.

الجَنَّة المراوغة!

Foto

كان ما تسعى إليه فى البداية توفير بيئة تساعد المرضى ليستأنفوا حياتهم بعد الشفاء.. تساعد فى تنشئة الأطفال وترعى الأمهات


ليلى دوس «مصرية» ليس بالمولد ولكن بالمعرفة.. والإحساس.. تملك وجهة نظر من التاريخ والحركة الوطنية.. مغمورة فى الشأن العام المصرى.. يوم قررت أن تكون «مفيدة» لبلدها لم تكن تعرف بالضبط أحوال «الناس».. لكن سبعة عقود اختمرت خلالها العلاقة بالناس إلى مدى يفوق الساسة، مدى غزَّاه ليس فقط العلاقة بأطياف البشر المستضعفين ولكن دعمته قراءات تتجلى وخطو متمهل، يفك شفرة وطن عتيق، كانت تحبه، وبالفهم تعمق الحب إلى درجة إدراك تتجاوز مجرد البذل للآخرين حتى ولو كان هذا البذل مؤسسا ومستمرا.

كان ما تسعى إليه فى البداية توفير بيئة تساعد المرضى ليستأنفوا حياتهم بعد الشفاء.. تساعد فى تنشئة الأطفال وترعى الأمهات.. كان تصورها هى وصديقاتها أن عامين كفيلان بالقضاء على المرض.. ثم تكشف لهن أنه ليس مرضا واحدا، بل أغلبية «مستضعفة»، ولعل هذا وراء سعيها لأن تقرأ وتفهم وتقارن..


فى يناير ٢٠١١ ذهبت إلى التحرير على كرسى بعجل.. كأنها تريد أن تطمئن.. خصوصا أنها قد امتلكت من الخبرة والاحتكاك بالواقع ما يجعلها «تملك وجهة نظر» جديرة بالإنصات.. تحدثت عن الرؤساء الثلاثة، عبد الناصر والسادات ومبارك، بل وألحقت بعض النكات الساخرة الدالة على كل واحد فيهم.. وشاورت على نوعية انتهازية، فى العمل التطوعى ولم تسكت إزاء الدوائر التى رصدتها فى مختلف العقود.. حفظت لمبارك أنه حمى مدينة تحسين الصحة من فاروق حسنى الذى كان يريد أن يأخذ أرضها ليبنى المتحف.. ومع أنها لم تكن فى الإدارة الخاصة بالجمعية إلا أنها راحت تتقصى واتصلت بالقريبين من مبارك وهددت لو امتدت يد لورقة شجر بالمدينة سوف تُضرب عن الطعام حتى الموت.. تقول أدركت فى لحظة أن وجودى فى الجمعية قد يضرها فتركت الإدارة.


مساحة الألم المقيمة بكوامنها تدور حول ما تسميه الفشل فى الحب، الفشل مع الأصدقاء، والفشل فى تحقيق حلم: أن يكبر العمل الذى أقوم به لينقذ المزيد من الناس، لكنى لست الإنسان الذى يبكى على اللبن المسكوب.. وهكذا قررت أن أفتح صفحة جديدة، قررت تجديد شباب عقلى وتحقيق حلم عمره أربعين عاما وهو دخول الجامعة.. عملت فى الوقت الذى كان ينبغى فيه أن أدرس..


تصرفت بتلقائية كما تعودت.. لم تلق بالا لتعليقات استغربت دخولها الجامعة وهى على أعتاب السبعين.. دخلت الجامعة الأمريكية بمجموع ٨٦.. يوم راحت لاستلام الكارنيه، قالت لها الموظفة إنه على الطالبة الحضور بذاتها لاستلام الكارنيه وليس أمها.. ولما قالت لها إنها هى الطالبة، لم تعلق وإن ظلت شاخصة إليها.. درست الأدب المقارن الذى تقول إنه يحث العقل على التفكير إذ يجمع ثقافات مختلفة ومتباينة.. أحبت جيمس جويس وألبير كامو وسيرفانتس.. تقول عن دون كيشوت إنها تطرح كيف أن الخوف يدمر حرية الإنسان ويعطل حواسه.. وتخلص إلى أن الساسة العظماء لابد وأن تكون لديهم جميعا معرفة عميقة بالفلسفة والتاريخ.


تُكمل ليلى دوس: لست القديسة كما يحلو للإعلام أن يدعونى بسبب تفانى فى العمل الاجتماعى، أنا أبعد ما أكون عن شخصية الأخت تريزا التى اختارت أن تحيا فى الهند مع المصابين بالبرص، ولكن فلسفتى هى رفع المستوى المعيشى وهذا بالارتقاء بهم.. ولا أؤمن بالمعاناة غير الضرورية فالحياة فيها ما يكفى من الحزن والفشل، لذا بعد سنوات من العمل رحت أكتشف العالم ومصر من قبله.. لم أسعَ وراء مجهول، ولكن سعيا لتطوير شخصيتى باكتساب المعرفة.. تعلمت من أخطائى واكتسبت ثقة بنفسى ونلت حريتى.. تعاملت مع الأبيض والأصفر والأسود.. المسيحى والمسلم واليهودى والبوذى.. مع الأثرياء والمعدمين وتعلمت الإنصات للآخرين، واكتشفت أن لكل منا حكايته وأساطيره.. وأن الحقيقة أنه ما من أحد أسوأ أو أفضل، وأن دور المستنيرين هو إزالة الحواجز بين البشر وفتح طرق وممرات بين شتى الثقافات لفهم متبادل.


وتختم بقصة صوفية: بحثت طوال عمرى عن «الجنة»، وكلما سألت تأتينى الإجابة: «فى الأعلى».. «فوق هذا التل».. «على الناحية الأخرى». بحثت عمرى.. صعودًا ونزولاً، ولكن الجنة ظلت تراوغنى!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات