أم تحترق وطفلة تلهو!

Foto

تبدو «سماح صادق» عبر سطور روايتها «ترانس كندا» الصادرة عن دار «المصرى» 2014 كرسامى البورتريهات فى ميادين المدن الأوروبية القديمة


تبدو «سماح صادق» عبر سطور روايتها «ترانس كندا» الصادرة عن دار «المصرى» 2014 كرسامى البورتريهات فى ميادين المدن الأوروبية القديمة، فبسرعة وخفة لا تخلو من حذق وبراعة، تبدأ فى رسم مجموعة من البورتريهات لشخوص روايتها وأبطالها الرئيسيين، «نهى، وإيمان، ويوسف، وهانى، وحلا».


ثم تَلِج إلى صُلب روايتها من طفولة إيمان البطلة الرئيسية، فى إحدى المناطق الشعبية بين أبوين على خلافات شديدة، لا تفهم الصغيرة سبب تلك الخلافات، لكنها تلهو على سطوح بيت الأسرة، تلعب مع صديقة طفولتها لعبة «أم المُحمّدات»، وتروى  مشاهد من طفولة عذبة وشجية مليئة بالتفاصيل الحميمة، حيث تقوم إيمان وصديقتها بلعب تمثيليات بسيطة، تلعب الصغيرات لتسلية أنفسهن، لكن تنتهى تلك المرحلة بموت مفاجئ للأم التى تحرق نفسها كعادة النساء فى المناطق الشعبية، لعنة المصريات، وطريقتهن للخلاص من قسوة الحياة، ويستدعى هذا المشهد الذى رسمته سماح بحرفية مشهد احتراق «سيمون» فى فيلم «يوم حلو ويوم مر» الذى أخرجه القدير خيرى بشارة.


تتوالى المحطات التى تنتقل إليها بطلة «ترانس كندا» من مدينة إلى أخرى ومن علاقة إلى غيرها.
فى تلك العلاقات العابرة على الروح والجسد تقول «صادق»: إنها حبة القمح التى تسد جوع الآخرين «هذا الجوع الإنسانى للآخر الذى لا يزيده إلا ألمًا وشجنًا».


ويوسف ابن رجل الأعمال وحبها الأول الذى تقابله أو تسعى وراءه فى كندا -تقابل يوسف الهارب من مصر من جريمة قتل، والذى يسقط فى براثن الإدمان، ويحلم بالتطهر من جريمته، ثم ينال مصير ضحيته بالموت فى حادث سيارة، وكأن «كارما» تطهرية  تضع حدًّا لحكايتهما معًا.


ثم هانى المتزوج من «دَيَان» الأجنبية التى تشاركه البيت والـ«بزنس»، وفى تلك العلاقة الثلاثية تتورط إيمان فى علاقة جسدية مع هانى، بعلم ديان ورضاها، إذ تستسلم كى لا تفقده، وهى واحدة من أشد العلاقات تعقيدًا، الثالوث الملعون: الزوج والزوجة والعشيقة.


وبالتوازى مع تخلص «إيمان» بطلة ترانس كندا من جنينها، تسعى نهى البطلة الموازية لإيمان المصرية المغتربة هى الأخرى  للحمل صناعيًّا من زوج عنين ارتضت أن تكمل معه مشوار حياتها بعد نزوة عابرة، مرة ثانية تلعب «صادق» لعبة المد والجزر بين تصاريف القدر الذى يمنع ويمنح!


لغة الرواية بسيطة وغير متقعرة، منسابة بهدوء مخيف، غير معنية بجماليات شعرية، أو بتقديم رؤى فلسفية.. إنها لغة الوجع الإنسانى البسيط والباهر فى صدقه وعفويته، أما البناء السردى فاعتمد على المراوحة والمراوغة بين الماضى والحاضر.


حلم «إيمان» النهائى هو بيت صغير فى كندا، الأغنية التى شدت بها فيروز وصارت حلمًا  للمغتربين، بعد أن تستسلم وتعرف أنه لا أحد قادرًا على مداواة وجعها، ولا حتى سد جوع الروح والجسد.


تترك «سماح» ذهن القارئ مشغولًا بأسئلة كثيرة حائرة، هل  البيت الأخير هو النهاية أو الرحلة ما زالت مستمرة؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات