.

ثورة القرآن وفقه السلاطين

Foto

كيف يترك سبحانه وتعالى حركة التغيير للبشر من خلال تطورهم الفكرى ومسيرتهم وبحثهم عن العدل المفقود؟ هل الشورى فى أمور الحكم مُلزمة؟


بعد أن نجحت ثورة 25 يناير 2011 فى خلع الرئيس حسنى مبارك، انتشرت جملة للشيخ محمد متولى الشعراوى قال فيها: «الثائر الحق يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبنى الأمجاد»، انتشرت فى الفضائيات والجرائد وعلى كل جدران مصر من جنوبها لشمالها، والغرض منها معروف وهو كبح جماح الثورة وصرف الجماهير ليعودوا إلى بيوتهم، دون أن نفهم مَن هو الثائر الحق الذى يثور على الفساد، ولم نفهم كيف يهدأ وأعداء الثورة له بالمرصاد، وأيضا لا نعلم ما هى الأمجاد التى يراها الشيخ الشعراوى، كلها كلمات هلامية تدغدغ مشاعر العوام، وتكبت ثورات الشعوب.

 

على أن ذلك يقودنا للتساؤل حول الرؤية الثورية فى القرآن، فقد عرفنا وفهمنا من الفقهاء والشيوخ والعلماء مثلا التفسير الفقهى للقرآن، والتفسير العلمى للقرآن، والإعجاز العلمى، وهو المجال الذى برع فيه زغلول النجار ومن بعده عمرو خالد ومن قبلهما عبد الرزاق نوفل وغيرهم، ونعتبرها من التفسيرات المجازية التى لا تضر، ولكنها لا تنفع، لأن القرآن الكريم كتاب هداية ونور ومعرفة وتسامح، والأهم هو قرآن ودين أعلنها منذ البداية ثورة ضد الظلم والاستبداد والطبقية، ثورة من أجل عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية، كما رفعتها الثورة المصرية وكل الثورات، ومع تلك الدعوة الثورية لم نجد حتى اليوم ما يمكن اعتباره تفسيرا ثوريا للقرآن، الدعوة الثورية التى تغير للأفضل، والقرآن رمز للعدل بالميزان المعنوى، لا تطفيف فيه ولا ميل، وأكد القرآن أن الله سبحانه وتعالى لا يغير من نفسه العليا، ولكنه يترك حركة التغيير للبشر من خلال تطورهم الفكرى ومسيرتهم وبحثهم عن العدل المفقود، قال تعالى فى سورة الرعد/ 11: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، فالله الخالق يغير السلوك البشرى عندما يغيرون أنفسهم بأنفسهم، بالعقل الذى أودعه الله فيهم والفطرة التى خلق الناس عليها، وقال أيضا فى سورة الأنفال/ 53: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»، وهو نفس المفهوم الذى نعتبره ثوريا، لأن التغيير دائما ما يصطدم بطموح الأثرياء، فكل الدعوات الإلهية وأيضا الدعوات الإصلاحية بدأت بالضعفاء والمساكين والعبيد، وحاربها الأغنياء المترفون، قال سبحانه فى سورة الإسراء/ 16: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»، فالله أمر الأثرياء بالإصلاح، وبالطبع يرفضون الإصلاح والتغيير، وعندما يصمت الجميع يحق عليهم العذاب الدنيوى والأخروى، فلم تحدث ثورة فى التاريخ إلا واضطهد فيها الأغنياء الفقراء، إلا القليل من الأغنياء الذين لا يكسرون القاعدة.

 

ولماذا نذهب بعيدا، والنبى محمد عليه السلام ظهر فى مكة المكرمة وليس بها مشكلات تهدد السلام الاجتماعى فيها، يوجد سادة وعبيد، أغنياء وفقراء، وكعبة حولوها إلى دين وثنى يتربحون منه، ولكن ظهر رجل عرفوه بالصادق الأمين يعلن المساواة بين البشر سادة وعبيد وعرب وعجم، ثم أعلن دعوته الإلهية التوحيدية، التى هددت الملأ القرشى فتصدوا للدعوة من البداية، وإذا لم تكن الدعوة المحمدية ثورة، فكيف وأين تكون الثورة، صحيح أنه بعد موت النبى الكريم راجت أحاديث تمنع الثورة، مثل ضرورة طاعة الحكام حتى لو ضربوا الظهر وأخذوا المال، وظهرت أحاديث تجعل من الشورى غير مُلزمة للحاكم أو السلطان رغم أن الآيات التى تحدثت عن الشورى تجعلها مُلزمة، ففى سورة الشورى/ 38: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ»، فالأمر الشوروى فيه أمر للاستجابة وإقامة الصلاة، للتداول فى أمور الحياة السياسية والاقتصادية، وليس الآخرة بطبيعة الحال، أما فى سورة آل عمران/ 159: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» جاءت كلمة الشورى بالأمر الإلهى المُلزم للنبى، وهو النبى الكريم الذى طبق الشورى فى أروع صورها، حتى قبل الهجرة الشريفة، عندما اجتمع مع 73 رجلا وامرأتين من الأنصار فى بيعة العقبة الثانية، فقال لهم: «انتخبوا من أنفسكم إحدى عشر نقيبا»، وكان يمكنه هو أن يختار بنفسه الشريفة، ولكنه لم يفعل، ومن فعل هم من جاؤوا من بعده من خلفاء وسلاطين، أبدعوا فى تزييف الانتخابات والبيعات، أخذوها بالسيوف التى قطعت الأعناق وبصناديق التزوير، ولم يلتزموا بالشورى أبدا، وخصصوا من قالوا عنهم أهل الحل والعقد، وهم مرآة يرى فيها الحاكم نفسه دائما، لكن القرآن فى النهاية ثورة حقيقية، ابتعد عن مفهومها رجال الدين عبر العصور، بل وصل الأمر بأبى الحسن الماوردى أن قال فى كتابه «الأحكام السلطانية»: «لو ظهر ذو شوكة وحارب الخليفة القائم وهزمه أو قتله ونصب نفسه خليفة فلا يبيتن أحد من المسلمين إلا وفى عنقه بيعة له»، وهو ما عاش عليه المسلمون، ولقد جاء مصطلح الثورة فى القرآن الكريم ليؤكد مفهوم الحقيقة الثورية القرآنية، قال تعالى فى سورة الروم/ 9 «أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»، قال الطبرى فى تفسيره «استخرجوا الأرض وحرثوها وعمروها أكثر مما عمر هؤلاء فأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم رسله»، أى هو ما يعنى فى المصطلح أثاروا يكون من الثورة، وإثارة الأرض هو التمهيد للعمران العادل، فالنخب المؤمنة تبدأ عملية التعمير، ثم الثورة، والتى لا يمكن أن تأتى من فراغ، فهى تأتى عندما يظهر الطغيان وينتشر التعصب، ويعيث المستبدون والتكفيريون والقساة فسادا فى الأرض وظلم أهلها، هذا هو مفهومنا حول التفسير الثورى للقرآن الكريم، الذى تناساه المسلمون طوال تاريخهم، وما بقى هو من تراث أموى سلطانى يؤسس للملك أكثر مما يؤسس للدين أو للعدالة حتى فى أضعف صورها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات