.

«Isle of Dogs».. عندما غابت الديمقراطية عن البشر وأتقنها الكلاب

Foto

كيف أظهر الفيلم فروقًا جذرية بين عالم الحيوانات المثالى والبشر الموسوم بالكذب؟ ولما يعد فيلمًا صالحًا لكل الأعمار؟


عندما يصنع ويس أندرسون فيلم تحريك فلن يختار سوى الطريقة الأصعب، وعندما تكون الكلاب هى الأبطال فلا تتوقع فيلما مبهجا يصلح لنزهة عائلية مع أطفالك، ففيلم «Isle of Dogs» يحمل الكثير من الطبقات، ولا يمكن أخذه بسهولة أبدًا.

بداية اختار ويس أندرسون استخدام أسلوب  Stop Motion للمرة الثانية بعد فيلم التحريك الأول له Fantastic Mr. Fox، والذى يعتمد على وقف الكادر ثم القيام بالتحريك والتصوير مرة أخرى، أى أن تصوير مشهد مثل رفع يد الكلب يحتاج إلى عشرات من اللقطات التى يتم تغيير فيها وضع اليد بصورة بسيطة كل مرة، ومع المشاهدة بالسرعة العادية ستظهر الحركة.
فى جزيرة الكلاب الديمقراطية التى غابت عن المدينة
تدور الأحداث فى المستقبل غير البعيد، حيث نشاهد الديستوبيا فى مدينة هناك كراهية بين حاكمها والكلاب منذ قرون عديدة، حيث بدأ الفيلم بفلاش باك رأينا فيه الكلاب قبل أن يتم ترويضها والحرب الضروس التى شنتها قبلية الكوباياشى عليها.
فى العصر الحديث يشن سليل القبلية العمدة كوباياشى الحرب، ولكن هذه المرة بأسلوب جديد، فبعد إصابة الكلاب بمرض إنفلونزا الكلاب، يجبر سكانه على إبعاد حيوانهم الأليف الوفى لجزيرة القمامة، ويبدأ بكلب عائلته سبوت، ومن هنا تبدأ الأحداث الحقيقية، فربيبه الذى عاش فى كنفه الفتى أتارى يرفض هذا الإبعاد ويسرق طائرة ليهبط على الجزيرة ويتّحد مع كلابها حتى يجد صديقه الأثير.
وهنا نجد التناقض بين عالمَى البشر والحيوانات، ففى المدينة انتهك العمدة الديمقراطية مرات عديدة، بداية بفرضه على السكان التخلص من كلابهم لسبب مفبرك، ثم منع غريمه السياسى والعالم الذى يبحث عن مصل للكلاب بالتصريح عن دوائه، ثم اغتياله بصورة فجة وإعلان انتحاره على الرغم من أن الجميع يعلم الحقيقة وبعدها تزوير الانتخابات، ولكنّ خليطا من الخوف وعدم اللا مبالاة قاد أهل المدينة إلى التغاضى عن كل ما سبق.
بينما على الجانب الآخر نجد فى جزيرة القمامة التى تعيش بها الكلاب المريضة أقسى ظروف معيشية لا تسود سوى الديمقراطية، فكل قرار كبير كان أم صغيرا يتم التصويت عليه فى تناقض كبير مع سلوك البشر.
نقطة التلاقى بين كل من عالمى البشر والحيوانات كانت فى المراهقين، سواء فى شخصية أتارى الذى تمرد على قواعد العمدة وسرق الطائرة ليحرر كلبه، أو طلبة المدرسة الثانوية بقيادة الفتاة الأمريكية القادمة فى بعثة تبادل ثقافى، هذا الجيل الأصغر امتلك الشجاعة فى التصريح عن المسكوت عنه، وكذلك محاولة تغييره بيديهم.

ما بين السينما اليابانية ونوستاليجا الرسوم المتحركة
حفُل الفيلم بالإشارات إلى السينما اليابانية القديمة، سواء تقاليد أفلام الساموراى والبرولوج أو المقدمة التى تم سرد بدايات القصة عبرها منذ قرون طويلة، وعدم ترجمة أغلب الحديث باللغة اليابانية، ليظل مبهمًا لكنه مفهوم من السياق، وحتى شكل شخصية العمدة كوباياشى الذى يشبه كثيرًا الممثل اليابانى توشيرو ميفيونى بطل فيلم الساموراى السبعة وراشمون، بالإضافة بالطبع إلى الموسيقى التى جمعت بين الموسيقى اليابانية الأصيلة مع الغربية، فظهر العمل معبأ بروح المخرجين اليابانيين العظام أمثال أوزو وكيروسوا ومبدع استوديو جيبلى للأنمى هياو ميازاكى.
وكذلك ظهرت نوستاليجا أندرسون للرسوم المتحركة القديمة فى المعارك سواء بين الكلاب وبعضها أو بين الكلاب والبشر التى ظهرت على شكل سحابة من الدخان يظهر منها أقدام وأيدى المتعاركين وتتطاير الأشياء، بالإضافة إلى شكل الكلاب الرث نفسه الذى يبدو أصيلًا كما لو أنه خرج للتو من فيلم كارتون قديم مرسوم باليد، والسحب التى تشبه كومة من الصوف.
فيلم عنوانه الإتقان
فى تحفة ويس أندرسون السابقة «فندق بودابست الكبير» شعرنا بالفعل كما لو أنه عمل مرسوم باليد، من حيث تصميم الديكور، والألوان الزاهية، وحركة الشخصيات وحتى أشكال الممثلين، التى دلت على مخيلة أندرسون العبقرية، فما بالك فى فيلم هو أصلًا تحريك، حيث المخرج هو المتحكم مع فريقه فى كل التفاصيل، حيث السيمترية واضحة فى كل الكادرات، والألوان الزاهية التى قد لا تبدو واضحة مثل المثال السابق لكنها موجودة بشدة، وحتى الأزياء التى تم اختيارها لأبطاله من البشر وأشكالهم.
النقطة الثانية التى توضح هذا الإتقان هى طاقم الممثلين الذين اشتركوا فى الفيلم بأصواتهم، الذى بدا ملائمًا للغاية للشخصيات، ومن السهل تخيل تعبيرات وجه برايان كرانستون على وجه الكلب شيف، وتكرر هذا أيضًا مع جريتا جيروج فى شخصية الطالبة الأمريكية تراسى والكر، وضم الطاقم الذهبى بحق: يل موارى وجيف جولدبلوم وإدوارد نورتون وسكارليت جوهانسون، وغيرهم.


السيناريو مع القليل من الحوار هو الأفضل
كتب أندرسون سيناريو الفيلم مع رومان كوبولا وجيسن شوارتزمن وكونيشى نومورا، ولو تتبعنا الحوار فى الفيلم نجده متميزًا بعدة أمور، منها الصراحة الشديدة فى الأجزاء الخاصة بحديث الحيوانات، فحتى عندما تسرى شائعة لا يتم تجميلها أو قولها بصورة مواربة، بل تقدم فجة صارخة، بينما على العكس نجد البشر يظهرون على الأغلب عكس ما يبطنون، فالعمدة وعصبته يرغبون فى التخلص من الكلاب، لأنهم يكرهونهم ليس بسبب الأمراض التى أصابتهم، وعلى الرغم من أن الجميع يعلم ذلك بمن فيهم سكان المدينة فإن هذه الحقيقة لا تقال بصراحة، فى إشارة واضحة للفروق الجذرية بين عالم الحيوانات المثالى والبشر الموسوم بالكذب.
النقطة الثانية هى قلة الحوار فى الأساس، فهناك مشاهد نجد الحوار بها غائبًا ما عدا عبارات محدودة، خصوصًا تلك التى جمعت بين أتارى والكلب شيف، حيث تم الاعتماد على النظرات لتأسيس هذه العلاقة التى بدأت بالكراهية من قبل الكلب -الذى يكره سيادة البشر- والمراهق.
بالإضافة إلى الأسلوب الإخبارى المباشر الذى تتحدث به كل الشخصيات الذى جعل من عبارات عادية تبدو خفيفة الظل للغاية عند ترافقها مع تعبيرات الوجه الجامدة للحيوانات التى تلقيها، ومثّل هذا تحديًا إضافيًّا عند كتابة الأجزاء التى مفترض منها التعبير عن مشاعر الحب.
فى النهاية «جزيرة الكلاب» واحد من أفضل ما قدشمته إلينا 2018 واستحق الجائزة الفضية التى حصل عليها فى مهرجان برلين الذى شهد عرضه الأول، فهو فيلم متعدد الطبقات يحمل كلا من حب السينما والقضية الأخلاقية والسياسية، بالإضافة إلى التسلية التى تجعله صالحًا لكل الأعمار.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات