.

«مكان هادئ».. قليل من الرعب كثير من السينما

Foto

كيف استطاع الفيلم أن ينتصر للصورة السينمائية وأن يخلق من قلب الصمت صخبًا شعوريًّا لا ينتهى؟


لطالما كانت لـ«الصورة» أهمية كبيرة لدى السينمائيين ومحبى ومتذوقى السينما وإمكانية تفوقها على الصوت فى التأثير والقوة، وهو ما نجح فيه فيلم «مكان هادئ- A Quiet Place»، لينتصر للصورة السينمائية ويعمل فى إطارها، لإبراز جماليات الصورة ويخلق من قلب الصمت صخبًا شعوريًّا لا ينتهى على مدى مدة الفيلم التى لا تجاوزت الساعة ونصف الساعة.

 

براعة استهلال
يبدأ الفيلم من اليوم 89 من بعد الغزو الذى حدث للأرض من قبَل كائنات خارقة للطبيعة تسعى إلى التهام فرائسها، اعتمادًا على تتبع الضوضاء الناجمة عن حركتها، فى حين أنها كائنات عمياء لا تبصر ولكنها تستشعر الترددات.. هذه الفكرة الجنونية التى تدفع الجميع إلى الصمت حتى ينجو بحياته ولو لفترة، فالصمت لا يدوم طويلًا.
ورغم أن الحوار يعتبر صلب الحياة، فإن هذا الفيلم على وجه التحديد تعامل مع معادلة الصورة والكلمة بطريقة مختلفة أضافت إلى الصورة ولم تُقِل من قيمة الكلمة، حيث استغل إشكالية الفيلم ليثرى اللغة البصرية على حساب اللغة الكلامية، فعلى تلك الأسرة الناجية من أحداث الدمار، الصمت التام للنجاة من موت محقق يلاحقها أينما ذهبت.
وسرعان ما يختطف الموت أحد أفراد تلك الأسرة على إثر لعبة «صاروخ» تصدر صوتًا عاليًا «نسبيًّا» على ما حل بالعالم الجديد، وتنتهى حياة أصغر فرد بتلك العائلة، طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر، وتتقاسم الابنة والأم الشعور بالذنب على فقدانه، هذه البداية الخاطفة تجذب المشاهد الذى لا يتمكن من الإفلات من الفيلم إلا بنهايته.

 

تسلسل السرد
اعتمد فيلم «مكان هادئ» على قصة من تأليف الكاتبَين بريان وودس وسكوت بيك، اللذين اشتركا فى كتابة السيناريو أيضًا، وشاركهما مخرج الفيلم وبطله جون كراسنسكى، فى لعبة أساسية بسيطة فى بناء السيناريو وهى وقوع الفعل واكتشافه والغرس الوجوبى لمعطيات المشاهد القادمة، وهو ما يجعل عقلية المشاهد فى رحلة تفكير مستمر لمواكبة مجريات الأحداث، ويظل السؤال الدائم والمستمر: ما القادم؟!
كما نجح السيناريو فى خلق عالم من الصمت المهيمن على الأحداث، لا سيما مع وجود دور لابنة صماء وبكماء، لعبت دورها الفنانة المراهقة ميليسنت سيموندز، وهى صماء فى الحقيقة أيضًا، وتم اللعب بذكاء بعالمها الخاص وما تسمع وما يسمعه المشاهد، من خلال نقلات صوتية بين العالمَين ليتشارك المشاهد مع الابنه ريجان، لا سيما أنها تلعب دورًا محوريًّا فى مسار الأحداث على مدى الفيلم.

 

رحلة الإنسان الأول
يستشعر المشاهد طوال أحداث الفيلم رغبة أفراد الأسرة الشديدة للحياة والتمسك بها، لا سيما الأب (لى) والأم (إيفيلين) التى تلعب دورها الممثلة إيملى بلنت، ومحاولة تكريس كل السبل الممكنة لاستمرار تلك الحياة المهددة والبحث عن حلول للتحايل على الموت المحقق على يد تلك المخلوقات، وهو ما يضع أفراد الأسرة فى مأزق، فحياتهم على المحك حرفيًّا وأى خطأ يمكن أن يودى بحياتهم.
وهو ما يشير إلى سهولة فقد الحياة فى العالم الصعب الذى باتوا واقعين فيه، فحياتهم لا طموح أو أمل بها سوى العيش فحسب، العيش ليوم إضافى يحسب لعمرهم وسط المعاناة الصامتة، مذكرًا المشاهد بحياة الإنسان الأول وسط الطبيعة المتوحشة، محاولًا حماية نفسه مما يحيط به من وحوش وكائنات يمكن أن تضعه على مائدة غدائها.

صخب المشاعر
رغم أننا -كمشاهدين- لا نستمع إلى الكثير من الحوار إلا بمشهدين فحسب، فإننا نتشبَّع بصخب المشاعر الذى يتجلى فى كل مشهد، وتوحد المشاهد مع ما يتابعه من صعوبات متكررة يقع فيها أفراد الأسرة، بصورة منطقية، وهو ما يفقد بعضهم الحياة، لحماية الآخرين كما فعل الأب، فى مشهد التضحية بنفسه لحماية أولاده من أن يكونوا فرائس لهذه المخلوقات، لنكتشف فى ما بعد أنه كان السبب أيضًا فى نجاتهم بما يخترعه من أجهزة هدفها التسهيل على ابنته التواصل مع المحيط الخارجى، ليقدم فى النهاية فيلم «مكان هادئ» جرعة شعورية عميقة تزيد مع تلاحق المشاهد وتعاقبها.

 

قليل من الرعب كثير من السينما
لا يمكن أن نتعامل مع فيلم «مكان هادئ» على أنه فيلم رعب خالص، ولكنه يمزج بين التشويق والروح الخاطفة للأفلام ذات الأحداث المتسلسلة بصورة محكمة، ولا ننسى قليلًا من الرعب الذى يضفى على الفيلم قدرًا من القلق والترقب لا الخوف كما هو معتاد بأفلام الرعب التقليدية.
فإيقاع الفيلم على مدى مدته التى لم تتجاوز الساعة ونصف الساعة، لم يتراخَ لدقيقة واحدة، فالأحداث المتعاقبة والسرد المحكم والمنطقى الذى خلقه الفيلم مكَّن المشاهد من التمتع بالشريط السينمائى فى كل لحظة، فضلًا عن الاستخدام المميز للصوت والمؤثرات الصوتية للطبيعة المحيطة التى خلقت للفيلم روحًا خاصة وإيقاعًا مميزًا، تضافرت بدورها مع موسيقى «ماركو بلترامى» المميزة، التى تنوعت أنغامها وجملها اللحنية لتصبح مقياسًا لتطور الحدث وتصاعد وتيرة توتر المشاهد.
بينما شكَّلت كاميرا شارلوت بروس كريستنسن المميزة التى صورت أفلام مثل «Molly’s Game» و«The Hunt» وغيرهما من الأعمال التى امتازت بصورتها، عنصرًا مهمًّا من عناصر السرد، إن لم تكن أهمها، حيث إن نقلاتها كانت دقيقة وحساسة للغاية للأحداث وانفعالات الشخصيات، كذلك مونتاج كريستوفر تلفسن (الذى رشح لجائزة الأوسكار لأفضل مونتاج من قبل) تواكب مع حساسية الكاميرا ليعزز الجرعة التشويقية الشعورية التى يرجوها الفيلم.

 

الرعب الصامت
استطاع الممثلون ممثلين فى الأب لى (جون كراسنسكى) والأم إيفيلين (إيميلى بلنت) وأبنائهما ماركوس (نوح جوب) والابنة الصماء ريجان (ميليسنت سيموندز) والأصغر بيو (كيد وودوارد)، تجسيد حالة الرعب الصامت وتباين المشاعر فى كل مشهد، لا سيما مع اتباع لغة الإشارة وتقديم أداء خالٍ من الحشوات الكلامية، خصوصًا مع توافر المساحة التمثيلية الملائمة لكل منهم، مما أعطى شعورًا للمشاهد بمعرفتهم جميعًا عن قرب.
فيلم «مكان هادئ» هو فيلم أمريكى تتوفر فيه كل العناصر الهوليوودية اللامعة، ولكن ما يميزه هو تعاطيه مع قضية البقاء بصورة لافتة ممزوجة بالمشاعر المتباينة التى جسدت بصورة طبيعية، فضلًا عن احتوائه على قدر كبير من الصناعة السينمائية المميزة دون تكلف أو ابتذال.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات