية.

أما الأدب فلا تكتبه بغير الإسبانية.. كل الأشياء الجوهرية بالإسبانية، كتابة وتوجيه التوبيخ إلى الأحفاد والطهى والحب.. هى انتقائية بشدة فى اللغة.. تقرأ ما تكتبه بصوت عالٍ.. لا يعجبها التكرار.. مهم جدًّا أن تجد الكلمة التى تبحث عنها.. الكتابة لا تعالج بالذهن، ما الجنة بالنسبة إليها حين يحضر الإلهام.. هاجس.. كل قصة هى بذرة تنمو وتأخذ فى النمو.. أسوأ الأوقات هو عندما تشح البذور المطمورة فى ردهات القلب.. المهم أن تبقى ردهات القلب «عامرة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات