.

قلب أُمّه.. ونجاح معادلة الضحك للضحك

Foto

كيف استطاع هشام وشيكو أن يقدما كوميديا متوازنة فى جميع أفلامهما؟


بات من المُتعارف عليه أن موسم عيد الفطر هو أحد المواسم السينمائية المهمة لعرض الأفلام، والذى يتسابق الفنانون والمنتجون، على حدٍ سواء، لعرض أفلامهم به، حيث إنه يعتبر من المواسم السينمائية المضمونة على الصعيد التجارى الخاص بجمع الإيرادات، وغالبًا ما يُعرض من خلاله الأفلام الكوميدية ذات الطابع الخفيف والتى تتناسب مع الموسم الذى يلى شهر رمضان وتخمته التليفزيونية، والذى يتزامن أيضًا مع انتهاء السنة الدراسية للطلاب الذين يعتبرون بمثابة الشريحة الأساسية التى يُعتمد عليها لتحقيق النجاح والإيرادات، إلا أن فيلم «قلب أُمّه» الذى يمكن أن نعتبره أفضل الأفلام التى تم عرضها فى موسم عيد الفطر، لا ينتمى إلى نوعية تلك الأفلام الخفيفة أو التافهة التى تستهدف بالأساس شباك التذاكر وفقط، ولكنه فيلم كوميدى جيد تم عرضه خلال هذا الموسم، حيث إن الفيلم به الكثير من نقاط القوة والتميز التى تجعله ينضم إلى مجموعة الأفلام الكوميدية الكلاسيكية التى ما زلنا نراها ونضحك عليها رغم مرور عشرات السنوات، مثل أفلام إسماعيل ياسين وأفلام المخرج فطين عبد الوهاب.

فيلم «قلب أمه» من تأليف أحمد محيى ومحمد محمدى، وإخراج عمرو صلاح، ومن بطولة شيكو وهشام ماجد ونور قدرى ومحمود الليثى، وتدور أحداثه حول علاقة غرائبية تنشأ بين «مجدى تختوخ» زعيم عصابة إجرامية، و«يونس» الشاب البسيط والمنطوى بعد أن يتعرض «تختوخ» إلى إصابة فى القلب فى أثناء تصفية حساب بينه وبين مجرم آخر، فيقوم الطبيب بنقل قلب أم «يونس» التى تعرضت لأزمة قلبية نتيجة تمرد يونس عليها خلال ظهوره فى برنامج تليفزيونى، ليعيش زعيم العصابة مجدى تختوخ بقلب أم يونس!
مفارقة فانتازية اعتاد الثنائى شيكو وماجد على تقديمها حتى من قبل انفصالهما عن أحمد فهمى الذى كون معهما ثلاثيًّا كوميديًّا ناجحًا فى أفلام مثل «سمير وشهير وبهير» و«بنات العم»، وتعتبر المعالجة التى قدمها صناع الفيلم لهذه المفارقة الفانتازية هى أحد عوامل تميز الفيلم، حيث اهتم الكُتاب بالبناء الدرامى للفيلم بالأساس، مثله مثل أى فيلم ينتمى إلى نوعية أخرى غير نوعية الأفلام الكوميدية والتى غالبًا ما يتم التعامل معها فى مصر بكثير من الاستسهال، فتجد الفيلم له «بداية» ونقطة انطلاق، وهى عملية نقل القلب، ثم «وسط» والذى يتم فيه توطيد العلاقة الغريبة التى نشأت بين زعيم العصابة ويونس، ثم «النهاية» والتى تُطلعنا على مصير هذه العلاقة، فمنذ البداية يمكن أن تستشعر أن كُتاب الفيلم لديهم وعى حقيقى بأن طبيعة كتابة فيلم كوميدى حقيقى هى أمر بالغ الصعوبة ويستلزم جدية شديدة وليس مجرد ترتيب مجموعة من النكات والمواقف الساذجة التى لا يتذكرها المشاهد عقب مغادرته قاعة العرض، هذا بالإضافة إلى اهتمام واضح برسم وتنفيذ الشخصيات وعدم الوقوع بهذه الشخصيات فى فخ النمطية والتكرار، فلكل شخصية أبعادها الواضحة التى تبرر تصرفاتها وردود أفعالها، ولذلك ورغم غرابة المواقف التى تجمع بين تختوخ ويونس نتيجة الموقف الغريب الذى جمعهما فى البداية، فإننا لا نجدها غريبة حيث يتم التمهيد لكل موقف بمبرر درامى مناسب لطبيعة حبكة الفيلم بشكل عام يتسبب فى حدوثه مثل الموقف الذى يمارس فيه زعيم العصابة أمومته مع يونس كأن يصطحبه كى يبتاع له ملابسه أو وهو يمارس سلطاته كحماة مع «عاليا» الفتاة التى يحبها يونس ويرغب فى الزواج بها، فعلى الرغم من غرابة أن تجد زعيم عصابة يهتم بإخراج اللحوم من الثلاجة قبل طهوها بوقتٍ كافٍ ومن تفحصه للفتاة التى يريد يونس الارتباط بها، فإن هذه الغرابة لا تفصل المشاهد عن الموقف الكوميدى، حيث جعل صناع الفيلم هذه الغرابة شيئًا قابلًا للتصديق والتماهى معه، حيث جاءت كل هذه المواقف والطرائف من قلب الفكرة الأساسية، فلا شىء دخيل أو مُقحم، بل إن الموقف هو مصدر الكوميديا حتى على صعيد خطط الحكاية الثانوية مثل خط علاقة تختوخ بغريمه الذى يقوم بدوره محمد ثروت أو الخط الخاص بضابط الشرطة الذى يقوم بدوره محمود الليثى، والذى يريد القبض على تختوخ وتقديمه إلى المحاكمة، فهى كلها خطوط تخلق حالة من الصراع الخاص بتوضيح شخصية تختوخ قبل عملية زرع القلب وبعدها، كما أنها توضح مراحل تطور علاقة يونس بتختوخ، ففى البداية كان يونس يرفض هذه العلاقة ووجود تختوخ معه فى المنزل وتحكمه فيه ثم يرتبط به عاطفيًّا بشكل لا يفهمه، ثم يفهمه بعد أن يوضح له الضابط أن مبررات تختوخ فى كل ما يفعله هى عملية نقل قلب أمه إلى تختوخ، فيحزن ويقرر التعاون مع الضابط للثأر لأمه، ثم فى النهاية يقوم بالاشتراك مع تختوخ فى حيلة يقنع بها ضابط الشرطة أنه قد مات، فى حين أنه يظل حول يونس يحميه ويعتنى به.
من بين العناصر المتميزة فى فيلم «قلب أمه» عنصر التمثيل، وذلك ليس فقط على صعيد البطلَين الرئيسيين هشام ماجد وشيكو اللذين يتطور أداؤهما ويتلون مع كل تجربة جديدة لهما، ولكن أيضًا على صعيد الشخصيات الثانوية، وفى مقدمتها محمود الليثى الذى يعتبر من أهم ممثلى الكوميديا فى الوقت الحالى، حيث إنه لا يتعامل مع الكوميديا من منطلق الرغبة فى الإضحاك، لكن من منطلق فهم لطبيعة الشخصية التى يؤديها، وبالتالى طريقة أدائها، ونور قدرى التى وضح من خلال «قلب أمه» أنها تتعامل مع الأداء الكوميدى من المنطلق نفسه.
على عكس المتداول أن إخراج الفيلم الكوميدى هو أمر سهل نظرًا لخفة هذه الأعمال وفى أحيان كثيرة تفاهتها، إلا أنه فى واقع الأمر إخراج عمل كوميدى جيد هو أمر بالغ الصعوبة، وقد وفّق عمرو صلاح فى أولى تجاربه الإخراجية فى صناعة فيلم كوميدى منضبط تتضافر فيه عناصر المونتاج واستخدام المؤثرات وتوظيف الموسيقى التصويرية فى خلق الحالة الكوميدية وليس فقط المواقف الكوميدية والحوار، بل إنه نجح فى ضبط إيقاع تفاعل هذه العناصر مع طريقة أداء الممثلين وتوقيتات إلقائهم الجمل المضحكة، وهى كلها عناصر مهمة يجب وضعها فى الاعتبار فى أثناء التعامل مع نص كوميدى.
بقيت الإشارة إلى أنه يبدو من اختيارات شيكو وماجد أنهما لديهما مشروع كوميدى حقيقى ومختلف قائم على تقديم أفلام كوميدية ممتعة ومضحكة ومسلية، ولكنها ليست تافهة، سواء تحقق هذا فى أعمال قاما هما بتأليفها أو كانت من تأليف كُتاب آخرين، مشروع كوميدى ربما أشبه بمشروع المخرج فطين عبد الوهاب، أحد أهم مخرجى الأفلام الكوميدية فى السينما المصرية، والذى كان ينتهج النهج نفسه فى التعامل مع الكوميديا، فلو نظرنا إلى أفلام من نوعية فيلم «إشاعة حب» أو «نص ساعة جواز» أو «عفريت مراتى» أو «مراتى مدير عام» نجدها أفلامًا ممتعة ومضحكة ومسلية، بل إنها حققت فكرة التواصل مع الأجيال أيضًا، بالإضافة إلى -وهو الأهم- المعنى الداخلى الذى يحمله كل فيلم من هذه الأفلام، وهو ما يعطى لهذه الأفلام القيمة وما يضمن لها الاستمرارية، فمن أهم ما يميِّز «قلب أمه» هو وجود هذا المعنى الداخلى بشكل غير مباشر وربما غير مقصود فى ما يتعلق بقيمة الأم وعلاقتها بأبنائها حتى على صعيد مواقف الحياة اليومية المتكررة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات