.

القارئ هو السيد

Foto

صلاح حافظ ظل حتى آخر يوم، أسطى، يشتغل بيديه، وكان قادرا على إحداث المعجزات فى أرقام توزيع أى مجلة يتولاها.. هو فى حد ذاته كان مدرسة داخل مدرسة


أراك أمامى مجسدًا فى صلابة لا تلين تتحدى وتتصدى وتقتحم فأنت قدوة لنا جميعا.. قدوة خيالية فى المقاومة.. مقاومة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان


لا أعرف ما قلت وماذا أقول.. لكنى أعرف أن صورتك أمامى لا تفارقنى وأن سطورك تناجينى وتعطينى نشوة فى حب الحياة

صلاح حافظ ظل حتى آخر يوم، أسطى، يشتغل بيديه، وكان قادرا على إحداث المعجزات فى أرقام توزيع أى مجلة يتولاها.. هو فى حد ذاته كان مدرسة داخل مدرسة.. هناك أمران هنا، أمر متعلق بالكاتب وأمر متعلق بالجريدة.

بالنسبة للكاتب، إنه على الكاتب أن يقول ما يشعر ببساطة، ولو فعل سوف يشارك دون قصد فى دفع عجلة التاريخ.. لا يهم موقع الكاتب أين يكون، رئيس تحرير أو مجرد ريشة تصحح أخطاء الآخرين، يكفى أن تكون مخلصا وتعمل بحماس وأن تعبر دون زيف.. لا تشغل بالك بالتاريخ، قل ما تؤمن به، تشارك فى صنعه.. طيب ما الوصفة السحرية لنجاح جريدة؟ يقول: مقومات الجريدة الناجحة هى نفس مواصفات الصديق الذى تسعد بهجًا عندما يزورك لأنه يلبى لك احتياجا وأنت واثق أنه مخلص ولن يكذب عليك أبدا.. تطلعك على الأخبار والحقائق وتبحث لك عن إجابات لتساؤلاتك، والصحف تنجح بقدر ما تكون صادقة فى أن سيدها الوحيد هو القارئ.. وقد كان صلاح حافظ صادقا مع نفسه لأقصى درجة، ولما أعلن السادات عن مبادرته للذهاب إلى القدس فى نوفمبر ١٩٧٧، كان صلاح حافظ من الماركسيين الذين رأوا فى تلك الخطوة أمرا إيجابيا فى اتجاه السلام، وفى هذا الوقت كان على وشك تولى رئاسة تحرير جريدة الأهالى، جريدة التجمع التى وضع لها الماكيت والتبويب واختار لها الاسم. اعتذر عن عدم تولى مسؤولية جريدة الأهالى لأن موقفه فى تأييد السادات (الذى عزله من رئاسة تحرير روزاليوسف) قوبل برفض كبير من اليسار أو القطاع الأكبر من اليسار.


إعادة نشر مقالات صلاح حافظ درس للصحفيين فى الحرية.. حرية أن تكتب قناعاتك دون أن تفكر فى التداعيات. يكتب فى ٢٥ أغسطس ١٩٧٥ تحت عنوان «النمرة غلط يا أخبار اليوم» منتقدا أخبار اليوم فى موقفها من كتابات عبد الرحمن الشرقاوى، وحوار روزاليوسف حول آراء الإمام الأكبر شيخ الأزهر وكيف راحت أخبار اليوم تستعدى مشايخ الأزهر وتعبئهم فى معركة تأخذ فيها دور حامية حمى الإسلام واضعة روزاليوسف فى خندق الخصم الشيوعى يقول: «لسنا قريشًا ولستم صحابة رسول الله»، ويعدد لأخبار اليوم ما يسميه جرمها: حولت أخبار اليوم القضية فى ساعات من حوار بين كاتب مسلم وشيخ الأزهر إلى معركة بين الإسلام والشيوعية، وصرخت: وا إسلاماه!


سجلات ومعارك حافظ لم تكن إلا تعبيرا عن مواقف ولم تكن تقف عند أى طرف، ولا تميز لا المكانة ولا الدور.. معاركه مع موسى صبرى والتى فى معظم الأحيان يقوم فيها موسى صبرى بدور المحامى عن السادات كان حافظ يتهم موسى صبرى أنه يحب السادات حبا أعمى! لم تستطع على عنفوانها أن تحجب احتراما عميقا، بل وعلاقة إنسانية فى منتهى الغرابة.. فى وقت واحد تقريبا أصيب الاثنان بمرض السرطان.. سافر موسى صبرى إلى أمريكا وبقى صلاح حافظ تحت العلاج فى مصر.. كتب له موسى صبرى خطابا:


أخى صلاح حافظ..


أكتب لك هذه الرسالة بعد خمسين عاما ولأول مرة منذ احتراف الكتابة يرتعش القلم فى يدى فأملى السطور ليكتبها ابنى.


أكتب لك وكل منا سجين على سرير لا يرى حوله إلا سماعات الأطباء وأدوية الداء المر وإبر تنغرس تحت جلودنا شوكا بزعم تباشير الشفاء.


أكتب إليك وأنا بعيد عنك ثلاثين ألف كيلومتر وكل منا فى رحلة عذاب.


أراك أمامى مجسدا فى صلابة لا تلين تتحدى وتتصدى وتقتحم، فأنت قدوة لنا جميعا، قدوة خيالية فى المقاومة، مقاومة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، عشت أنت يا صلاح فى زنزانة السجن المعذب عشر سنين لأنك قلت الكلمة وكتبت الكلمة، وعشت أنا فى المعتقل قبل الثورة عاما تصورت أنه مئة عام لأنى صرخت بالكلمة، وكلمتى وكلمتك متخاصمتان حول رأى وفكرة، ملتقيتان فى نبض واحد هو أمل فى عدل وحرية وحق.. عشنا هذه المهنة الممتعة قرابة النصف قرن من الزمان مع المحطمين والمعذبين والباحثين عن شعاع نور فى دياجير الظلام.


تفرقت كلمتنا وزادت مودتنا والتهبت معاركنا وتحطمت فى أيدينا السيوف والدروع، ولكننا مضينا وسط اللهيب نقتحم النار ونبنى فى الدمار ونسعد بآمال عظيمة تحققت بعد أن كانت من المستحيل.. من كان يتصور أن رئيس مصر هو مصرى ابن مصرى من البسطاء والشرفاء؟ من كان يتخيل أن ابن مصر سوف يفرج عن كل قلم وشكاية؟


أخى صلاح..


أراك أمامى وكأننا نردد معا ونستعيد معا كل الذكريات من سعادة لا تخلو من غرور وبساطة لا تخلو من عزة النفس، وتجمعنا بسمة وضحكة ودموع.


لعلنا نتذاكر يوم اشتريت أنت من عمر أفندى بما قيمته ثلاثين جنيها مقسطة على ٣٦ شهرا، وكنت أنا الشريك المتضامن.


أخى صلاح..


أراك أمامى وقد سبقتنى إلى محنة أصبحت مشتركة وأنت صورة متوهجة بالحب، حب الحياة وحب الناس وحب الله الرحمن الرحيم.


دعنا نتطهر ونركع ونصلى وتهتف قلوبنا باسم الحق تبارك وتعالى..


أخى صلاح..


المعانى متخمة مختنقة فى صدرى، ولعلنى أهرف بما لا أعرف، ولعلنى أونس وحدتى ووحدتك، ولعلنى أصرخ بالنجدة لقلوب تحب وترقص وتغنى تراتيل الإخاء.


لا أعرف ما قلت وماذا أقول، لكنى أعرف أن صورتك أمامى لا تفارقنى، وأن سطورك تناجينى وتعطينى نشوة فى حب الحياة.


أدام الله لنا نعمة الرفقة الودودة ونقاء النظرة الصافية ونور الحياة.. كم تخبطنا وقمنا كى نمشى.. قال القديس غاندى لقد خلق الله الإنسان بقدمين كى يمشى ويعبد الله.. وقال الشاعر:
مشيناها خطى كتبت علينا ** ومن كتبت عليه خطى مشاها
أخى صلاح..


دعنا نمشى خطوتنا المقدرة والله خير السامعين.


هذا الخطاب الذى يفيض ودا سبقته معارك حادة كانت تمتد لأسابيع لكنها لم تمس الصورة الراقية لصلاح الإنسان والفنان.


فى حواره مع رشاد كامل وهو الجزء الذى يختم الكتاب، كان رأيه أن عبد الناصر كان يخشى الصحافة لذلك فضل الاتصال المباشر بالناس، وأن هذه كانت نظرية هيكل، وأن هيكل كان يلتقى فى هذه النقطة مع عبد الناصر، وهو ما عبر عنه بكراهية كل الأشكال الجماهيرية المنظمة..


على أى حال، لم يكن صلاح حافظ يحبذ للكاتب غير كلمة واحدة: الاستقلال.. لا اقتراب لا من حزب ولا زعيم؛ فالسيد هو القارئ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات