.

ما تريده مصر من المدارس اليابانية غير ما تريده اليابان

Foto

كيف أعلنت وزارة التعليم عن رابط التقديم للمدارس اليابانية ثم قامت بغلقه بعد ذلك بساعات؟


كانت مفاجأة كبيرة أن تُعلِن وزارة التربية والتعليم، الخميس الماضى، عن رابط التقدُّم للالتحاق بالمدارس اليابانية على الموقع الرسمى للوزارة، خصوصًا بعد أن أعلن وزير التعليم، فى أكتوبر من العام الماضى، تأجيل تجربة المدارس اليابانية لأجل غير مسمّى، إما بسبب عدم التحضير الكافى لانطلاق تلك المدارس، وتجهيزها بما يتناسب مع الإمكانيات التى ينبغى أن تتوافر فى مدارس يُفترَض فيها أن تحمل اسم اليابان، إحدى أعظم الدول المتقدمة على الإطلاق، وإما بسبب رفض الجانب اليابانى زيادة مصاريف تلك المدارس على ألفَى أو أربعة آلاف جنيه، لأنها بالأساس موجهة إلى محدودى الدخل، كما كانت مفاجأة داوية أن تتراجع وزارة التعليم عن إعلان الالتحاق بتلك المدارس بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من إطلاق رابط التقديم، فيتم غلق الرابط الإلكترونى للتقديم، ويُشاع أنه قد سُرق أو تعرّض للقرصنة «..»، وأن الوزارة لم تعلن حتى الآن عن فتح باب التقديم رسميا، ثم تحاول الوزارة تدارُك الأمر فى محاولة لحفظ ماء الوجه، فتعلن أن الإعلان عن رابط التقدّم إنما هو «بث تجريبى» «..»، ثم يدور كلام هنا وهناك فى أروقة وزارة التعليم حول غضب الدكتور طارق شوقى، وزير التعليم، مما حدث، ولا سيما أن أكثر من مصدر داخل الوزارة أكد أن فتح باب التقدُّم على رابط الوزارة تم دون علم السيد الوزير «..»، ودون الحصول على موافقته أو موافقة أى قيادة أخرى داخل الوزارة أو أى قيادة بوحدة المدارس اليابانية وهيئة «الجايكا»، ما يعنى وجود أزمة داخل الوزارة، تتعلق بإدارة بعض الملفات الهامة، وتضارُب خطير فى القرارات!

قد يبدو الأمر عند البعض هيّنًا أو ارتباكًا من الممكن أن يحدث فى أى مكان، لكن الأمر فى حقيقته صادِم ومنذِر بما هو قادم فى تلك الوزارة، فليس من المعقول أن يكون التخبُّط على هذا الشكل البائس، وعن أى تخبُّط نتكلم؟! إنه تخبُّط فى صميم تجربة تعليمية يتبنّاها الرئيس السيسى شخصيًّا، منذ زيارته اليابان فى فبراير من عام 2016، ما يشى بأن هذا التخبّط لا ينبغى أن يمرّ مرور الكرام، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الأمر يتعلق بمستقبل التعليم فى البلاد، وانتظار شريحة من المواطنين تلك المدارس بفارغ الصبر، وتخوفهم من تفويت الفرصة على أبنائهم للالتحاق بتلك المدارس بدلًا من إلحاقهم بالمدارس الأجنبية باهظة التكاليف.. إذا أضفنا هذا الأمر إلى جانب أمر اهتمام الرئيس شخصيا بتجربة تلك المدارس باعتبارها أملًا يلوح فى الأفق، أدركنا أن هذا التخبّط منذِر بكوارث قادمة فى بلد يحتل المرتبة رقم 134 من إجمالى 139 دولة فى مؤشر جودة التعليم الابتدائى على مستوى العالم، وفقًا لتقارير التعليم التنافسية الدولية فى عام 2016- 2017!
كان موقع وزارة التربية والتعليم قد فتح باب التقدُّم للالتحاق بالمدارس اليابانية لعدّة ساعات، معلنًا أن المصاريف السنوية تبلغ 10000 جنيه، شاملة مصروفات الأنشطة، وأن الدراسة بها ستكون باللغة العربية، وأنها ستطبق أنشطة «التوكاتسو» اليابانية، ويبدو بجلاء أن مبلغ الـ10000 جنيه، قيمة المصروفات المحددة، هو ما يثير أزمة حقيقية للوزارة، ولعل الإعلان عنه على رابط التقدم للالتحاق هو ما عجَّل برفع وغلق هذا الرابط، لا سرقته أو قرصنته كما ادّعى مسؤولون فى الوزارة، ففى السابق كانت نية الحكومة أن تكون مصاريف تلك المدارس 30000 جنيه، حسب إعلانات الوزارة، وهو ما رفضه الجانب اليابانى جملةً وتفصيلًا؛ لأنه مخالف للمبادئ الأساسية التى من أجلها تم الاتفاق على إنشاء تلك المدارس الموجهة لخدمة الفقراء لا الطبقات الغنية، وكانت هذه القضية هى محور الاختلاف بين مصر واليابان، ولعلها كانت سببًا رئيسيا لتأجيل افتتاح تلك المدارس منذ عامين، فاليابان ترى أن المصاريف لا ينبغى أن تزيد على 2000 أو 4000 جنيه على الأكثر، بينما ترى مصر أن تلك المدارس التى تحمل اسم اليابان ينبغى أن لا تقل مصاريفها عن 20000 أو 30000 جنيه «الدولار الأمريكى يعادل نحو 17.85 جنيه مصرى»، كما أن ثمة أمرًا آخر يتعلق بالتنفيذ وجودة الإنشاءات والبنية الأساسية لتلك المدارس، ما أدى إلى تعطيل العمل بها حتى مراجعة شروط التنفيذ والإنشاء، فقد أعلنت وزارة التعليم فى البداية عن إنشاء 400 مدرسة يابانية، ثم انخفض العدد ليصل إلى 250، ثم 100، والآن نصل بالعدد إلى نحو 10% من العدد المعلَن، وهو عبث وفشل وتخبُّط بكل المقاييس، على الرغم من الصخب الإعلامى الذى صاحَب الإعلان عن تجربة تلك المدارس فى مصر طوال العامين الماضيين، وهى بالمناسبة تجربة ليست طريفة أو مستحدثة؛ ذلك أن نظام التعليم فى مصر، فى ستينيات القرن الماضى، كان يعتمد على دعم الأنشطة المدرسية المرتبطة بالمجتمع، ودعم القدرات العقلية والمهارية والرياضية والفنية للطلاب!
كانت خطة إدخال المدارس اليابانية فى التعليم المصرى قد بدأت بترشيح 100 مدرسة قائمة بالفعل، بالإضافة إلى بناء 100 مدرسة أخرى خلال عامين، بمعدل 45 مدرسة كمرحلة أولى كان من المفترض دخولها الخدمة فى العام الدراسى الماضى 2017- 2018، و55 مدرسة تدخل الخدمة العام المقبل 2018- 2019، لكن تم تطبيق التجربة بـ12 مدرسة فقط. وسبق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة المكلفة بأعمال الإنشاءات، الإعلان عن قدرتها على تسليم 28 مدرسة فقط، وليس 45، كما حددت وزارة التربية والتعليم معيارَى السن والمربع السكنى كشرطين لقبول الطلاب بالمدارس المصرية اليابانية، لكن كل هذا قد انهدم ولم يرَ النور، ويبدو أن قرار إلغاء المدارس التجريبية كان بالأساس لصالح إفساح الطريق أمام أولياء الأمور لإلحاق أبنائهم بالمدارس اليابانية وبالأسعار التى تحدّدها الحكومة وحدها، فتم تأجيل افتتاح تلك المدارس بذريعة «الارتفاع بسقف الجودة»، كما صرّح الوزير طارق شوقى، لكن التخبط البائس والفشل الذريع، اللذين حدثا الخميس والجمعة الفائتين، أكدا أن الوزارة تهدف بالأساس إلى التربُّح من تلك التجربة، وكل ما حدث من الإعلان عن رابط التقدم ثم غلقه إنما هو بسبب الاختلاف حول قيمة المصروفات، والتى سيحددها -على الأرجح- الرئيس السيسى وليس الوزير طارق شوقى!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات