لعبة عالمية.. اسمها تحويل الدين الإلهى إلى أصولية سياسية

Foto

ما الطريقة التى تمارس بها الأصولية عملها فى إفساد الأديان حول الأرض؟ لماذا أتى قتل السادات فى مصر وأنديرا غاندى فى الهند كأنهما مشهد متكرر لمخرج واحد؟ ما الرابط الأصولى بين «الضحوك القتّال» الإسلامى وفلسفة «كيركجارد» المسيحى؟


لولا أننى على ثقة صادقة يقينية مطلقة بكل ما تمتاز به الأصولية العربية من تفاهة وسطحية وغرائزية ساذجة، لأيقنت أنها تستمد روحها كلها من فيلسوف التشاؤم الوجودى الأصولى «سورين كيركجارد».

وليس فى هذه الفرضية أدنى غرابة مستغربة فى الحقيقة، فالأصولية ظاهرة عامة عالمية فى كل الأديان، ليس السماوى منها فقط، من يهودية ومسيحية وإسلام، ولكنها ظاهرة حتى فى الأديان الوثنية مثل الهندوسية والبوذية. وهو ما يعنى أن الأصولية تمثل دودة التفاحة أو مرض الدين، كل الأديان، أى أنها عطب الدين الطبيعى الذى يصاب به كما يصاب كل الأحياء والموجودات الحية بالعطب، سواء بسواء.


العلاقة الحديثة وحدها بين أصوليات الكرة الأرضية قاطبة، التى يكشفها «سكوت هيبارد» فى كتاب مهم ترجم ونشر فى العربية مرتين، كفيلة بأن تجعلنا نفهم كيف أن الازدهار الأصولى حول الكرة الأرضية منذ السبعينيات لم يكن مصادفة ولا تمددا سياسيا أو ثقافيا طبيعيا بأى معنى. فظاهرة «الصحوة الإسلامية» فى المنطقة العربية ترافقت مع ظاهرة «صحوة هندوسية» فى الهند، و«صحوة مسيحية» فى الولايات المتحدة. وكان الدافع من الصحوات جميعا تحقيق استراتيجية اليمين الأمريكى الأصولى فى مواجهة الاتحاد السوفييتى، وهى استراتيجية أسهم فى تنفيذها -على ما هو معروف- أنظمة الحكم العربية الرجعية، أنظمة دول الخليج القبلية، بقيادة نظام آل سعود الوهابى فى السعودية، ونظام السادات فى مصر، بالتعاون الكامل والإشراف التام من قبل أجهزة الدولة الأمريكية، بدءًا من رئيسها وخارجيتها وانتهاءً بمكتب مخابراتها الشهير «C.I.A».

وكان من نتائج هذا التعاون فى المنطقة العربية شن حرب جهاد إسلامى أمريكى أصولى مقدس ضد التدخل السوفييتى فى أفغانستان، كما كان من ثمراتها الفاجعة ليس اغتيال «أنور السادات» فى مصر فقط، بل اغتيال «أنديرا غاندى» فى الهند كذلك بنفس الطريقة، وعلى يد جماعات هندوسية متعصبة لا تختلف عن الجماعات الإسلامية فى مصر، رغم الاختلاف الشاسع بين الهندوسية والإسلام.


هذه الملاحظة الخاصة بوحدة الأصولية رغم اختلاف الأديان تعود إلى أن الأصولية ليست ظاهرة دينية فى حد ذاتها لكنها ظاهرة سياسية تعمل على توظيف الدين من أجل تحقيق أهداف سياسية. كما تعود إلى أن الجوهر السياسى للأصولية هو جوهر استعمارى دنيوى إمبراطورى يعمل -خلافا لكل مفاهيم الدين وحقائقه ومراميه- على تحقيق أطماع استعمارية وهيمنة إمبراطورية على العالم؛ ولذلك لاحظ المصريون خلال عام حكم الإخوان كيف يمارس الأصولى، سواءً أكان إخوانيا أم سلفيًّا، بتلذذ لا يفوقه تلذذ، كل فنون التلاعب والمناورة السياسية بكل مفاهيم الدين والشرع.

ولا يهم إن أتى ذلك فى غمار لعبته الإقليمية مع أجهزة المخابرات والسياسات الإمبراطورية الأمريكية التى يعرف الأصولى معرفة تامة كيف أنه وحزبه وجماعته محض ألعوبة لها، ألعوبة تتهددنا مخاطرها للأسف بالنار والحروب الأهلية، كما تتهدد أوطاننا بالتقسيم والاندثار. لكن لا يساوى هذا كله فى نظر الأصولى محض تلذذه بلعبة تحويل الدين الإلهى إلى أصولية سياسية!


ولنعد إلى فيلسوف العذاب الأصولى «كيركجارد» بعد أن تبين عمق الصلة بين الأصوليات ووحدتها كظاهرة سياسية عابرة للأديان.

لكن وقبل الولوج إلى شرح لمجمل آراء الفيلسوف، أناشد القارئ أن يلقى نظرة على «بيان شرح عملى» لآراء الفيلسوف الدنماركى، يجده فى فيديو تداول مؤخرا على شبكات التواصل الاجتماعى، ونشرت مضمونه بعض الصحف. وهو فيديو لإرهابى أصولى يستعد لتنفيذ عملية إرهابية فى ليبيا، يبدأ فيه الإرهابى بالصلاة والسلام على «الضحوك القتّال» -هكذا قال!- محمد بن عبد الله، صلوات الله عليه وسلامه، ثم يردف بهيئة باسمة ومخدرة «مخدرة بكل معانى الكلمة»: «اليوم بعون الله سندك معاقل المرتدين، والله العظيم مدينة بنغازى اليوم سترى النور (نطقها النووووووور!)، أقسم بالله العلى العظيم، هذه الذراع البسيطة (ذراع تفجير مثبتة بجانب مقعد السائق فى سيارة أشار إليها)، هى بحول الله مع الصدق وإخلاص النية تدخلنا إلى جنات الخلد! والله ما نخاف من الموت والله، عز وجل، يقول: «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا».. والله العظيم.. والله سبحان الله.. جعل رزقى تحت ظل رمحى (حديث منسوب للنبى!).. والله سعادة لا يعلم بها إلا الله عز وجل والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله».


قارن الآن بين حديث هذا الانتحارى الإسلامى، وهو حديث مغرق فى سذاجة المخدرات الأصولية، وبين ما أعرضه هنا من فلسفة الفيلسوف الدنماركى المسيحى الوجودى الأصولى، واستخرج بنفسك بدائع هذا التماثل العجيب مع الفارق الشاسع طبعا بين عمق الفكر الفلسفى عند المفكر الدنماركى، وبين سذاجة الممارسة الأصولية المعمدة بالدم.


عند «كيرجارد» الفيلسوف التشاؤمى، أن العلاقة بين الله ومخلوقاته تتحدد بالألم، وتمر بكل أشكال الضيق والقلق والصراع والتناقض والشعور بالخطيئة والتمزق الداخلى. وهو يجعل من الاعتقاد فى الله ملكة للعبث أو اللا معقول. ويجعل من التناقض الظاهرى موضوعا للاعتقاد فى الله. ولا يكتفى بأن يجعل من الاعتقاد بالله عبثا بل يمضى بذلك إلى حد أبعد فيقول: «إن الإنسان أمام الله عدم، بل أقل من العدم». ومن هنا يجأر إلى الله قائلا: «يا إلهى، اجعلنى أشعر بلا وجودى، حتى يتضاعف شعورى بالهبة التى تمنحنى إياها»! ويؤكد ذلك بقوله: «حينما أشعر بأننى لا شىء على الإطلاق، فهنالك أستطيع أن أثق فى حب الله لى»!


والله فى نظر «كيركجارد» إله غيور يقول عنه: «لا يمكن أن يحبنى الله حقا إلا إذا تخليت عن كل حب آخر»!. ورغم أن المسيحية هى ديانة المحبة، فإن أصولية الفيلسوف المسيحية تحولها ببساطة إلى ديانة كراهية لا يمكن لإنسان فيها أن يحب الله دون أن يبغض نفسه ويبغض غيره، وإن كان أبوه وأمه وزوجته وأولاده وإخوته. فالكتاب المقدس يقول: «الذى يحبه الرب يؤدبه» ويقول «كيركجارد»: «إن من يباركه الله، لا بد أن يلعنه فى الوقت نفسه»!


وفى مشهد بالغ العبثية يرفع «كيركجارد» يده إلى الله، داعيا يطلب الهم! الهم؟! نعم الهم! يقول: «حينما يريد الله أن يصطفى لنفسه رجلا، فإنه يدعو رفيقه المخلص، ألا وهو الهم، لكى يطلب منه أن يلازمه، ويتعلق به، ولا يفترق عنه لحظة واحدة»! وهو يعنى بذلك أن الهم هو الرفيق المخلص لكل إنسان صادق الإيمان «التطبيق الأصولى لهذه الآراء يجعل من الرفيق المخلص للأصولى الهم السياسى طبعا».


يؤكد «كيركجارد» مع المسيحية أن «الله محبة» لكنها عنده محبة قاتلة، وهى محبة تعنى أن الله هو خصم الإنسان اللدود؛ لأن الله يبغض كمطلق كل مجريات الحياة البشرية النسبية الآثمة الزائلة، أو الآثمة بمجرد نسبيّتها وزوالها. يكره إله الأصوليين كل ما تتكون منه الحياة البشرية وكل ما يخلع على الوجود البشرى جماله ولذته. ويجعل من علاقة الإنسان الفردية بالله نموذجا لكل ما هو قلق نفسى وصراع ومجاهدة وتناقض ومواجهة مستمرة.

وهو يمضى لأبعد من ذلك بكثير فيؤكد أن المسيحى «الأصولى» لا بد أن يحيا كما لو كان ميتا فإن: «الله نفسه هو الذى يصدر على الحياة البشرية حكم الموت»!


الخطيئة عند كيركجارد أو الذنب، هو الذى يقودنا إلى الله، كما يقودنا الموت إلى الحياة الأبدية، والإحساس بالألم والخطيئة والذنب بالإضافة إلى الشعور بالقلق «الوجودى» هما الشرطان الضروريان اللذان يقودان الإنسان إلى «الفداء». وعندما يتخذ العذاب الدينى صورة نقية طاهرة يتحقق الاتحاد بين البطولة وعذاب الحب! وهكذا يتلاقى العذاب والعبادة مع البطولة والغبطة الروحية.

وهو الأمر الذى رأى فيه الفيلسوف تجسيدا باهرا لروح البطولة الظافرة المنتصرة لشهداء المسيحية الأوائل الذين كانوا يذهبون إلى الموت وهم فى حالة غريبة من النشوة؛ لشعورهم بأنهم يشاركون فى أخطاء الآخرين!


ولا يسعنى إلا التوقف هنا بعد أن فسرت كلمات «كيركجارد» الفيلسوف الوجودى الأصولى المسيحى بالكامل، كلمات الفدائى الأصولى المسلم فى ليبيا.

لتعلم، يا عزيزى، أن الأصولية دين واحد، كاذب ومزيف وشقى وعنيف، دين «الضاحك الذباح» حسب كلام الأصولى الانتحارى، ودين «محبة الكراهية» حسب الفيلسوف المسيحى.


الأصولية عندنا، يا أعزائى، هى الـanti islam، يعنى «إسلام ضد الإسلام»، وهى بكل لغات العالم ودياناته «دين ضد الدين».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات