.

التداوى.. بالكتابة!

Foto

تمحورت حياة الكاتبة التشيلية إيزابيلا الليندى، المولودة قبل عامين من نهاية الحرب العالمية الثانية، ١٩٤٣، حول الوجع والفقد، فهما أستاذاها ومُفجّرا موهبتها


تغير قدر حياتها فى لحظة حاصرها فيها الوجع، فلم تجد منه مفرًّا غير أن تكتب، دون أن تعى ما نوع هذه الكتابة، ولا إلى أين تقودها.. حين أخبروها عبر مكالمة هاتفية أن مَن حنَا عليها وأضحكها واحتواها فى طفولتها يحتضر.. جدّها الذى جسّد لها استقرارًا وألفة وقدرًا من الأمان دومًا، يرحل وهى بعيدة، شبه منفية.. لن تودّعه ولن تلمسه أو تهمس فى أذنيه. تسلّلت إلى مائدة المطبخ فى هذا المساء المشهود لتكتب له رسالة.. رسالة لن يقرأها، لكنها كانت الحل الوحيد أمامها لتسكن شلال الوجع.. راحت تكتب.. وتكتب كمجنونة حتى الفجر، حتى إذا هدّها التعب، تسللت إلى الفراش، ليتمتم زوجها متسائلا: ماذا كانت تفعل حتى الفجر؟ وأجابته: سحرًا، كمَن أقوم بعمل سحر. لم تدرك وهى تتداوى بفعل الكتابة، وهى على حافة الأربعين، أن ميلادًا جديدًا لها يتشكل بفعل ما يداويها، وأن التاريخ الذى لجأت فيه إلى الكتابة، الثامن من يناير عام ١٩٨١، سوف يضيف إلى دنيا الكتابة الإنسانية المبدعة اسمًا جديدًا لكاتبة اسمها «إيزابيلا الليندى».

تمحورت حياة الكاتبة التشيلية إيزابيلا الليندى، المولودة قبل عامين من نهاية الحرب العالمية الثانية، ١٩٤٣، حول الوجع والفقد، فهما أستاذاها ومُفجّرا موهبتها، أما الحب والذاكرة فهما الزاد الذى اغترفت منه وتغترف منه.. الحب ساعدها على تحمل وطأة الحياة، والذاكرة هى ما منحتها المادة الخام للكتابة.

قبيل عيد ميلادها الثالث فارق أبوها الأسرة.. ببساطة خرج ولم يعد، تاركا أمًّا ضعيفة، لا حول لها ولا قوة، وثلاثة أطفال، لم يكن لهم ملاذ غير أحضان الجد والجدة.. جد قادم من إقليم الباسك، قويًّا عنيدًا، فى جعبته مئات من الحكايات الشعبية والملاحم الشعرية والأمثال.. يحفظ الموسوعة البريطانية ويقرأ الإنجيل.. جد زرع فى إيزابيل أمرين: الانضباط وحب اللغة، وجدة مخاوية مشغولة بتحضير الأرواح ومخاطبتها، تموت مبكرًا وسوف تصبح بطلة للرواية الأولى لإيزابيل.. تزوجت أم إيزابيل للمرة الثانية من دبلوماسى، يسافرون معه إلى لبنان، لكن تعود إيزابيل وشقيق لها إلى الجد ليعيشا معه.. لم تكن مراهقتها سعيدة، ولا شعرت لحظة أنها جميلة؛ لذا تزوجت بأول طارق للباب، وهى فى سن التاسعة عشرة، وأنجبت طفلين.

واستمر هذا الزواج خمسة وعشرين عامًا، منها خمسة عشر عامًا سعدت خلالها بحياتها، وامتهنت الصحافة، وكتبت بضع قصص للأطفال، لكنها لم تجرؤ على الحلم بأن تكون كاتبة.. تقول: لم يكن مفترضًا فى نساء جيلى فى بلدى تشيلى أن يصبحن مبدعات.. يكفى أن يصبحن أمهات صالحات وزوجات مطيعات.. اضطرت إيزابيل أن تترك هى وأسرتها تشيلى، وتعيش فى المنفى بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب، سلفادور الليندى، عام ١٩٧٣، الذى هو أيضًا عمّها، فى انقلاب عاصف.. راحت إلى فنزويلا عام ١٩٧٥، لتعيش حنينًا لا ينضب إلى ماضيها وجذرها، بعد أن أجبرت على ترك كل شىء، والبدء من جديد، إلى أن جاءتها مكالمة الهاتف المشهودة فى الثامن من يناير ١٩٨١، تنبئها برحيل الجد، فلا تجد أمامها إلا أن تكتب له رسالة.. رسالة تمتد على مدى العام ويبلغ عدد صفحاتها ما يقرب من خمسمئة صفحة، كانت تعمل بها يوميًّا.. تغلق باب المطبخ عليها عقب العشاء وتكتب، متناسيةً حقيقة أن جدها قد مات، لتصبح الرسالة «بيت الأشباح» أول رواية لها، لتولد الكاتبة التى طالما تمنتها، حتى ولو لم تعِ.. تقول: أعطانى الأدب فى المنفى صوتا.. صوتًا أنقذ ذكرياتى من لعنة النسيان. وكما تداوت إيزابيل الليندى بالكتابة مرة، سوف تتداوى بها مرة ثانية عندما تفقد ابنتها الوحيدة الشابة ذات الثمانية والعشرين عامًا، ويغيبها الموت فى السادس من ديسمبر ١٩٩٢، إثر إصابتها بمرض نادر فى الدم فى ديسمبر ١٩٩١.

«باولا»، جرح لن يندمل حتى بعدما تكتبه إيزابيل كرواية تحمل نفس الاسم.. تقول: بعد وفاة باولا كانت الكتابة هى الشىء الوحيد الذى أبقانى على قيد الحياة، وحمانى من الجنون.. كان الأسى جحيمًا كالمشى وحيدة فى نفق مظلم، ووسيلتى للمشى فى هذا النفق كانت أن أكتب.. كل صباح كنت أسحب نفسى من الفراش وأتجه إلى المكتب، أضىء شمعة أمام صورة باولا، أفتح جهاز الكمبيوتر وأبدأ فى البكاء.. كان ألمًا لا يُطاق.. أحدق لساعات فى الشاشة، غير قادرة على الكتابة أحيانًا، وأحيانًا تتدفق منى العبارات كما لو كانت تُملى علىّ.. بعد عام اكتشفت أنى كتبت كتابًا آخر.. وأدركت أننى كنت أريد أن أعيش، وأن الكتابة كانت وسيلتى لأبقى حيّة.

جاء كتاب، أو رواية «باولا» احتفاءً بالحياة.. مذكرات فتاة ماتت قبل الأوان، وقصة قدَرى المجازف.. احتضار باولا الطويل منحنى الفرصة لمراجعة سيناريو حياتى.. لعام كامل لم أفعل شيئًا غير التذكر.. رويدًا رويدًا تعلّمت أن أرى صور وجودى، وسألت نفسى كل الأسئلة الضرورية فى الحياة.. ماذا يوجد فى الجانب الآخر منها؟ هل هو الليل فقط والصمت والعُزلة؟ ماذا يبقى؟ كانت رواية باولا وجعًا منسابًا فوق الورق.. كانت باولا وكانت إيزابيل وكان تماس الحياة والموت ووقوف الإنسان ما بين العجز والتوق للحياة.. توقفت إيزابيل بعد رواية باولا ثلاث سنوات.. صحيح أنقذتها الكتابة من الجنون، ولكن بدا منبع الحكى وكأنه نضب إلى الأبد.. لكن وُلدت أفروديت.. أفروديت رواية، جاءت كأنها محاولة تذكر لفعل الكتابة.. لحظة أن خافت السيدة الليندى أن يكون المَعين قد جَفَّ، تذكرت ماضيها كصحفية، فقررت أن تبدأ وكأنها تدريبات على الكتابة، فى موضوع يزيح الهم ويستدعى تقصيًا وحثًّا وولوجًا إلى أماكن ومحلات.. أفروديت المولعة بالشبق والشهوة أخرجتها من الاكتئاب، وأعادتها إلى نفسها.

نجح للمرة الثانية، حول الغذاء والحب، التداوى بالكتابة، لتكتمل ثلاثية إيزابيل الليندى «بيت الأرواح» المستلهمة ولو جزئيًّا من شخصية جدتها، و«ابنة الحظ» وهى رواية عن كاليفورنيا، عن فتاة يتيمة فى منتصف القرن التاسع عشر، تربَّت لدى عائلة بريطانية فى واحد من موانى تتشيلى، تتبع حبيبًا لها راح إلى كاليفورنيا باحثًا عن الذهب.

الليندى تقول إنها تصورت نفسها تكتب عن الحب فإذا بها رواية عن الحرية.

كل كتاب لدى الليندى هو مساحة من الذاكرة.. تستدعيها، تجلوها، تهبها حياة فوق الحياة.. الروايات الثلاث أشبه بسيرة للحب والحرية والبحث عن الخلاص والموت والبحث عن الأمان. تقول: أنا كاتبة لأننى منحت زمانًا للقص وطفولة تعيسة وعائلة غريبة.. عرَّفنى الأدب على نفسى الجامحة المتوهجة، وأيقنت أن الكتابة هى الوحيدة القادرة على جعل روحى تغنّى.. إنها تداوينى وتجعلنى قوية، شابة وسعيدة.. تكتب الرواية من نسيج الحياة بخيوط وألوان متعددة، إننى أعمل باستخدام الغريزة، دون معرفة تامة بما أعمل.. أنا استسلمت للكتابة.. أحب الوقت الذى أمضيه وحيدة فى مكتبى، صامتة.. لأسابيع، أضيف تفاصيل لخلق عالم فريد.. ولشهور أترك الشخصيات تنمو وتعبر عن نفسها.. ولسنوات أحاول فهم دوافعها ومشاعرها.. الرواية مثل الحب؛ تتطلب شغفا وصبرا وإخلاصا، فهى التزام تام.. ما يثير الكتابة دوما إحساس عميق يستمر لوقت طويل.. من الصعب أن تكتب وأنت وسط العاصفة، من الأفضل أن تعيد القصة بعدما تمر الرياح.. الكتابة تستخرج من الحطام حياة.. والحياة تصبح حقيقية عندما أكتبها.. ما لا أكتبه تمحوه رياح النسيان.. لكن لا يمكن أن أنسى قصة جيدة.. الكتابة رحلة فى كهوف الذاكرة تنتقل من إلهام إلى آخر.


من الذاكرة والإحساس بالفقد يظهر شغف الإبداع، وكل كتاب هو فعل حب، هبة أعدّها باهتمام عظيم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات