.

!خرافة حمار النبى يعفور

Foto

هل يفيد بعد تدوين الخرافة أن يقول مدونها إنها ضعيفة وإنه لا يحل لأحد أن يحكيها؟


 

لا أدرى سبب امتلاء كتب التراث بحكايات وأساطير عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم سببًا وجيهًا أن تظل هذه الأساطير محفوظة ومدونة طوال تلك العهود، فعلى الرغم من أن كثيرًا من علماء الحديث رفضوها شكلًا وموضوعًا، والكثير منهم أنكر على مَن يرويها من بعده، فإن الحقيقة الثابتة أنها مدونة ومحفوظة ومروية. إن تدوين هذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة لم يكن فى صالح الوعى العالم للمسلمين، فأغلب هذه الموضوعات حكايات خرافية لا يصدقها عقل، وهى تفسد أكثر مما تفيد، قد يقول قائل يكفينا أنها موضوعة أو ضعيفة، أقول له صحيح بشرط أن نكون قد أحدثنا قطيعة معرفية مع هذه الأحاديث الموضوعة والخزعبلاتية أساسًا، ولكننا نحترمها من طرف خفى، فالعلماء الذين أثبتوا ضعف هذه الحكايات هم أنفسهم الذين فتحوا بابًا لتمريرها إلى العقل الجمعى للمسلمين، فقد وضعوا مبدأ أن الأحاديث الضعيفة تروى كحكايات وليس من باب العقيدة أو التشريع من باب فضائل الأعمال! أى أنها تروى وتتناقلها الأجيال! فما قيمة وصفها بأنها موضوعة أو ضعيفة، وكأنهم جمعوا الضعيف ليروى؟! وتلك جريمة فى حق الوعى العام، فهل بعد تلقيه كثيرًا من الخزعبلات على اعتباره من فضائل الأعمال يصلح للتفكر والتدبر اللذين أمرنا الله بهما؟ ماذا تنتظر من أرض زرعت خبلًا؟ وماذا تتوقع من عقل ملىء بالوهم والخرافات؟

 

لا تستهينوا بالأمر وتقولوا يكفى أن المحدثين أثبتوا ضعفها، فهذه المرويات الضعيفة يقف كثير من الخطباء يحكيها باعتبارها من معجزات النبى، ومنها هذه الحكاية التى تقول عن أبى منظور: «لما فتح اللهُ على نبيهِ خيبرَ، أصابهُ من سهمهِ أربعةُ أزواج نعال، وأربعةُ أزاوج خفاف، وعشرُ أواقى ذهبٍ وفضةٍ، وحمارٌ أسودٌ. قال: فكلم النبى الحمارَ، فقال له: ما اسمُك؟ قال: يزيدُ بنُ شهابٍ، أخرج اللهُ من نسلِ جدى ستينَ حمارًا، كلهم لم يركبهم إلا نبى، ولم يبق من نسلِ جدى غيرى، ولا من الأنبياءِ غيرُك، أتوقعك أن تركبنى، وكنتُ قبلك لرجلٍ من اليهودِ، وكنتُ أعثرُ به عمدًا، وكان يجيعُ بطنى ويضربُ ظهرى، فقال له النبى: قد سميتك يعفورًا، يا يعفورُ قال: لبيك. قال: أتشتهى الإناث؟ قال: لا، وكان النبى يركبه فى حاجته، فإذا نزل عنه بعث به إلى بابِ الرجلِ، فيأتى البابَ فيقرعُهُ برأسهِ، فإذا خرج إليه صاحبُ الدارِ، أومأ إليه أن أجب رسولَ اللهِ. قال: فلما قبض النبى، جاء إلى بئرٍ كانت لأبى الهيثمِ بنِ التيهان، فتردى فيها، فصارت قبرهُ، جزعًا منه على رسولِ اللهِ».

 

قصة الحمار يعفور أوردها ابن كثير فى كتاب البداية والنهاية 6/158، وجاءت فى عدة مراجع أخرى منها ابن الأثير فى «أسد الغابة»، والذهبى فى «ميزان الاعتدال» 4/34، والحافظ ابن حجر فى «لسان الميزان» 5/426، وفى «الفتح» 6/70، والسيوطى فى «اللآلئ المصنوعة» 1/276، رويت هذه الرواية بأكثر من سند فى بعض مصادر أهل السُّنة، منها على سبيل المثال كتاب «دلائل النبوة» لأبى نعيم الأصفهانى المتوفى سنة 430، وأيضًا ابن عساكر المتوفى سنة 571هـ، كما فى كتاب «السراية» «جـ6 صـ10»، وقد روى هذه القصة إمام الحرمين المتوفى سنة 478هـ فى كتابه «الشامل فى أصول الدّين»، وروى القصة من علماء أهل السُّنة أيضًا القاضى عياض المتوفى سنة 544هـ فى كتابه «الشفا فى تعريف حقوق المصطفى» «جـ1 صـ276»، ورواها أيضًا الدميرى فى «حياة الحيوان» «جـ1 صـ251»، وكذلك «الديار بكرى» المتوفى سنة 982هـ فى كتابه «تاريخ الخميس» «جـ 2 صـ187».

 

أولًا، هذه الحكايات الخرافية فى كتبنا نحن المسلمين، ولم يضربنا اليهود ولا النصارى على أيدينا لجمعها وتدوينها، ولم يسقيانا خمرًا لنرويها للأجيال، لكننا يحلو لنا أن نتهمهم بكل خطايانا وتعلق عليهم سماعة خيبتنا، فكل من فى السلسلة التى روت هذه الخرافات مسلمون، فما الداعى لأن نتهم المخالفين لنا فى الدين بأنهم هم مَن وضعوا هذه الخرافات فى كتبنا؟! ثانيًا ترى أية قيمة يمكن أن ينالها المسلم إذا وقف الخطيب على المنبر وحكى أن الرسول يتحدث إلى الحمير؟! هل هذا سيزيد من إثبات كونه نبيًّا ومرسلًا؟ وماذا يمكن أن نجيب عن الناشئة إذا سألوا أسئلة منطقية، مثل هل سمع الحكاية الصحابى أبو منظور من الرسول وهو يتحدث عما دار بينه وبين الحمار؟ أم سمع الديالوج الذى كان بين الرسول والحمار بما يعنى أن الحمار كان يتكلم باللسان العربى الفصيح؟ هل أخبر الرسول الصحابة بمشكلة الحمار الذى دخل فى خصومة مع صاحبه اليهودى؟! إلى أين تؤدى بنا طريقة الخرافات والحكايات الساذجة؟ تؤدى إلى مزيد من الجهل ولفظ العلم، فحين يزداد الجهل تزداد الخرافة، وحين تزداد الخرافة يضمحل العمل، وبغياب العلم يزيد تسلُّط مسوّقى ومروّجى الخرافة على تابعيهم. والجهل، يا سادة، ليس فقط جهلًا بالقراءة والكتابة، هناك جهل بقيمة الإنسان فى أن يعيش كونه إنسانًا، وهناك جهل بنعمة العقل التى وهبنا الله إياها، وما دامت مثل هذه الحكايات موجودة فى ضمير المسلمين سيضمر العمل العقلى وتضيع المنهجية العلمية ويغيب السؤال المثير للتجربة، إن المنطق والمنهجية والتجربة هى القواعد الفكرية والعملية التى نستنتج بواسطتها المعارف اليقينية وتساعدنا فى الخروج من إطار المسلمات المعرفية السابقة المختلطة بالخرافة والعادة، إن الخرافة تستقى وجودها وتتعزز من مجموعة من الأوهام التى يحتفظ بها المجتمع، كما أن انتشار الخرافة يتسع كلما زادت درجة الجهل والقهر والتسلط والخوف وفقدان الأمان، كل هذا يُورث العجز ويزرع فقدان الثقة بالنفس عند الأجيال الناشئة، وينأى بالإنسان عن البحث الموضوعى والمنهجى لمشكلاته، مما يجعله يلجأ إلى الخرافة بوصفها أداة جيدة وسهلة لتفسير الظواهر، والخرافة تؤدى إلى انتشار الكسل الذهنى واعتماد أسلوب التلقين والحفظ وضعف وضمور التساؤل والبحث عن الحل، واختفاء مبدأ النقد والنقد الذاتى والاعتراف بالقصور، فلا حلول صحيحة إذا لم يسبقها الاعتراف بالخطأ، وَهم الاكتفاء المعرفى والاعتقاد أن ما لدينا يكفينا ولا نحتاج إلى علوم وتجربة غيرنا، وَهم الخصوصية والعصبية الدينية أو القومية أو العرقية، لن تكون لدينا الجاهزية لقبول الجديد والمتطور ليس فى التكنولوجيا فقط بل وفى القوانين الإدارية والدستورية، نحتاج إلى تعليم أجيال لديهم القدرة على التفكير السليم، فلا نهضة للفكر إلا بوجود العقل المفكر، ولتنمية العقل يجب التدريب على العادات العقلية والفكرية الصحيحة، والتى ليس منها شيوع هذه الحكايات فى وجدان المجتمع.

 

إن قمة الغيبوية الفكرية أن تؤمن أن هناك حمارًا اسمه عمر أو اسمه ثابت وأنه من نسل حمر مخصصة للأنبياء، وقمة السخرية أن تؤمن أنه انتحر حزنًا على النبى، كل هذا يغيبنا تمامًا عن عالم الواقع، ويكون بذرة لمعوقات التفكير، وإذا حاربت مثل هذه الرويات حاربوك باسم الدين، والدين منهم براء. إن الذين ينشرون الفكر الخرافى بترديد مثل هذه الحكاية وغيرها يسعون لتوسيد القابلية للوهم، لينشروا الوهم من أجل مزيد من التابعين «المسطولين» المحتاجين دائمًا إلى حلال المشكلات، الذى يجرون وراءه دافعين كل ما هو ثمين ونفيس من عقولهم وحياتهم وأرزاقهم، لتزداد ثروة هؤلاء الدجالين النصابين.

 

يا سادة، فلنعلنها عالية مدوية، سنقاطع  كل الروايات الخرافية وسنهاجم كل الحكايات بسيل من الأسئلة وبعرضها على العقل ومواجهة مروجيها بحقيقة وأضرار مثل هذه الرويات، لعلنا نستخلص العقل الجمعى والوعى العام من براثن التخلف والوهم.. والله أعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات