.

تصدير الجهل عبر الشاشات.. كيف غيَّبنا العقل لصالح التلقين؟

Foto

لماذا لا نواجه الجهل؟ كيف تتشابه الفضائيات مع الإرهاب فى تصدير الجهل؟


رغم التقدم العلمى والتكنولوجيا فما زال يعيش بيننا مَن يسعى جاهدًا لنشر الجهل بين شعوبنا العربية، ومن ضمنها مصر بالطبع. هؤلاء لا يتورّعون عن نشر الحيرة والشك والخداع بين الناس كهدف أساسى لتصدير ونشر الجهل لتحقيق نوع معين من المكاسب. المؤسف أن ذلك يتم تحت ظل منظومة متكاملة ومحددة المعالم والأهداف لنشرها فى المجتمع مع سبق الإصرار والترصد على يد مَن يقومون بهذا الفعل، وهذا ما يتضح بقوة فى العديد من وسائل الإعلام التى تتملق مَن بيده القرار أو صاحب النفوذ، فهى لا تكلّ ولا تملّ من أداء رسالتها التى لأجلها أقامها أصحابها، إذ تعتمد على منهج الشك والخداع وعدم إجلاء الحقيقة لأفراد المجتمع، مُعتمدة فى ذلك على بعض طرق وأساليب التضليل لتصديرها لأفراد المجتمع، ومن ثم إعادة توجيهه مرة أخرى بما يخدم مصالح صاحب النفوذ، وبالمرة يخدمون أنفسهم مستعينين فى ذلك بالبعض ممّن خانوا ضمائرهم ومهنيتهم، أو مَن غابت عنهم الشهرة والأضواء، أو مَن ينشدونها حتى، ليشاركوا بدورهم فى توصيل هذه الرسالة دون فهم أو عِلم أو إدراك لما سيسببونه من معوقات وأزمات ستعود عليهم شخصيًّا، وعلى مجتمعهم، وفى سبيل أداء هذا الدور ليس هناك ما يمنع من تحقير كل مختلف أو صاحب رأى مُعارض، لا يتفق رأيه أو فكره مع صاحب الشأن أو النفوذ، وهو الأمر الذى يخلق المزيد من العداوات بين أفراد المجتمع، ويعد من وسائل اللعب بالنار، فوقتها سيعانى المجتمع من فكرة الانقسام والتصنيف بين أفراده. هذه هى الجريمة التى تتبعها الآن بعض الفضائيات فى برامجها التى تستعين فيها بمَن لا يملك عِلمًا أو فكرًا، أو صاحب رأى كل ما يطرحه يتسم بالغلو والتطرف، مُصَدّرين بذلك الجهل فى أسمى معانيه «لو جاز لى القول». للعِلم، هذا هو نفس المنهج الذى اتبعته الجماعة الإرهابية إياها عندما تولت مقاليد الأمور فى بلدنا، إذ اعتمدوا على محاباة هذا وإبعاد ذاك، وأصبحت المحسوبية وأصحاب الثقة والملتحون والموالون دليلهم ومرشدهم فى التعيين بالمؤسسات والوزارات، ولكن بحمد الله استطاع الشعب المصرى العظيم إدراك هذه الأساليب الملتوية مبكرًا، التى حاول هؤلاء أن يُلبسوها ثوب الدين الإسلامى الحنيف، ذلك الدين الذى أسهموا فى تشويه قيَمه النبيلة بإشعال روح الكراهية والفتنة بين أفراد المجتمع، وساعدهم فى ذلك -للأسف- نظام التعليم العقيم الذى تتسم به مناهجنا وبرامجنا فى المدارس والجامعات، إذ تم تغييب العقل، ولم يبقَ أمام أجيالنا سوى التلقين، رغم ما فى العديد منه من قيم وأفكار مغلوطة، فصدّرنا بأنفسنا، وبإرادتنا الحرة، الجهلَ، ولا شىء سواه لمَن سيأتى بعدنا، وهذا ما جعل البعض ينادى بضرورة إصلاح منظومة التعليم وتحديث مناهجه حتى تتواكب مع العالم المحيط بنا، وبالأخص المناهج الدينية وما تضمه من دروس تحض على الجهاد ولا تعترف بالآخر، بل وتحقّره وتطالب بعدم مصافحته. هذا بخلاف ما تحويه من بدَع وفتاوى؛ مثل إرضاع الكبير، وجواز نكاح الموتى، وشرب بول الإبل، وتحريم ملامسة المرأة بعض أنواع الخضراوات والفاكهة، مثل الموز والخيار والجزر، بدعوى أنها قد تؤدى إلى إغوائهن! وفتاوى تحريم أكل الأرانب لأنها تحيض، وغيرها من البدع. ولهذا لم يعُد مستغربًا لى أو لغيرى أن يتصدى للفتوى كل مَن هَب ودَب ليحرّم ويحلّ وفق هواه، وهذا ما أنتج فى مجتمعنا العربى الجماعة إياها، وداعش وأنصار بيت المقدس وحسم، وغيرها من الجماعات الإرهابية التى تقتل وتنهب وتسرق باسم الدين، والتى بدورها أسهمت بقدر كبير فى انغلاق عقول البعض وظلامها؛ ولذا وُجد بيننا مَن يطالب بتفعيل قانون مثل ازدراء الأديان، والذى بموجبه يتم سجن أى صاحب رأى يعتقد البعض أنه ضد الدين الإسلامى، وسنجد أيضا فى إعلامنا مَن يستضيف البعض من هؤلاء ليُشَرعن ويقنن احتقار الآخر، بل وجواز سفك دمه أو حتى السلام عليه. وسنجد أيضًا مَن يخرج علينا مقتحمًا منازلنا، مرة قاذفًا وأخرى شاكيًا، ثم مهددًا دون أن يتصدى له أحد بحكم أنه يدّعى أنه مسنود، والغريب أن مَن يحاوره يؤكد كلامه، ثم يعود فى نفس الوقت ويستغرب ما يصرح به ضيفه ليبدو أمام مشاهديه وكأنه مصدوم مما يسمع «وكله يهون فى سبيل تحقيق نسَب مشاهدة مرتفعة». وسنجد أيضا مَن يُسمح له بالظهور عبر الشاشات ليطالب بمحاكمة الأديب العالمى الراحل «نجيب محفوظ» لأن ما يسطره يتنسم منه الدعوة للفسق والدعارة! هذا هو إعلامنا المفترض فيه أن ينير لنا الطريق، الذى يعتمد على مقطع من لعبة فيديو شهيرة على أنه مقطع خاص بقوات روسية استهدفت عناصر إرهابية فى سوريا، مُصدّرًا لنا الجهل والتخلف، ما دام لا يوجد مَن يحاسب على هذه الأفعال، وهؤلاء هم من يقولون عنهم «النخَب» المسموح لهم بالإطلال علينا، وفى النهاية يريدون من الشعب أن يصدقهم، متناسين أن المصريين أذكى بكثير مما يقدمونه، ولكن -للأسف- يصدقهم البعض من ضعاف العقول، لاعتقادهم أن ما يرونه ويشاهدونه ويسمعونه على يد مُدَّعى المعرفة أصحاب الأفق الضيق والساعين خلف الشهرة والمجد هو الحقيقة. بالمناسبة، ناشرو الجهل ومُصدّروه من أمثال هؤلاء لا يُشترط حصولهم على شهادة أو درجة علمية، فمن الممكن جدا أن نجد أشخاصًا يحملون أعلى الدرجات العلمية ولكنهم يعانون من الجهل الذى تمكن من عقولهم وسكن فيها. وأمثال هؤلاء انتشروا فى مجتمعنا مؤخرًا، وتغلغلوا فى كل مؤسساته، وخطرهم شديد إذا لم تتم مواجهتهم، عكس الجاهل الذى يمكن أن نجد له حلًّا، وعكس الجاهل الذى يدّعى المعرفة ويجهل مَن يحاول إفهامه. ولهذا أقول بملء الفم إن الجهل لم ولن يختفى من مجتمعنا ما دامت الحقيقة غائبة، وما دام أمثال هؤلاء بيننا، فى الوقت الذى نغلق فيه الباب أمام كل مَن يطالب أو يقول الحقيقة أو كلمة الحق.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات