.

«الأسطى»

Foto

ومن بين «الأسطوات» هناك زوايا ودرجات، قُدرات وإمكانيات تتفاوت.. وقد تمتعت مؤسسة روزاليوسف، وربما انفردت وسط خارطة الصحافة المصرية، بعدد من «الأسطوات»


الصحافة، كأى «مهنة»، لا يتساوى كل مَن يمتهنونها.. لها «أسطواتها»، وفيها «صنايعية»، بل تحوى مَن لم يستطع، رغم الزمن والعلام، أن يبرح دور «الصبى».. حتى وإن تقلّد فيها منصبًا، بالصدفة أو بغيرها..

ومن بين «الأسطوات» هناك زوايا ودرجات، قُدرات وإمكانيات تتفاوت.. وقد تمتعت مؤسسة روزاليوسف، وربما انفردت وسط خارطة الصحافة المصرية، بعدد من «الأسطوات» الذين يمكن لاسم واحد منهم أن يكلل المهنة كلها.. تصور مؤسسة كان فيها بعد فاطمة اليوسف ومحمد التابعى، إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين وفتحى غانم ولويس جريس، والأسطى أو المايسترو «كما أطلق عليه الأستاذ رشاد كامل» صلاح حافظ.. وجواهر من الفنانين التشكيليين ورسامى الكاريكاتير: جمال كامل وحجازى واللباد والليثى وزهدى، و.. و..


زميلنا رشاد كامل دخل روزاليوسف عام ١٩٧٦، متدربًا فى مجلة «صباح الخير»، وأخذ السلم من تحت لفوق، إلى أن وصل إلى رئاسة التحرير.. الحقيقة أن هذا ليس إنجازه أو على الأقل ليس هو كل إنجازه، ولكن إنجازه أنه قرر أن يُسدى للقارئ وللصحفى معًا خدمة جليلة.. قرر أن يجمع ما يمكن أن نطلق عليه «كنز روزاليوسف»، أو «تراث روزاليوسف»، وهو مشروع ليس الغرض منه شحن الذاكرة بقدر ما يمثل علامة تقرأ فى ضوئها الحاضر، أو تسترشد به وأنت تطمح فى مستقبل أكثر صحة وعافية، اجتماعيًّا وسياسيًّا، على مستوى الفرد والمجتمع.. الانحياز لهذا المشروع انحياز للمهنة وليس انحيازًا لمؤسسة صحفية أو مدرسة بعينها، هو كشف عن «تراث» أصيل للصحافة المصرية ككل، كشف لعلامات نحن بحاجة لاستحضارها أو الاهتداء بعلامات، أهمها أن «السيد» الوحيد للكاتب والصحيفة معًا هو «القارئ»، وأن الولاء الأول لأى جريدة هو لدورها فى إعلان «الحقائق»، وأن هذا هو الضمان الوحيد لصحة الوطن كله.


من حلقات هذا المشروع الذى أراه فى غاية الأهمية، الكتاب الخاص بالأسطى الكبير، أو «المايسترو» صلاح حافظ، الذى هو بالفعل «ظاهرة» فى حد ذاته.. خلطة شديدة الموهبة والخصوصية معًا.. هو وإن كان لم يكمل دراسته للطب «لم ينَل البكالوريوس حتى توفى عام ١٩٩٢»، وكان يرفع شعار «ليس أجمل من أن تعيش تلميذًا طول عمرك»، فإنه صاحب أرشق «مشرط سياسى»، فنان، له علاقة بكل الفنون، من فن الأراجوز الذى كان يفرّج بعروضه فى سجن الواحات، وهو ما يرويه الأستاذ نبيل ذكى، وكيف كان صلاح حافظ يعدّ عروض خيال الظل والأراجوز ليشيع البهجة ليس فقط على زملائه، ولكن المأمور والعساكر وحتى سكان الواحات وأطفالهم الذين كانوا يُطلقون على حافظ «بابا ثلاح».. غيَّرَ صلاح حافظ حياة المنفى، ملأها بقراءات للسينما والمسرح والشعر والرواية، والموسيقى والغناء، أما فى تقديرى درة تاجه الفنى، فهو أنه يضمن لقارئه فى السياسة والاقتصاد وحتى الذرة، مَسحة غير محدودة من «متعة القراءة».. يكتب فى السياسة برشاقة راقصة باليه أولى فى البولشوى، ويهز الحكومات ويرج أمن الرؤساء كأنه يعزف على وتر كمان، أو بانسياب أصابع عازف بيانو.. إن كانوا يصفون بيليه أو ميسى بأنه ساحر الكرة، فصلاح حافظ، رحمه الله، ساحر الصحافة.. مع أنه دخل الصحافة من منطلق خدمة السياسة، أو ما يسميه رشاد كامل «الصحافة العقائدية»، كيسارى أصيل، «كان عضوا بتنظيم حدتو»، كتب فى كل المجلات الشيوعية وأمضى فى السجون ما يقرب من تسع سنوات، لم تفلح فى أن تجعله يتخلى عن ابتسامة، لا أتذكر أننى رأيت وجهه خاليا منها عبر عشرين عامًا.


منذ دخلت المؤسسة عام ١٩٧٢ حتى وفاته عام ١٩٩٢، كنت محظوظة خلالها بأن أكون منتمية لمؤسسة روزاليوسف، والعمل فى «صباح الخير».. كانت «روزاليوسف» فى الدور الخامس، و«صباح الخير» فى الدور السابع، وكان له طلة مع عصارى كل يوم، قادما من الخامس إلى السابع، يسير ويد تحمل حقيبته الجلدية، والأخرى فى جيب البنطلون، موزعًا بشاشته على كل من يصادفه وهو فى الطريق للقاء حسن فؤاد وجمال كامل ولويس جريس، قبل أن يلحق بهم جميعًا، وفتحى غانم.. ويلحق بالركب من ضيوف.


كان له سمت خاص، أو «طلّة» مُحببة.. مرحة وودودة مع الجميع، طلّته تشبه صياغاته العبقرية التى لا يمكن أن ينافسه فيها أحد.. صياغة أصعب الأفكار وأكثرها جدية، بسلاسة ومتعة، وبمداخل ومقدمات غير متوقعة.. عمل فنى فى منتهى البساطة ومنتهى الفن.. هو نفسه وعلى المستوى الإنسانى كان فى بساطة وجمال شَربة الماء.. يحب الجميع ويحترم الجميع، وله روح ظلت لا تغادر العشرين أبدًا.. وهو ما رصده حسن فؤاد، الفنان والكاتب العظيم، فى مقالة له ساحرة، بمناسبة بلوغ صلاح حافظ السابعة والخمسين.. كتبها فى بابه بـ«صباح الخير» «حواديت ليل» فى ٤ نوفمبر ١٩٨٢، بعنوان «التلميذ الخالد»، والمقالة قطعة فنية فى اللماحية والسخرية المحببة من شباب صلاح حافظ الدائم، وحيويته ومرحه وكأنما الزمن نفسه منحاز له.. صلاح حافظ معادلة لا تتكرر كثيرا، كتابة تكشر عن أنيابها سياسيا، وبجمال فاتن.. كتابة جميلة، لا يمكن أن تقرأها إلا وأنت فى منتهى الاستمتاع.. يكتب فى أى مضمار، لا يقف أمام صياغته لا عائق ولا فكرة.. مدرسة فى الحس الصحفى، حتى إن الزميل رشاد كامل يحكى أن الأستاذ الكبير لويس جريس، وقت رئاسته لتحرير «صباح الخير»، وكان رشاد سكرتير تحرير، والزميل فوزى الهوارى، رحمه الله، مشرفًا فنيًّا، كان الأستاذ لويس والشابان، المشرف الفنى وسكرتير التحرير، يتجهون بمواد أى عدد خاص إلى الأستاذ صلاح، يوم الجمعة فى بيته بالهرم.. لا يوجد صحيفة لم يعمل بها صلاح حافظ، ولا توجد صحيفة عمل بها ولم يرفع توزيعها إلى درجات قياسية.. وصل بـ«روزاليوسف» إلى ١٨٠ ألفًا، وبعد خروجه من السجن عام ١٩٦٤، وتوليه «آخر ساعة»، ارتفع بتوزيعها إلى أرقام أشبه بالمعجزة.. هو «ساحر الصحف»، القادر على أن يبعث الروح فى جرائد ومجلات يتسلمها وهى على حافة الموت، وتتحول على يديه إلى صبايا فى ذروة الشباب.. فى انتفاضة يناير ١٩٧٧، كان رئيس مجلس إدارة «روزاليوسف» عبد الرحمن الشرقاوى، ورئيس التحرير صلاح حافظ، وبينما رأى السادات أحداث يناير «انتفاضة حرامية»، أثار جنونه عناوين صلاح حافظ ورؤيته أنها «انتفاضة شعبية».


صلاح حافظ من مجموعة «الطب» التى اختارت الكتابة: يوسف إدريس ومصطفى محمود. ولقاؤه بإحسان عبد القدوس، رئيس تحرير «روزاليوسف» عام ١٩٥١، جاء عن طريق الشاعر مأمون الشناوى الذى كان يعرفه من المقالات والقصص المنشورة له فى عديد من المجلات.. إحسان قرر له راتبا خمسة عشر جنيهًا فى وقت كان فيه مرتب محمد التابعى، وهو رئيس تحرير، خمسة جنيهات، والمرتب جاء بعد أن طلب منه إحسان أن يعيد صياغة واحد من أبواب المجلة.. وأدرك إحسان أنه أمام «جواهرجى».. وبعين الجواهرجى أيضا قامت «الست روزا» بتقييمه، ولما فكرت فى مجلة تؤاخى بها روزا وتكون أكثر شبابا، كلفت صلاح حافظ عام ٥٤، بالإعداد، بعدما نجح نجاحا كبيرا كانت ذروته ما كان يكتبه تحت عنوان «انتصار الحياة»، وأعد صلاح حافظ المشروع وأفكاره، ولكن لم ينفذه لأن الحكومة قبضت عليه ودخل السجن لسنوات، ولما خرج عام ١٩٦٤، راح إلى «آخر ساعة»، ليعود ثانيةً إلى «روزاليوسف» رئيسا للتحرير مع فتحى غانم فى يونيو ١٩٧٤، حتى يعزله السادات فى أبريل ٧٧؛ بسبب مقالاته عن أحداث يناير، وكذلك يستقيل الشرقاوى.

قال عبد الرحمن الشرقاوى إن موقف «روزاليوسف» أغضب السادات غضبا لا حدود له، وقرر عمل تغيير كامل بإبعادنا! يمكن أن نقول إن السادات اتخذ قراره بتصفية مدرسة روزاليوسف من تلك اللحظة، وأنه قرر أن يغير من تركيبتها ويريح دماغه، وهذا ما بدأ على مدى سنوات، بدءًا من مجىء مرسى الشافعى وعبد العزيز خميس، وهو موضوع طويل، أبرز ما فيه تكنيك تغيير تركيبة «مؤسسة»، بغَمرها بتعيينات لا تخضع لمعاييرها، وتولية أمرها لأبعد الناس عن المهنية والتوجه.

الفترة التى تولى فيها صلاح حافظ رئاسة تحرير روزاليوسف كانت المجلة الأولى، ليس فى مصر بل فى العالم العربى، التى انفردت بأنها المؤسسة القومية التى تتكلم باسم الشارع! راحت تطارد الفساد أينما كان، ولا تستثنى أحدا، ولا تضع خطوطا حمراء.. درس صلاح حافظ كما تلقاه رشاد كامل الذى كان محظوظا بتسجيله أطول حوار لصلاح حافظ نحو عشرين ساعة مسجلة، أن الولاء الأول للكاتب هو ولاؤه للقارئ، وكما قال بعد أن «شاله» السادات من رئاسة التحرير، إنه ممكن يعزله ولكن لا يمكن أن يجرده من أنه كاتب؛ لسبب بسيط أن الجهة الوحيدة التى تملك ذلك هى «القارئ».. القارئ «سيد» الكاتب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات