معانى الشرع.. الظاهر منها والباطن

Foto

ما معنى التأويل؟ وما ضوابطه؟ وكيف يهدف التأويل إلى فهم حقيقة النص الدينى؟ ما السبيل الذى سلكه الفيلسوف ابن رشد لتأسيس التأويل؟ وكيف كان التأويل لديه مفتاحًا لفهم النص الدينى؟


فى أثناء الدراسة فى الأزهر، سواء فى المعاهد أو الجامعة، كنتُ أقرأ وأدرس النصوص الدينية «القرآن والحديث» عمومًا بحكم الدراسة الأزهرية الدقيقة المتخصصة، لكننى كنت أتوقف عند بعض النصوص التى تشكل علىَّ؛ لتعلقها ببعض الصفات الإلهية الواجبة لله تعالى، خصوصًا تلك النصوص التى تتناول ما يسمى بـ«الصفات الخبرية» التى حكم العلماء بوجوبها لله تعالى أيضًا، وهى الصفات التى ورد بها النص من القرآن والسُّنة، ولا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله؛ كالاستواء على العرش والوجه واليد والعين والجنب والقدم والأصبع واليمين، وكان سبب توقفى أننى لم أكن أتصور، ولا سيما وأنا صغير فى المرحلة قبل الجامعية، أن يكون الإله الخالق، ذو الجلال والإكرام، على هيئة بشرية؛ له يَد ووجه وعين وأصبع، وغير ذلك من جوارح وأعضاء، وكيف لا يكون له مثل تلك الجوارح والأعضاء، وكثير من آى القرآن والأحاديث المنسوبة إلى النبى تؤكد أن الله له جوارح وأعضاء؟! أفلا ترى إلى قوله تعالى: «الرحمن على العرش استوى»، وقوله: «كل مَن عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام»، وقوله: «يدُ الله فوق أيديهم»، وقوله: «ولتُصنَع على عينى»، وقوله، صلى الله عليه وسلم، فى الحديث الذى نسبه البخارى له: «لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضعَ ربُ العزة قدمَه فيها فتقول: قط قط، ويزوى بعضها إلى بعض»؟!

 

ورويدًا رويدًا، بدأ هذا الإشكال يزول ويتلاشى لما أن خُضنا غمار علم الكلام بتوسع واستقصاء؛ ذلك أننى درست باستفاضة علم «التأويل»، ولقد كان هذا العلم هو المَخرَج من إشكالية كون الإله الخالق على هيئة تشبه هيئة البشر، على الرغم من أنه -تعالى- قال فى القرآن: «ليس كمثله شىء وهو السميع البصير»، فقد أعطى المؤولون للاستواء معنى مجازيًّا يُبعد الله عن التشبه بالبشر، فقال بعضهم: إن الاستواء يدل على سلطة الله المطلقة التى لا حدود لها، بينما قال آخرون: إن الاستواء هو الاستيلاء الذى بمعنى الاقتدار والقهر ونفاذ القدرة، كما أعطى المؤولون للوجه معنى مجازيًّا فقالوا: إنه كناية عن الذات، وأما اليد فقال أكثرهم: إنها مجاز عن القدرة لا الجارحة المعروفة، وأما العين فقالوا: إنها مجاز عن شدة العناية والحفظ والحراسة، لكن طائفة كبيرة من المشبّهة والمجسّدة ممن أطلقوا على أنفسهم اسم «السلف» رفضوا ذلك التأويل، وحكموا بتمرير تلك الآى القرآنية وتلك الأحاديث النبوية التى تتناول «الصفات الخبرية» كما جاءت، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، مع الاعتقاد بأن الله «ليس كمثله شىء» «الشورى: آية 11»، وقد عبّر العلّامة ابن خلدون «ت: 808هـ/ 1406م» عن موقفهم هذا فى مقدمته الشهيرة «ص 252، ط الخشاب» بقوله: «قضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل، وهذا معنى قول الكثير منهم: اقرؤوها كما جاءت، أى آمنوا بأنها من عند الله، ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها؛ لجواز أن تكون ابتلاءً!»، من أجل ذلك قال سفيان بن عيينة «ت: 198هـ»، أحد كبار أعلام السلف: «كل ما وصف الله به نفسه فى القرآن فقراءته تفسيره»!

 

لعل أقدم تعريف اصطلاحى للتأويل نُسِب إلى الإمام أبى منصور الماتريدى «ت: 333هـ»، فهو يعرّفه بقوله: «ترجيح أحد المحتملات بدون القطع»، ثم توالى تعريف وتأصيل معناه كما هى الحال عند أبى حامد الغزالى «ت: 505هـ»: «احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذى يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفًا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز» (المستصفى من علم الأصول، ص 282)، أما الفيلسوف القرطبى ابن رشد «ت: 595هـ» فقد عرف التأويل بأنه: «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب فى التجوُّز فى تسمية الشىء بشبيهه، أو سببه، أو لاحقه، أو مقارنة أو غير ذلك من الأشياء التى عددت فى تعريف أصناف الكلام المجازى» (فصل المقال فى تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ص 32، ط دار المعارف).

 

يظهر بذلك أن التأويل يهدف بالأساس إلى فهم حقيقة النص، واستقراء النص الدينى، خصوصًا إذا كان ظاهر هذا النص لا يتساوق مع مقاصد الشرع عمومًا، فهو بذلك يفتح الطريق فسيحًا للاجتهاد والحرية الفكرية والتنوع بعيدًا عن الجمود الفكرى والتشدد فى الاعتقاد «الدوغمائية»، وكذا بعيدًا عن المذهبية والأحادية، التى لا تعترف إلا بالفكرة الواحدة والرأى الواحد، بعيدًا عن التعدد والانفتاح وقبول الآخر والتمسك بالتطور العلمى والحضارى، وهذا هو ما أوقفَ الفيلسوف العظيم «ابن رشد» فلسفته عليه، فالتأويل يحتل جانبًا عظيمًا من فلسفته، فكان هو المَخرج لحل إشكالية التوفيق بين الفلسفة والشريعة، وعدّه ابن رشد تبعًا لذلك بابًا من أبواب النقد والتأصيل العلمى، وأساسًا متينًا لمشروعه الفلسفى القائم على التوفيق بين الحكمة والشريعة/ العقل والنص؛ لأنه يعتمد على البرهان والعقل واللغة السليمة، مؤكدًا أن فهم أحدهما لا يكتمل إلا بفهم الآخر، فكلاهما يسعى إلى البحث عن الحقيقة، يقول ابن رشد: «الحكمة هى صاحبة الشريعة، والأخت الرضيعة مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابّتان بالجوهر والغريزة» (فصل المقال، ص 18).

 

وثمة نظرتان للتأويل قبل عصر «ابن رشد» نجدهما لدى كل من المعتزلة والشيعة، فالمعتزلة مع اعتمادهم على تقديم العقل على النص، اتخذوا من التأويل سبيلاً إلى فهم بَواطن معانى النصوص الدينية لتستقيم مع العقل وأحكامه، ورد المتشابه إلى المحكم، أما الشيعة فإنهم «ينظرون إلى التأويل على أنه إرث رُوحى تواتر إلينا من الرسول وآل بيته الكرام، عبر سلسلة الأئمة المنحدرين من صلبه، والذين اعتُبروا بمثابة القيم على القرآن، يفسرونه ويوضحون للناس ما خفى من معانيه اعتمادًا على علمهم المتوارث» (فراس السواح: طريق إخوان الصفاء، ص 13، ط 2008)، ما يعنى أن التأويل كان يمثل اتجاهًا فكريًّا سائدًا لدى علماء المسلمين، خصوصًا المفسرين وأهل الكلام، لكن ابن رشد جعل منه طريقًا إلى نقد النصوص، وتفسيرها باستخدام البرهان، والاستنباط العقلى الناهض على اللغة وضوابطها ودلالاتها، فالتأويل مقيد باللغة على وجه الضرورة؛ لذلك اشترط ابن رشد فى تعريفه للتأويل أن يكون من غير إخلال بعادة لسان العرب فى التجوُّز، وفى الوقت نفسه فإن ابن رشد لا يجعل التأويل مطلقًا متاحًا أمام العوام الذين تقصر عقولهم، فى أحيان كثيرة، عن فهمه، فهو يقول: «ليس كل ما سكت عنه الشرع من العلوم يجب أن يفصح عنه، ويصرح به للجمهور العظيم، فينبغى أن يسكت عن الخوض عمّا سكت عنه الشرع، فعقول الناس مقصرة عن الخوض فى هذه الأشياء»، فكأن ابن رشد يجعل التأويل مرتبطًا بالنسق المعرفى لعوام الناس، ويتحوّط فى استخدامه أيّما تحوُّط عندما يتعلق الأمر بأولئك العوام، ولعل هذا التحوط من الرجل هو ما جعله يقيد التأويل بعض الشىء، إذ يقرر أن الدين يقوم على ثلاثة مبادئ لا يجوز تأويلها بحال، وهى: الإقرار بالله، والإقرار بالنبوات، والإقرار باليوم الآخر (فصل المقال: 35).

 

ويرى ابن رشد أن للشرع معنيين، ظاهرًا وباطنًا، بيدَ أن ذيْنك المعنيَين لا علاقة لهما بما وردَ عند المتصوفة أو الشيعة أو غيرهما كإخوان الصفاء، فالظاهر عنده هو «تلك الأمثال المضروبة لتلك المعانى، والباطن هو تلك المعانى التى لا تتجلى إلا لأهل البرهان (العقل)» (فصل المقال: ص 28). ولا يخفى أن هذا هو لُب فلسفة ابن رشد، فهى تقوم على البرهان والدليل، بخلاف الجدل والكلام والخطابة والحدس والحس، وغير ذلك مما اعتمدته سائر الاتجاهات الفكرية قبله، كعلماء الكلام والمتصوفة والمنتسبين إلى الفلسفة، ما يعنى أن طريقة التأويل عند علماء الكلام، خصوصًا الأشاعرة، تختلف جذريًّا عن طريقته عند ابن رشد؛ لأنهم سلكوا طريق التأويل الجدلى لا البرهانى، الذى يعتمد على أدلة برهانية تستند إلى العقل والمنطق والقياس البرهانى اليقينى، بخلاف التأويل الجدلى القائم على مقدمات تم صكها وهى فى حقيقتها ليست إلا مقدمات كاذبة لا تؤدى إلا إلى نتائج كاذبة. من هنا فإن صناعة التأويل لدى ابن رشد إنما هى صناعة مُحكَمَة مقصورة على مَن يستخدمون العقل والبرهان، فهى صناعة مكينة لها قواعد خاصة بحيث لا يصبح الأمر فوضى يغرق فيها الجميع.

 

لقد جعل ابن رشد من التأويل سبيلاً إلى فهم النص الدينى، والتوفيق بينه وبين العقل والفلسفة، فهو ببساطة وسيلة يمكن من خلالها تفسير النص الدينى عندما يكون ثمة تعارُض بينه وبين أى حقيقة عقلية أو علمية، بحيث يتفق هذا المعنى «المجازى» مع الحقيقة العقلية أو العلمية، مع مراعاة اللغة ودلالاتها، يعنى لا نلوى ألفاظ النص الدينى كما يحدث الآن، فقط علينا أن ندرك أن النص الدينى يحمل فى داخله قراءته الواعية، التى لا تتكشف إلا لأصحاب العقل والبرهان ممن يمتلكون وسائل التأويل الراسخة، التى تعصمهم من إطلاق أحكام عامة واستنتاجات خاطئة، يطلقون بعدها أحكامهم الجزافية البعيدة عن العقل والمنطق!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات