.

الحروب الوحشية فى العراق وسوريا قد تصل إلى نهايتها أخيرًا فى 2018

Foto

ومزَّقت سوريا منذ عام ٢٠١١ عندما بدأت الانتفاضة ضد الرئيس بشار الأسد ربما قاربت على النهاية. وتشابكت صراعات كثيرة جدًّا فى أرض المعركة العراقية والسورية


قضيت أغلبية العام الماضى أغطِّى حصارَين، الموصل فى العراق والرقة فى سوريا، وقد انتهيا أخيرًا بهزيمة فاصلة لـ«داعش». وكانت تلك الواقعة الحدث الأهم فى الشرق الأوسط خلال عام ٢٠١٧ على الرغم من أن الناس بدأت فى نسيان مدى خطورة خلافة «داعش» فى أوج قوتها وحتى فى انحدارها. ومن وقت ليس بالقليل حكم «أمراؤها» منطقة فى غرب العراق وشرق سوريا بحجم بريطانيا العظمى، وسيطر الإرهابيون الذين نظمهم أو ألهمهم تنظيم «داعش» على الأخبار كل بضعة أشهر بقيامهم بأعمال وحشية من مانشستر إلى كابول ومن برلين إلى الصحراء. ويحتفظ تنظيم داعش بالقدرة على ذبح المدنيين -كما تشهد أحداث فى سيناء وأفغانستان فى الأسابيع القليلة الماضية- ولكن لم يعد لديه دولته الخاصة المنظمة مركزيًّا، الأمر الذى كان قد جعل منه تهديدًا.
وهزيمة «داعش» مبهجة فى حد ذاتها، وسقوطه له آثار إيجابية أخرى. إنها إشارة إلى أن دورة الحروب التى مزَّقت العراق منذ عام ٢٠٠٣ عندما أطاحت الولايات المتحدة وبريطانيا بصدام حسين، ومزَّقت سوريا منذ عام ٢٠١١ عندما بدأت الانتفاضة ضد الرئيس بشار الأسد ربما قاربت على النهاية. وتشابكت صراعات كثيرة جدًّا فى أرض المعركة العراقية والسورية -السُّنة ضد الشيعة، والعرب ضد الأكراد، وإيران ضد السعودية، والشعب ضد الديكتاتورية، والولايات المتحدة ضد تشكيلة من الخصوم- فدائمًا كانت نهاية تلك الأزمات المتعددة فوضوية. ولكن يظهر الفائزون والخاسرون الذين سيشكلون المنطقة لعقود قادمة. وتقل التحذيرات شديدة التحفظ بأن تنظيمَى «داعش» و«القاعدة» قد يصعدا مجددًا أو يتحولا إلى صورة جديدة مميتة بنفس القدر من عمق التغيرات التى وقعت على مدى الأعوام القليلة الماضية. لقد خسر الجهاديون الدعم الإقليمى والتعاطف السُّنى الشعبى وعنصر المفاجأة وزخم النصر، بينما أعداؤهم أكثر قوة بكثير مما كانوا، فإعادة إحياء دولة «داعش» ستكون عمليًّا مستحيلة.
ولكن هزيمة تنظيم داعش فى معاقله لم تنتج الابتهاج الذى ربما كان متوقعًا، وهذا جزئيًّا نتيجة عدم التيقُّن من أن الثعبان قد مات فعلًا والخوف عن حق من أن تنظيم داعش قادر على قتل كثيرين فى أثناء سكرات الموت. كنت فى بغداد فى أكتوبر ونوفمبر، الماضيين، حيث يقع عدد أقل بكثير من أحداث العنف من أى وقت منذ عام ٢٠٠٣. قارنوا ذلك بأكثر من ٣٠٠٠ تم تفجيرهم أو ضربهم بالرصاص أو تعذيبهم حتى الموت فى العاصمة خلال شهر واحد فى ذروة الحرب الأهلية الطائفية السنية- الشيعية ما بين ٢٠٠٦ و٢٠٠٧. وفى ذلك التوقيت كان الشباب العراقيون يزينون أجسادهم بالأوشام، ليتم التعرف عليهم بعد الوفاة حتى إذا تم تشويهم. ومنذ مجرد ١٨ شهرًا أسفرت قنبلة فى سيارة نقل فى حى الكرادة ببغداد عن مقتل ما لا يقل عن ٣٢٣ شخصًا، فبالتالى مفهوم أن البغداديين حَذِرون من الاحتفال بالسلام قبل الأوان.
ومع ذلك هناك فرصة جيدة بأن فترة الحروب والطوارئ التى سحقت العراق على مدى الأربعين عامًا الماضية قد أوشكت على الانتهاء. فما من تمرُّد داخلى مدعوم من دول أجنبية وشيك الوقوع. وخارج حدودها يبدو أن الخط الشمالى للشرق الأوسط بين إيران والمتوسط، والذى يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان، يستقر.
ومنطقة عدم الاستقرار الجديدة فى الشرق الأوسط اليوم أقصى الجنوب فى شبه الجزيرة العربية حيث تصاعد الاضطراب سريعًا فى ٢٠١٧، فحرب اليمن المشلولة أصبحت الآن الأكثر دموية وقسوة فى المنطقة حيث يواجه ٨ ملايين يمنى المجاعة نتيجة الحصار الذى تقوده السعودية، ويشتبه فى وجود أكثر من مليون حالة كوليرا مما يمثل أكبر تفشٍّ للمرض فى التاريخ الحديث.
وينبع الكثير من عدم الاستقرار فى شبه الجزيرة العربية من السياسات الخارجية والداخلية الاستباقية لولى العهد الأمير محمد بن سلمان (إم. بى. إس)، والتى جعلت من المملكة السعودية (البطاقة الهوجاء) فى المنطقة بعد أن كانت حذرة بشدة ومحافظة. ولبعض تصرفاته، مثل ما ذكرته التقارير من احتجاز رئيس الوزراء اللبنانى سعد الحريرى، وإجباره على الاستقالة، طابع أوبرالى كوميدى، ولكن التصرفات الأخرى أكثر جدية.
ويجب أن يكون «إم. بى. إس» قد شعر بأن رياح التغيير تأتى فى صالحه عندما زار الرئيس ترامب المملكة السعودية فى مايو. ولكنّ أمورًا قليلة وقعت وَفقًا للتوقعات، فقد أرضى ترامب المضيفين السعوديين بتحميل إيران كل مشكلات الشرق الأوسط، ولكن حتى الآن تظل دفعة السياسة الخارجية الأمريكية ضد إيران بلاغية إلى حد كبير. والمبادرة السعودية الرئيسية فى الخليج هى حصار قطر والذى حقق القليل حتى الآن للمملكة والإمارات إلى جانب دفع قطر نحو تركيا وإيران. وأنتجت هذه المواجهة بعض التبادلات الخفيفة الغاضبة بين الإمارات وتركيا، إذ نشر الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، تغريدة موجهة إلى وزير خارجية الإمارات: «حين كان أجدادى يدافعون عن المدينة أين كان أجدادك أيها الرجل البائس؟». وعلى جانب البحر الأحمر من المملكة السعودية ينظر السودان فى سحب قواته من اليمن، حيث قدموا الكثير من القوات البرية للتحالف الذى تدعمه السعودية.
والولايات المتحدة والأوروبيون الغربيون يعاملون المملكة السعودية وكأنها مهيمن إقليمى تحت التأسيس. ودوافعهم مصالحهم الخاصة، ومن الواضح أنهم يريدون الاستمرار فى بيع الأسلحة للمملكة وحلفائها الخليجيين المتبقيين. ولكن الأحداث فى شبه الجزيرة العربية على مدى العام الماضى توضح حقيقة عامة عن الدول النفطية: قد تشترى لهم أموالهم القوة والتأثير إلى حد ما، ولكن قدراتهم فى العمليات محدودة أكثر بكثير مما يتخيلون. وهذا صحيح فى شأن المملكة السعودية وقطر والإمارات والعراق وحتى كردستان العراق الصغيرة التى طمحت بغير حكمة لأن تصبح إمارة جديدة غنية بالنفط.
ويوضح التاريخ الحديث لهذه الدول قاعدة عامة بأن امتلاك عوائد ضخمة من النفط والغاز والموارد الطبيعية مثل المعادن ينتج غطرسة وطموحًا مدمرًا ذاتيًّا. وعندما قيل لملك ليبيا إدريس فى الستينيات إن شركات البترول قد عثرت على بترول فى بلاده، يشتهر أنه رد: «أتمنى أنكم قد وجدتم مياهًا، المياه تجعل الرجال يعملون، والبترول يجعل الرجال يحلمون». والتعليق نمطى جدًّا ولكن كل شىء حدث فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال نصف القرن الماضى إنما يؤكد حقيقته. تستطيع أموال النفط تحقيق البعض، فهى تستطيع شراء الأسلحة الحديثة المكلفة ولكنها لا تستطيع الفوز بالحروب كما نرى فى اليمن، وتستطيع شراء الحلفاء، ولكنهم يقومون بأقل ما يستطيعون القيام به، وولاؤهم ينتهى بمجرد انتهاء المال.
والأخبار الجيدة لعام ٢٠١٨ هى أن الحروب الوحشية فى العراق وسوريا ربما تصل أخيرًا إلى نهايتها. ولا يستفيد العراقيون والسوريون وجيرانهم وحدهم من ذلك، فما يحدث فى المنطقة سرعان ما يكون له آثار على باقى الكوكب كما رأيناها عندما حول غزو العراق عام ٢٠٠٣ تنظيم «القاعدة» إلى حركة كبرى، وفى النهاية أنتج «داعش» كطائفة عسكرية للهمجية الشيطانية. وأيًّا كان ما حدث فى العالم خلال ٢٠١٧ فإن تدمير خلافة «داعش» قد جعل منه عامًا جيدًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات