أسباب انحطاط الحضارة العربية الإسلامية

Foto

على طريقة الطبيب الماهر، يُشخّص الكاتب السورى أمراض المجتمع العربى، ويضع يديه على المشكلات التى وقفت عائقًا أمام مشروع التنوير، وأدَّت إلى فشل الإصلاح الدينى فى العالم الإسلامى


أعادت دار «الساقى» ببيروت نشر طبعة جديدة من كتاب «الانسداد التاريخى.. لماذا فشل مشروع التنوير فى العالم العربى؟» للمفكر السورى هاشم صالح، تزامنًا مع الدعوات لـ«ثورة دينية» وإحداث هزة كبيرة فى العالم الإسلامى للحاق بالنهضة الأوروبية.


على طريقة الطبيب الماهر، يُشخّص الكاتب السورى أمراض المجتمع العربى، ويضع يديه على المشكلات التى وقفت عائقًا أمام مشروع التنوير، وأدَّت إلى فشل الإصلاح الدينى فى العالم الإسلامى مقارنة بنجاحه فى المسيحية منذ قرون، كذلك يشير إلى أسباب الانحطاط الحضارى فى العالم الإسلامى، وتحوّل الإرهاب إلى ما سماه «وباء أصولى» هدَّد المجتمعات الحديثة، وصولاً إلى حالة سماها «الانسداد التاريخى».


فى الفصل الأول من الكتاب الذى يقع فى 300 صفحة، يحكى صالح تحت عنوان «أما لهذا الليل من آخر»، تجربته فى التخلُّص من الماضى، حينما سافر إلى فرنسا، وابتعد عن البيئة التى عاش فيها أكثر من ربع قرن، مشيدًا بالحضارة الأوروبية «هناك حرية فكر وتعبير، حرية فهم وتنفس ثقافى، نسمة الحرية التى تهب على أوروبا منذ عدة قرون هى التى صنعت مجدها وحضارتها وتفوقها على جميع شعوب الأرض، إن تجربتها فى تعزيل ذاتها من ذاتها، أى من شوائبها ورواسبها هى أثمن ما اطلعت عليه فى حياتى».


وينقلنا صالح بعد ذلك إلى تجربة «التنوير الأوروبى»، ويصنفها بأنها «أكبر مختبر حضارى حدث فى التاريخ»، فكل العلم القديم من فيزياء ورياضيات وفلك وبصريات أصبح لاغيًا بالقياس إلى العلم الأوروبى الحديث «فما علاقة كيمياء جابر بن حيان بالكيمياء الحديثة، وطب ابن سينا بالطب الحديث؟».


ويشير إلى أن أوروبا توصَّلت إلى التعايش السلمى والعلوم الحديثة بعد معارك حامية بين فلاسفة التنوير والأصولية المسيحية، معركة شهدت وضع العقائد المسيحية على محك الشك والتساؤل الصريح، يقول: «وحده القرن الثامن عشر تجرأ على إحداث تلك القطيعة الإبستمولوجية التى لم تجرؤ عليها أى حضارة بشرية حتى الآن، أى القطيعة العلنية الصريحة مع الرؤية التقليدية للعالم وإحلال الرؤية العلمية الفلسفية محلها».


لكن ماذا عن العالم الإسلامى؟ يجيب صالح بأن العالم الإسلامى فشل فى إحداث ثورة تنويرية، فالمثقفون هربوا من المشكلات، وتبنوا أيديولوجيات جاهزة مستوردة من الخارج بمفاتيحها، وتغاضوا عن حل المشكلة التراثية التى لن تُحلّ إلا بخوض معركة الصراحة معها على المكشوف، ويضيف: «ما الفائدة عندما أقف وأقول: أنا شخص تنويرى، لا علاقة لى بالتخلف والتعصب، أنا ضد التراث الجامد، أنا حللت مشكلتى الشخصية مع الماضى، وأصبحت ليبراليًّا أو ماركسيًّا، كل هذا الكلام لا معنى له إن لم يكن ناتجًا من مصارعة داخلية للذات مع ذاتها، إن لم يكن محصلة لحفر أركيولوجى فى الأعماق وتعزيل لكل الرواسب المتراكمة سواء كانت طائفية أو مذهبية؟».


وفى جزء آخر من الكتاب عن أسباب انحطاط الحضارة العربية والإسلامية، يستشهد المؤلف السورى برؤية المستشرق المعاصر مارتن كريمر المختص بالتاريخ العربى والإسلامى «الحضارة الإسلامية والعربية كانت قوية ومزدهرة لدرجة أن كل مَن كان لا يتقن العربية لا يعد مثقفًا، ولكن تجمعت بعد ذلك أسباب الانحطاط منها الغزو الخارجى الذى كان أشرسه المغولى والتغيُّر المناخى الذى بدأ بتصحر منطقة الهلال الخصيب وفقدانه ثرواته الحيوانية وكذلك الأزمة المالية التى ضربت تلك المنطقة بتحول الخطوط التجارة عنها وأدت إلى أضعاف الطبقة البرجوازية».


 ويرى صالح أنه آن الأوان للانتقال من المرحلة الأيديولوجية إلى المرحلة الإبستمولوجية، خصوصًا بعد خراب العراق ولبنان وفلسطين، وبات ضروريًّا للجميع الخروج من «الانسداد التاريخى» بأن ينبثق خطاب فكرى جديد يتحلّى بدرجة عالية من الحس أو الوعى التاريخى بموازين القوى العالمية، وتحرير الروح العربية الإسلامية من قيودها التاريخية فى معركة طويلة الأمد لتشخيص المرض ونبش الحقيقة المطموسة تحت ركام القرون.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات