.

سياط الخلفاء على ظهور العلماء

Foto

لماذا عُذِّب وقُتل الفقيه التابعى «ابن أبى ليلى» على يد الحجاج الثقفى؟ كيف نالت تهمة التشيُّع من كبار الصحابة والتابعين وأئمة مذاهب السنة أنفسهم؟ ولماذا تكرر تواريخنا الدموية نفسها باستمرار؟


«عبد الرحمن بن أبى ليلى»، يصنَّف فى طبقة كبار التابعين؛ لذلك فإنه تتَلمذ على يد كبار صحابة النبى، يذكر منهم «على بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل، وأبو ذر الغفارى، وأنس بن مالك، وبلال بن رباح وأبَىّ بن كعب الأنصارى وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان» وغيرهم.

كما أخرج من أحاديثه: البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة. ويقول عنه «الذهبى» فى «سير أعلام النبلاء» إنه ولد على خلافة أبى بكر، وقيل أواخر أيام النبى، وقيل لست بقين من خلافة عمر، وقُتِل سنة اثنين وثمانين أو ثلاث وثمانين هجرية.


وقبل أن نصل إلى أخبار عذاب «ابن أبى ليلى» على يد الوالى الأموى السفاح السفاك، باتفاق المؤرخين، وهو «الحجاج بن يوسف الثقفى» الذى ولّاه الخليفة الأموى «عبد الملك بن مروان» على الحجاز والعراق، وأطلق يده إزاء المعارضة الشديدة لحكم الأمويين فيهما، يجب أن نقف أمام التهمة التى عُذِّب وقُتل بسببها التابعى الفقيه، وكانت تهمة التشيُّع.

ولا بد أن نفرّق هنا جيدًا بين الاتهام بالتشيُّع فى هذه الفترة الباكرة من التاريخ الإسلامى، وبين الانتماء إلى المذهب الشيعى كما عُرف واشتهر بعد ذلك؛ فلم يكن التشيّع قد فارق بعدُ نهائيا، دوائر السياسة ليدخل دوائر الاعتناق والخلاف المذهبى الحاسم. كان الاختلاف بين المسلمين ممن يتشيَّع منهم لـ«علىّ» وآل بيته، وممن يتشيع منهم للأمويين، لا يزال خلافا سياسيًّا سلطويا على أمر من أمور الدنيا، ولم يكن قد صار إلى خلاف مذهبى بفعل ما ذهب إليه السنّة من تكفير متشدد ضد الشيعة، وما ذهب إليه الشيعة من جعل وراثة الإمامة «الخلافة السياسية» حجر زاوية فى بناء إسلامهم المذهبى وركن أركانه الركين.


الدليل على ذلك أن ثلاثة من أربعة من أئمة مذاهب أهل السنَّة، هم «الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعى، والإمام مالك» قد نالت منهم تهمة التشيع لآل البيت بدرجة أو بأخرى. ولم يكن الاتهام للأئمة الثلاثة الكبار، كما لم يكن بالنسبة لـ«ابن أبى ليلى»، هو الانتماء لمذهب شيعى، أو حتى التشيُّع الصريح لآل البيت، بقدر ما كانت التهمة هى التشكك فى ولائهم للأمويين وفى انتمائهم للمعارضة السياسية لهم فى المجمل.

ففى ظل الاستقطاب السلطوى والعسكرى الحاد بين معسكرين مسلحين ومتنازعين على الخلافة، لم يكن الأمويون يرضون من العلماء والفقهاء، بل ومن العامة، بأقل من إعلان الولاء التام، وإعلاء البيعة الناجزة لهم، ولم يكن العلماء فى هذه الآونة المبكرة من التاريخ الإسلامى بدورهم قد فقدوا اعتزازهم بموقف الاستقلالية عن السلطة، والنأى عن بلاط السلطان، باعتباره شأنا دنيويا صرفًا لا يليق بزاهد متبحّر فى علوم الدين الغرق فيه، ولا الاغترار بخيلائه وقوته، ولا الطمع إزاء جاهه، ولا الاغتراف من عطايا السلطان المشوب بالحرام لأنه مال عامة المسلمين.


بداية أخبار تعذيب «ابن أبى ليلى» من رواية عن «أبى حصين» تقول إن «الحجاج» استعمله على القضاء ثم عزله، ثم ضربه ليسب «أبا تراب»، وهو اسم التحقير الذى أطلقه الأمويون على «علىّ» رضى الله عنه، وكانوا يسبونه به من فوق المنابر.

ويأتى فى نهاية الخبر أن «ابن أبى ليلى» كان قد شهد موقعة «النهروان» مع «على» فيما يشبه تقديم تبرير لتعذيبه، غير أنه ليس من المعقول أن تكون تلك هى تهمة «ابن أبى ليلى»، فقد جرت موقعة «النهروان» بين جيش الإمام «على» وبين الخوارج سنة 38 هـ، بينما أتى عذابه عقب استعماله قاضيًا من قبل «الحجاج» خلال ولايته التى أعقبت الموقعة، كما أعقبت مقتل الإمام «علىّ» بعقود.


ويرِد عن «الأعمش» روايتان تثبتان ما كان للتابعى الفقيه من قدرة على الصمود أمام العذاب ولو بالتحايُل. يقول فى الرواية الأولى: «رأيت ابن أبى ليلى وقد ضربه الحجاج، وكأن ظهره مسح وهو متكئ على ابنه وهم يقولون: العن الكذابين، فيقول: لعن الله الكذابين. يقول: الله الله، على بن أبى طالب، عبد الله بن الزبير، المختار بن أبى عبيد. قال: وأهل الشام كأنهم حمير لا يدرون ما يقصد، وهو يخرجهم -يقصد عليًّا وأصحابه- من اللعن». وفى الثانية يقول: «رأيت عبد الرحمن محلوقًا على المصطبة وهم يقولون له: العن الكذابين، وكان رجلا ضخمًا به ربو، فقال: اللهم العن الكذابين، آه -ثم يسكت- على، وعبد الله بن الزبير، والمختار». ولا أظن أن أهل الشام، وعلى رأسهم «الحجاج» بالذات، كانوا حميرًا إلى حد أن لا يدركوا ما فى موقف «ابن أبى ليلى» من توق وتملُّص.


وتختلف الروايات فى الطريقة التى قُتل بها «عبد الرحمن بن أبى ليلى» لكنها تجمع على أنه خرج على «الحجاج» لاستبداده الشديد وقُتل أو مات مفقودا فى «دير الجماجم» سنة 83 هـ، وهو مكان بين البصرة والكوفة فى العراق، خلال موقعة مشهورة بهذا الاسم بين جيش «الحجاج» وجيش «ابن الأشعث» الذى كان من رجال الخليفة الأموى وتمرَّد عليه والتف حوله الكثير من أبناء العراق الساخطين. وثمة رواية أخرى تنسب موته إلى موقعة أخرى جرت قرب هذا التاريخ بين الوالى الأموى والخارجين عليه كذلك، وتسمى موقعة «الدجيل»، وهى نفس القرية التى شهدت محاولة اغتيال «صدام حسين» عام 1982، وجرت بعدها الإعدامات الجماعية التى حوكم وأعدِم من أجلها رئيس جمهورية العراق بعد الغزو الأمريكى.
وليس أكثر من تواريخنا الدموية قدرةً على إعادة نفسها!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات