.

الاقتصاد.. ناجح بشهادة المجتمع الدولى أم بشهادة الموطن المصرى؟

Foto

هل تهتم المرأة المصرية بشهادة المؤسسات الدولية أم بالتغيُّر فى حياتها اليومية؟ كيف أصبحت أُسر كثيرة تأكل البطاطس مسلوقة بدلًا من قليها لغلاء الزيت؟


مع الإجراءات الاقتصادية الأخيرة وارتفاع الأسعار من جديد الذى أرهق كاهل المصريين على كل المستويات، فى التوقيت نفسه الذى تشهد فيه المؤسسات الدولية -التى تستعين الدولة بتقاريرها- بكفاءة الاقتصاد المصرى وقدرته على النمو، وفى التوقيت نفسه الذى يستعين فيه الاقتصاديون المعارضون بتقارير أخرى تتحدث عن معدلات الدين العالية التى تجاوزت الناتج المحلى، فنحن نتحدث عما يقرب من 400 مليار جنيه مصرى دينًا داخليًّا وما يتجاوز ٨٠ مليار دولار ديونًا خارجية والمرشحة للزيادة فى الفترة القادمة بعد دفعات صندوق النقد الدولى المتتابعة وقروض كثيرة تصرح بها الدكتورة سحر نصر بين يوم وآخر من منظمات دولية كثيرة، ويقول المعارضون إن خدمة الدين وصلت إلى ثُلث موازنة الدولة، وهذا مؤشر خطر على الاقتصاد المصرى.. نجد المواطنين والمرأة المصرية على وجه الخصوص لا يهتمون بكلام الحكومة ولا كلام المعارضة، هم مهتمون بحياتهم اليومية التى تأثَّرت بالتأكيد على كل المستويات.

وعلى ذكر الحديث عن تأثُّر كل المستويات بالتحولات الاقتصادية، اشتكى لى لواء سابق ومساعد وزير داخلية سابق بأن المعاش أصبح لا يكفى وأنه يضطر الآن إلى الجور على المدخرات، والجور على المدخرات يؤلم أى شخص، خصوصًا كبار السن، لأنه يشعر أن هذا هو جهد السنين الممتدة الذى يحميه من أية مصائب قادمة ويشعره بالأمان النسبى، وفكرة الجور عليها تهدد شعوره بالأمان النسبى، وهذا شعور جد خطير ربما يعجّل بحياة مَن يمر به، لأن هؤلاء الكبار يعانون مشكلات عضوية من تأثير الزمن، وأى تغيُّر فى الحالة المعنوية والمزاجية يؤثِّر بشكل سريع على المشكلات العضوية ويزيد تفاقمها.
لم أسأله عن التفاصيل، ولكن بالتأكيد ربما يعيش فى كمبوند ولديه خفير وبالتأكيد خادمة وربما سيارة أو أكثر، ولديه أعباء اجتماعية ومجاملات تتناسب مع وضعه الاجتماعى، وكل هذه العناصر ارتفعت تكلفتها وبالتأكيد لا تكفى زيادة الـ15% على المعاش لتغطية هذه الزيادات.
وفى تجاذب لأطراف الحوار مع إحداهن، من الطبقة المتوسطة أو ربما فى بداية الطبقات العليا، والتى تتقاضى مصروفًا شهريًّا يصل إلى الحد الأقصى للأجور، وكيف أنها لا تستطيع أن تطلب أكثر من ذلك، وأن هذا المبلغ لم يعد يؤمن لها نفس المستوى المعيشى السابق، وأنها تفكر أى البنود تتنازل عنه وهى ذات الأسرة الصغيرة، ولكنها تتحدث عن الدروس البريفد وكذلك تدريبات الأندية البريفد وتكاليف الملابس الفاخرة البراندات، وأجود أنواع الماكياج والماسكات وكريمات البشرة وغيرها، وتشتكى أن هذه المنتجات صارت سلعًا استفزازية وتضاعف ثمنها عدة مرات، وهى ترى أنها ضرورة من ضرورات الحياة، للحفاظ على دوامها واستمرارها لتأدية ما عليها من واجبات، للحفاظ على تماسك الأسرة.
ربما يقول قارئ إنك تستفز عوام القراء وهم أكثر من 95% من الشعب المصرى بهذه الروايات وهذه المشكلات، وأصدقكم القول فأنا أردت ذلك تمامًا حتى أتدرج بكم نزولًا إلى الأسفل، أنا رجل أعيش فى مدينة أكتوبر حيث المصانع والجامعات والنوادى وغيرها من الأمور، فإن أجور العمالة والموظفين ما بين 1500 و2000 جنيه، وهذا لا يختلف عن الحكومة كثيرًا، فرواتب الحكومة تبدأ من 1100 جنيه وتصل فى حدها الأقصى إلى 4 آلاف جنيه، فى القطاعات التقليدية من تعليم وصحة ومحليات وزراعة، بعيدًا عن ولاد المحظوظة والوساطة فى قطاعات البترول والخارجية والبنوك والمؤسسات السيادية.
هم طبعًا أبناء التعليم المصرى العقيم الذى لم يخرج كفاءات مهنية عالية، بمَن فيهم خريجو التجارة والحقوق، هم ليسوا أبناء الجامعة الأمريكية، ولم يتعلموا لغة بكفاءة ربما ترفع من أجورهم، هم أغلب جمهور تلك المصانع أو تلك الصروح الاقتصادية، ولا ترفع رواتبهم، لأنه بمنتهى السهولة يستبدل بهم صاحب العمل آخرين، لأنهم يقدمون خدمات ليست فنية، حراس أمن أو واقفون على خطوط إنتاج يقومون بأعمال تقليدية آلية من تعبئة وخلافه. هذا المواطن لديه أسرة ربما ممتدة، ثلاثة أولاد أو أكثر، فى ظل تعليم ردىء وخدمات صحية رديئة.. بالله عليكم، كيف يعيش هذا المواطن وفواتير السكن من كهرباء وماء وغاز كفيلة بإنهاء هذا الراتب الضئيل؟! تسألنى كيف يعيش؟! أنا لا أملك الإجابة، هو قد استغنى عن اللحوم مع موجة الزيادات الأولى، ربما استغنى عن العدس مع موجة الغلاء الثانية، لأنه أصبح سلعة استفزازية تصل إلى خمسين جنيهًا، واستغنى عن البطاطس المحمرة مع موجة الغلاء الثالثة، لأنها تستهلك زيتًا وطاقة وأصبحت رفاهية لا يتحملها، واكتفى بالمسلوقة، هو استغنى عن قسط النوم ليعمل فى شيفت ليلى على توك توك، أو بائعًا فى أحد المحلات، وبالتالى هو لا يرى أسرته ولا يعيش حياة طبيعية بل يعيش فى ساقية لا تنتهى، هو مكتئب ومحبط وغاضب أيضًا وليست لديه رفاهية الوقت للاستماع إلى بشائر الحكومة بالخير ولا تشاؤم المعارضة بالمستقبل.
وأنا أقول واقعًا حكاه لى أحد الأصدقاء الذى زار أخاه فى المساء، وقامت زوجته لتحضير العشاء ووضعت مقلاة الزيت على النار، وفوجئ بالأولاد يهللون لأنهم سيأكلون بطاطس محمرة احتفالًا بوجود عمهم على العشاء، فسألهم: وكيف كنتم تأكلونها؟ فأجابوا «مسلوقة يا عمو، ماما مابترضاش تحمر البطاطس بتقول الزيت غالى»، وضاع صراخ الأم هباءً وهى تحاول أن تزجر الأولاد حتى لا تخرج أسرار البيت، هل تصل تلك الصرخات إلى الحكومة التى تجود بالمكافآت والبدلات على محاسيبها ورجالها وتنحدر طموحات المصريين من أكل الفراخ واللحوم إلى أكل البطاطس المحمرة؟
الدولة تتجه إلى تخفيض العمالة فى دولاب الحكومة، والقطاع الخاص يتخلى عن العمالة بسبب تراجع الإنتاج بسبب ارتفاع الأسعار وعدم قدرة المواطن على شراء سلع لا تمثل أولوية فى الوقت الراهن من أجهزة كهربائية أو سيارات، وللأسف فتعيين مدبولى رئيسًا للوزراء دليل على نفس نهج الحكومة فى الذهاب إلى الإنشاءات، يتحدثون عن 4 ملايين عامل يعملون فى تلك المشاريع من عمال المعمار.
من قال إن هؤلاء كانوا عاطلين عن العمل، لم تُعَطَّل أيدى فنيى المعمار على مدى العقود الماضية، خصوصًا إذا كانوا من الصنايعية المهرة الذين يقول عنهم المصريون التعبير الدارج «إيديهم تتلف فى حرير»، ولم تتوقف الدولة عن البناء فى العقود الماضية. وأنا واحد من سكان أكتوبر، لم يتوقف بنك الإسكان وهو بنك حكومى عن تشييد مشاريعه الضخمة، ينتهى من مشروع ليبدأ فى آخر، هيئة تعاونيات البناء والإسكان وهى هيئة حكومية لم تتوقف عن البناء فى العقود الماضية وأنشأت مشاريع ضخمة وأحياءً كثيفة، جهاز المدينة نفسه يبنى، القطاع الخاص يبنى، فمنطقة حدائق أكتوبر التى أسست فى العقد الأخير من نظام مبارك، شاركت فيها 50 شركة كبيرة لإنشاء كمبوندات وإسكان شبابى، بخلاف قطع الأراضى التى يبنيها الأفراد، والقرى والنجوع لم تتوقف عن البناء سواء فى تعلية الأدوار المنخفضة، أو بالجور على الأراضى الزراعية والبناء الجديد، كل الموضوع أن البناء انتقل من قطاعات حكومية مختلفة والقطاع الخاص إلى بناء تحت إشراف الجيش أو تحت إدارة كاملة للجيش.
نحن فى حاجة إلى التوجه إلى الإنتاج بقوة وإنشاء مصانع جديدة، وكنا فى حاجة إلى خبرة اقتصادية لإدارة المشهد القادم، لاستيعاب العمالة القادمة إلى سوق العمل، أو التى ستسرّح من الحكومة أو من القطاع الخاص.
ما شعور مواطن لديه أسرة استغنى عن كل شىء بما فيه البطاطس المحمرة، أن يجد نفسه مطرودًا خارج المصنع أو خارج المنشأة الحكومية ولا يجد راتبًا؟! من أين تأكل أسرته؟! خصوصًا أن وزارة التضامن الاجتماعى لا تكفل هؤلاء! لابد من تشريع يسمح بما يسمى بدل بطالة. بالتأكيد وجود أطفال جائعين سيدفع أباهم إلى أى عمل حتى لو كان غير مشروع.. لا توصدوا الأبواب أمام المواطنين، ويجب على الدولة أن تقوم بمسؤولياتها تجاه المجتمع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات