.

مصر حيث المجتمع الوهمى.. ماذا يشغل السلطة وماذا يشغل المواطنين؟

Foto

ما المنطق العقلى المثالى لفهم الأمور الحياتية؟


ما الأسباب التى تجعل فردًا عاقلًا يشعر بأنه حقق منجزًا ما؟

الإجابة هى أن يحظى بمكسب مادى، أو ترَقٍّ اجتماعى أو مهنى، أو اكتساب معرفة، أو أن يحظى بعلاقات اجتماعية أفضل وارتياح وسعادة عبر تلك العلاقات، أو أن يقدم للآخرين شيئًا يغيّر أو يسهم فى تغيير حياتهم، أى تحسين ظروفهم أو تقليل ضرر واقع عليهم (سياسيًّا، اجتماعيًّا، صحيًّا، تعليميًّا.. إلخ)، ومن ثم فهو يشعر بوجوده، بأنه يسهم بشىء ما.
البشر أنواع، وكلٌّ على حسب منطقه ودافعه وقيَمه (عملية أو مثالية أو مزيج) يشعر بالمنجز وفق شىء مما سبق.
ثم ما الأسباب المنطقية.. وأكرر «المنطقية» التى تجعل فردًا، أو مجموعة أفراد وفق منطق المنفعة الإنسانية، يشعر/ يشعرون بالانتماء لمجتمع ما؟ بالتأكيد وجود هذا المجتمع بنظام يُمكّنهم (أو على الأقل لا يمنعهم أو يعطلهم) من تحقيق ما سبق. إنجازهم المادى أو المعنوى بمنطق الأفراد، منطق إنسانى بحت وضرورى لاستمرار الحياة وعدم توقفها، وغيابه يعنى فناء البشرية.
هل هناك رابطة -إذن- من الممكن أن تنشأ بيننا، وفق ما سبق، كأفراد يعيشون فى مجتمع ما؟ أظن نعم؛ أن نتفق جميعًا على أن ما سبق هو منطق الإنجاز (عمليًّا أو معنويًّا)، وأن وجود مناخ يحقق لأكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع هذا ولو بقدر (أو لا يعوقه كحد أدنى) هو الطريق.
هذا هو المنطق.. المنطق البشرى العاقل فى فهم الأمور وتقديرها، وهو منطق يسع المادى مثلما يسع المثالى كما قلنا. المنطق الذى يرى أن البشر لديهم حاجات يسعون إلى إشباعها، ولديهم طموحات يسعون لتلبيتها، فهم ليسوا موجودين فقط بمنطق العدد وسط المجموع، أو أن مطلوبًا منهم أن يقدّموا دون أن يحصلوا على شىء فى المقابل، أن يمجّدوا الوطن، أن يموتوا فى سبيله، أن يضحوا من أجله، أن يتحملوا دائمًا دون مقابل، بل عليهم أن يشكروا الوطن ويحبوه ولا يمتعضوا منه ولا يشعروا بأى غضاضة نحوه.
لكن ماذا لو اتفقنا على أن الرابط بيننا هو رابط مختلف لا يعود بالنفع على أى منا بشكل شخصى؟ بالتأكيد فنحن نتخيل -إذن- أسبابًا للربط، أو نعترف بشىء هو غير حقيقى فى أصله، ونعطيه صفة الحقيقة (أى أننا نتوهم أو نتخيل). ثم ماذا لو اتفقنا على أن الإنجاز لنا جميعًا هو بخلاف كل هذا؟ أى ليس مهمًّا أن نحصل على مكسب مالى، أو أن نترقى اجتماعيًّا أو وظيفيًّا، أو أن نجمع المعرفة، أو أن نفيد الآخرين ونؤثر فى حياتهم بالإيجاب؟ أظننا سنكون أمام حالة من التخيل الجماعى أو الوهم الجماعى. ربط متخيل.. إنجاز متخيل.. إخفاق متخيل.
الفرق بين المجتمعات الوهمية والمجتمعات الحقيقية هو أن الأولى، سلطةً وشعوبًا، تقييم ما يجمعها وفق حسبة منطقية، قابلة للقياس فى أغلب الوقت، بما يحصل عليه الأفراد من إشباع لرغباتهم وطموحاتهم، ما يدفع الأفراد (ماديا أو معنويا) فى مقابل منا يحصلون عليه، يقيسون المنجزات بمعدل النمو بشكل شامل وتأثير هذا فى الدخول ومستوى المعيشة ودرجة الرفاهة، ومستوى التمثيل وكفاءة الخدمات التى يحصل عليها الأفراد فى مقابل النسب التى يدفعها هؤلاء كضرائب. يقيمون بمنطق الفرص وإتاحتها، أى ما يمنحه المجتمع من فرص عادلة للترقى والصعود والنجاح لأفراده.
وفى المقابل فهناك المجتمع الذى لا يمكن أن يتقدم وهو متوقف عند فكرة بدائية لما يربطه، أى فكرة الأصل. أى أننا كمجموعة من البشر ننتمى لأصل وتاريخ مشترك، ونتحدث لغة مشتركة ونعيش تاريخيًّا فى مساحة جغرافية مشتركة، هذا الربط الذى نعززه دائمًا بفكرة «نحن» فى مقابل «الآخر»، فيبقى التعبير الأصدق عن مجتمعنا هو الأغانى الوطنية، والتفكير فى الإنجازات والنجاحات والإخفاقات بما يؤكد «نحن» فى مواجهة «الآخر»، دون أن يعنى هذا شيئًا فى الحقيقة. أن نبحث ما يؤكد دائمًا صيغة التفضيل الوهمية فى تقييمنا للماضى أننا «الأقدم» و«الأعرق» و«الأسبق» للحضارة، وأن نبحث فى الحاضر ونبنى للمستقبل ما يؤكد صيغة التفضيل تلك. أى أننا سنبنى ما هو «أكبر» و«أوسع» و«أطول» و«أغلى» و«أضخم» مقارنةً بغيرنا دون أن يحقق هذا لنا منفعة مباشرة كأفراد. ولأننا دائمًا نتخيل أننا الأفضل تاريخيًّا وحاضرًا؛ فنحن مستهدفون. كل الشعوب التى عاشت فى مرحلة الوهم كانت تشعر بأنها مستهدفة، ومن ثم كان عليها أن تبقى دائما مستنفرة، تهدر طاقتها وإمكاناتها فى مقابل التهديد الوهمى أو المزعوم.
فى كتابه الشهير «المجتمعات المتخيلة»، يعرّف العالم الشهير «بندكت إندرسون» الأمة بأنها «جماعة سياسية متخيَّلة» فهى متخيلة لأن أفراد أى أمة، مهما كانت صغيرة، لا يمكن أن يعرفوا معظم نظرائهم فى كل مكان داخل المجتمع (محمد فى القاهرة لا يعرف إبراهيم فى الصعيد ولا علِيًّا فى سيناء)، لكنهم يظلون أمة برباط بينهم، وجماعة العلاقة داخلها يجرى تصورها دائمًا كعلاقة رفاقية عميقة.
فى مصر اليوم، وعلى الرغم من هذا التناقض والاستقطاب الذى نعيشه، وحالة عدم الرضا التى نراها لدى كثير من المواطنين، وحالة الخلاف الجوهرى ما بين السلطة ومعارضيها، كثيرًا ما قد يبدو الأمر غريبًا فى أن أغلبنا يتفق ضمنيًّا على قبول أننا مجتمع وَهمى أو مجتمع متخيَّل.
السلطة ترانا كذلك، فكل ما يشغلها أننا كمواطنين لابد أن نضحى دائما، أن نتحمل دائما، أن نفضّل «وطننا» كمفهوم علينا «كأفراد» يعيشون الواقع، أى أن تحيا «مصر» بغض النظر عن مستوى حياة ومعيشة «المصريين».
السلطة تبحث عن إنجازات تعبّر عن «نحن» فى مقابل «الآخر»، فلابد أن نبنى ما هو أفضل منه دائما، لابد أن نبنى أكبر جامع وأكبر كنيسة، وأطول ناطحة سحاب، وندير المشروع «الأكثر» تشغيلًا للكرّاكات، ونشغل محطة الكهرباء «الأضخم».. إلخ، إذ تبقى صيغة التفضيل حاضرة كباعث للشعور بالفخر القومى (الرابطة الأصلية)، ومَن لا يقبل هذا التعريف لما يربطنا، أو يشكك فى مفهوم الإنجاز أو الأفضلية كإنجاز فى حد ذاته بمنطق عملى يقاس، فهو طريد من الجماعة، خائن، لا مُنتمٍ، مأجور، مهدد لها، عابث بنسيجها وتماسكها وعوامل تفوقها ووحدتها.. إلى آخره مما قد تسمعه.
وفى المقابل، فإن كثيرًا من غير الراضين عن أداء السلطة طالما يبحثون عن إنجاز بمنطق مماثل، أو هم لا يشعرون بالإخفاق إلا لو كان هذا مكشوفًا أمام الآخر. معيار تاريخى راكمه العيش على الخيال، فقد نرضى بظواهر مثل: انتهاكات حقوق الإنسان فى مجتمعنا، التحرش الجنسى، القمامة.. إلخ، وقد نرى السلطة سببًا فيها أو متخاذلة فى التعامل معها دون أن ننطق، لكننا ننفعل وبشدة إن رأينا تقريرًا أو صورة قد تنشر هذا فى الخارج (أمام الآخر الذى من المفترض أننا أفضل منه). حدّة قد تتملك بعضنا أكثر من حدة غضبنا من الفعل أو المشهد المشين!
ثم ماذا عن الإنجاز والإخفاق؟ خذ كأس العالم مثالا، ورد الفعل عليه فى مصر، وهو رد فعل يبدو مبالغًا فيه جدا، أخذًا فى الاعتبار طبيعة الحدث (الوصول إلى كأس العالم والخروج منه)، فبينما الرياضة فى مجملها، وخصوصًا البطولات الكبرى هى وسيلة للتنمية، ولإدخال العوائد الاقتصادية، وللاستمتاع، ولخلق روح التسامح والتفاعل، وإزالة الأحكام المسبقة بين الشعوب، ولوضع معايير أخلاقية للتنافس وأطُره، أو هكذا يجب أن تكون.. فإن الأمر لدينا أكبر من هذا وأعمق بكثير مثل غيرنا من المجتمعات غير المتقدمة، حتى وإن كان الفوز بالكأس لا يعنى الكثير لدينا نحن كأفراد مما سنربحه منه بشكل شخصى.
الوصول إلى البطولة كان «إنجازًا تاريخيًّا»، ثم الخروج منها كان بمنزلة «نكبة» تبعث الألم والانكسار والدموع. لا أعلم لماذا؟! لكنه شعور بدا كالعدوى. وتبدو قمة التناقض فى هذا أننا جميعًا راهنَّا على محمد صلاح، كفرد.. فرد لم يحقق نجاحه إلا حينما وُجد فى مجتمع يأخذ بالمعايير المنطقية لتعريف ما هو رابط بين أفراده وما يعنيه الإنجاز، أى عكسنا تمامًا.
مجتمع ليس «يوتوباوى» أو مثاليًّا، لكنه عادل ومنصف إلى قدر كبير، يعطى الفرصة فى مقابل الاجتهاد، يمنح بقدر ما يعطى الفرد، ستحصل على قدر ما تدفع معنويا أو ماديًّا. هذا هو الأمر ببساطة، محمد صلاح هو الأفضل لأنه الأكثر اجتهادًا، الأكثر التزامًا، الأكثر إخلاصًا للنظام، ومن ثم سيحظى صلاح بالترقى والصعود والنجاح، وسيجنى الشهرة، والمال والإشادات. معادلة بسيطة حقيقية ومنطقية، لكن لو كان محمد صلاح داخل مجتمعنا المربوط بالوهم المتخيَّل للإنجاز لظل مغمورًا، مجهولًا، غارقًا مثلنا فى وهمنا وخيالاتنا.

 

 

 

 

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات