.

كتاب المواصلات.. شىء من روحك هنا

Foto

كيف استطاع عمر طاهر أن يتَّبع «منهج التداعى المنظم للأفكار» ليغلِّف الكتاب بمعانٍ وأسئلة إنسانية وحياتية مُلهمة؟


يتَّبع عمر طاهر فى كتابه الجديد «كتاب المواصلات» منهجًا استثنائيًّا فى الكتابة هو أنه لا «مَسْكَة» لهذا الكتاب. يمكن أن تقرأه من أوله لآخره، وبالعكس، يمكن أن تبدأ من حكايات المنتصف وتنتقل إلى آخر حكاية ثم تعود لتقرأ البداية، وفى كل مرة تقرأ فيها الكتاب ستجد أن أثرًا ما يبقى فى روحك وآلاف الأفكار نبتت فى رأسك، كثير من هذه الأفكار به الكثير من الشطط الإنسانى والأسئلة الوجودية عن معانى الحياة وتفاصيلها، وبعضها تجد نفسك تفكر فيه ثم تبتسم وتغمض عينيك لثوانٍ ثم تفتحهما لتقرر أن تكمل حياتك وبها قبس من سعادة.

هذا كتاب يُقرأ كما تحب، ربما لأنه بالأساس مكتوب بحب.
عنوان الكتاب أيضًا خادع.
تظن أنك ستقرأ قصصًا مسلية عابرة ينتهى أثرها فور نزولك من الأوتوبيس أو المترو، لكنك ستفاجأ بأن «الموضوع» أكبر من ذلك بكثير، وأن حكاية خادعة يبدأها عمر طاهر بلحظة خواء أو ملل وحيدًا فى الشقة برفقة «الولاعة» أو «القداحة» كما يحتار هو فى تسميتها، سقطت منه أرضًا، ستأخذك فى غابة من الأسئلة الممتعة حول حزن فريد الأطرش وعذابه فى الحب، ومسألة هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر، حتى ولو كان يسمع مجرد عبارة روتينية عادية من نوعية «من فضلك ضع السماعة»، ولماذا يؤدى الزواج إلى العبودية رغم أنه يجب أن يؤدى إلى الاستقرار والفارق بين الاثنين كالفارق بين الأهلى والزمالك! يلجأ عمر هنا إلى تداعى الأفكار ولكنه تداعٍ يمكن وصفه بأنه تداعٍ «منظم» للأفكار، أى أنه فيه غرض ومنهجية، وليس مجرد استرسال فى المطلق. هذه مهارة تحتاج إلى قدر كبير من السيطرة على الأفكار «المتداعية» بالأساس ولجمها والتخلص من «زوائدها» بقلب جامد، وهو ما يتجلى هنا بوضوح بالفعل.
منهج التداعى «غير الحر» يغلف الكتاب عمومًا. معظم الحكايات تبدأ من مستصغر التفاصيل، مشهد فى «ماسبيرو زمان»، صديق صبغ شعره بالأسود، ولاعة تسقط أرضًا، ثم تتسع التفاصيل وتكبر رويدًا رويدًا حتى تكون ألف قصة وحكاية ومعنى وأثر.
كعادته، يكتب عمر طاهر عمّن يحب.
فى حكاية «بين قوسين» تجد نفسك أسيرًا لحكاية المحمدَين، محمد فوزى كروان الموسيقى العربية المعاصرة، ومحمد لطيف كروان التعليق الكروى العربى إلى الأبد. ينسج بذكاء ومحبة مزاوجة بين منهجيهما فى الحياة وفى الموسيقى والكرة، مختارًا بعناية تفاصيل تكشف جانبًا من شخصيتيهما المحبتين للمهنة والناس والحياة، كأن يورد إجابة محمد لطيف عن سؤال «لماذا يجامل الأمن فى تعليقه؟»، فيذكر أن كابتن لطيف طلب ساعة «ستوب ووتش»، وقال للصحفى الذى سأله هذا السؤال: «احسب»، ثم بدأ كابتن لطيف يعلق موجهًا التحية إلى الأمن على طريقته كما يفعل فى المباريات بالضبط، ثم أنهى كلامه وسأل الصحفى عن الوقت الذى استغرقه، فقال الصحفى «15 ثانية»، قال لطيف «مستكتر 15 ثانية تحية على ناس موجودة قبل الماتش بأربع ساعات وبعده بأربع كمان؟»، ثم إن عمر لا يترك جملة عادةً لصاحبها الكابتن محمد لطيف باتت أيقونة كروية مثل «الجون بييجى فى ثانية»، إلا وقد أعطاها المعنى الكبير الذى أراده، لقد كان الكابتن لطيف، فى تفسير عمر طاهر الذكى، يحارب بهذه الجملة المختصرة المحفزة أكبر أعداء الإنسانية وأشدهم خطورة.. اليأس.
سيرة المحبين متناثرة فى صفحات الكتاب، هناك حكاوى ممتعة وغير تقليدية عن بليغ حمدى ومحمد حمزة وفايزة وعمر فتحى وعماد عبد الحليم وسيد حجاب، بل إنه يحكى كواليس لقائه الأول مع الأديب البرازيلى العالمى الأشهر باولو كويلو، وكيف أنه ذهب إلى البرازيل فى آخر شهور التسعينيات بطموح لإجراء حوار مع نجم المنتخب البرازيلى الفذ روماريو، وحوار آخر من كويلو، أما روماريو فقد طلب خمسة آلاف دولار فى حوار لا يزيد على الدقائق العشر، بينما كويلو أخبر سكرتير السفارة المصرية الذى اتصل به أنه موجود كل يوم فى البيت من التاسعة صباحًا حتى غروب الشمس لمدة ثلاثة أسابيع قادمة، فقد كان يصف عمر طاهر مكتب كويلو قائلًا «كان باولو كويلو يجلس على مكتبه فى غرفته الواسعة جدًّا الخالية تمامًا من كل شىء فى ما عدا مكتب صغير إلى جوار نافذة كبيرة تطل على المحيط الأطلنطى، ومقعدين ومكتبة بعرض الحائط». لم يخرج عمر بحوار صحفى فحسب، بل أيضًا باتفاق على ترجمة رواية «بالقرب من نهر بيدرا.. جلست وبكيت». لكن الأمر استغرق 4 سنوات كاملة والكثير من العثرات والإرادة حتى ينجز عمر طاهر الترجمة، فلما فعل ونفدت الطبعة الأولى من الرواية، اشترت دار نشر لبنانية كل حقوق كويلو، فقرر بعدها أن لا يقرر تجربة الترجمة مجددًا!
فى «كتاب الميكروباص» يكشف عمر طاهر عن جانب من مشواره الصحفى، ليس على طريقة لقد فعلت، ولقد أنجزت، ولكن أيضًا يفعل ذلك بنظرة طائر لمَّاح، يستخلص العبرة والمعانى والدلالات، فإذا كان من الممكن فهم أن مقالًا لدكتور حسين مؤنس ولقاءً مع الشاعر والصحفى إبراهيم داود، كانا سببًا فى اتساع نظرته للصحافة والكتابة وفى الالتحاق بتجربة صحفية ملهمة، مثل «الدستور» حينما ظهرت فى منتصف التسعينيات، فكيف يمكن استيعاب الدور الذى لعبه سياسى عجيب مثل أحمد الصباحى، وقد كان رئيسًا لحزب غرائبى يدعى حزب الأمة فى زمن مبارك، وكان سببًا فى صعود سريع لعمر طاهر فى درجات السلم الصحفى؟ هنا تحديدًا يكمن سر الحكايات والأشخاص، وتظهر خبرة ومهارة الكاتب فى استخلاص المهم من العادى، وفى تفسير معنى عبارات خالدة من نوعية «يوضع سره فى أغرب خلقه».
ثم إنه وفى ما بدا أنه منهج أصيل فى كتابته، يحرص عمر طاهر على أن «يعيد الحق لأصحابه»، خصوصًا إذا كانوا من «أبناء الشعب العادى» ممن لا ظهر لهم فى الصحافة والإعلام، وهكذا يصبح ذهاب عمر فى زيارة نادرة لمدرجات النادى الأهلى تشجيعًا للفريق الأحمر فى مباراة إفريقية مصيرية سببًا فى معرفة صاحب دخلة «كل الناس بتقول يا رب» التى تحولت إلى دخلة تشجيعية هادرة فى الملاعب، وأغنية يتغناها كثيرون طلبًا للمدد والنصرة. إنه الشاعر حسين السوهاجى الذى يلخص عمر جمالَ وعنفوان وقوة دخلته بقوله «أكتب الأغانى أحيانًا، وفكَّرت أن أضع نفسى مكان الشاعر الغنائى حسن السوهاجى، جهة ما ربما الإذاعة المصرية تطلب أغنية دينية، من رابع المستحيلات أن أعثر بسهولة على دخول يلخص كل شىء بنفس قوة (كل الناس بيقولوا يارب)، حاول السوهاجى أن يلتقط معجزة يمدح بها الله فلم يجد معجزة أوضح وأقوى من كون كل الناس بلا استثناء تقول يا رب».
يمر الكتاب سريعًا على المغرب وإيران فى حكايتَين قصيرتَين بديعتَين، وهو أمر يوحى بإمكانية أن يقوم عمر طاهر بجمع رحلاته الصحفية والتأملية، وهى عديدة، فى العديد من دول العالم فى كتاب، حتمًا سيكون إضافة إلى عالم أدب الرحلات العربى.
رغم تنوُّع حكايات كتاب المواصلات، فإن المرأة تحتل مساحة كبيرة من صفحات الكتاب، تجدها تطل بين السطور بزخم، وعلى اختلاف الحالات التى تظهر فيها، بين زوجة متفهمة وأحيانًا «زنانة» أو حبيبة قلقة وأحيانًا أحد أسباب البقاء حيًّا، أو أم تربى أبناءها على أن «يمشوا دون أن تخط أقدامهم الأرض»، يبقى أن المرأة بالنسبة إلى عمر طاهر، جنبًا إلى جنب مع «الحب» وهو أحد مشتقات المرأة فى ما يبدو، هما معًا اللغز الكونى الأصعب الذى لا يكفيه ألف كتاب وكتاب حتى ولو كان «كتاب المواصلات» الذى يمكن بالفعل أن تقرأه فى المواصلات وتستكمل قراءته بنهم على سلالم البيت، لكنه حتمًا سيظل دائمًا فى مكان بارز وحميمى جدًّا فى مكتبتك وكأنه يحمل شيئًا منك وأنت تحمل شيئًا منه.

كتاب المواصلات.. The best of
يحلم الواحد فى الطفولة باللحظة التى سيكبر فيها ويحاول أن يتخيل شكله ويقع فى غرامه مبكرًا، ثم يكبر الواحد ويتأمل صوره صغيرًا، يتأملها وبداخله خجل مربك وكأنه يعاتب نفسه «لماذا كبرت؟»، وكأنه المسؤول عن جريمة أنه كبر.
من حكاية «يا غريب الدار»

إذا وقف الأب بطوله فى الصحراء فستجد فى هذه النقطة بيتًا، القرب يكفى ويبتلع العراء.
من حكاية «مرّوا أسفل شرفتى»

الأمومة غريزة، والأبوة مشروع.
يعرف الأب جيدًا أن الجميع يقيّمه هو شخصيًّا بنجاح هذا المشروع أو فشله، ولخاطر هذه الفكرة يمشى على حبل طول الوقت.
من حكاية «مرّوا أسفل شرفتى»

الزواج لا يحرر أحدًا يا خواجة، نحن هنا نؤمن أن الزواج مفتاح الاستقرار، الاستقرار عبودية، إذا ما لمسته تعيش أسيرًا له وتقدم كل ما تقدر عليه من تنازلات حتى لا تخسره، أفكر هل ستقرأ زوجتى أفكارى؟
من حكاية «القداحة»

الشعر الأبيض لم يمر عبر بوابة الزمن والعمر، ولكن عبر التجربة، شعرة بيضاء لفراق الحبايب الغاليين، وأخرى لـ«نصرة قوية» بعد انكسار، واحدة لأيام «قلة الحيلة» وأخرى للخجل أمام «الفتح»، ما بين الصدمات والاكتشافات، الصبر وجبر الخواطر، الندم والستر، رقدة المرض والرقدة مسترخيًا على رمل البحر، يقول الشعر الأبيض إنك قد مررت من هنا والأهم أنك كنت جادًّا فى مرورك.
من حكاية «شعر أبيض»

بحسبة بسيطة اكتشفت أن ثلث عمر الواحد مرّ فى انتظار أشياء كثيرة.
فى انتظار فوران كنكة القهوة فوق النار، فى انتظار أن يمتلئ السخان الكهربائى بقدر ما من الماء الدافئ يكفى للاستحمام، فى انتظار أن ينتهى العامل من ملء «تانك» البنزين، فى انتظار الميكروباص «يحمِّل»، فى انتظار الإشارة تفتح، فى انتظار دورك فى طابور تحصيل النقود أو دفعها، دورك فى الشهر العقارى أو فى شركة المحمول، دورك أمام باب الحمام فى محطة بنزين على طريق السفر، أو دورك كـ«نيكست» فى ملعب الخماسى.
من حكاية «انتظار»

تعلمت أن لا يصبح لى جذور فى أحداث أو أماكن أو مع أشخاص سأغادرهم أو سيغادروننى يومًا ما بطبيعة الحال والأحداث، بفضل أُمِّى أصبحت شخصًا لا يعانى اقتلاع الجذور عند الرحيل، بفضل أُمِّى نجوت من آلام الفراق.
من حكاية «نص عزف شتوى»

يكاد الواحد من فرط القرب لا يرى تفاصيل مَن يعيشون حوله، يحتاج إلى لحظة يقف فيها بعيدًا، خارج اللوحة، ساعتها سيراهم بشكل أوضح وسيعرف عنهم ما لم يكن يعتقد أنه يعرفه.
من حكاية «الدار البيضا»

أندهش من مفارقة أن المراهق الذى حطَّم أهلُه جيتاره حتى لا ينشغل عن دروسه «هو اللى طلع فنان كبير»، بينما مَن اهتم أهلُه بموهبته منذ الطفولة خرج فنانًا عاديًّا.
من حكاية «نفسى تسأل»

غريزة الست وفطرتها «فيها أم مافيهاش زوجة»، كثيرات فشلن كزوجات ولكن كأمهات فالفشل بخلاف كونه نسبيًّا فهو أيضًا استثناء نادر، فطبيعى أن تنجذب الواحدة لـ«نداء الطبيعة» أكثر من انجذابها لـ«نداء الواجب».
من حكاية «نفسى تسأل»

أندهش من المنسحقين الذين يعتقدون أنهم «بيدخلوا على فيسبوك كل شوية» بينما الحقيقة أن «فيسبوك» هو اللى بيدخل عليهم.
من حكاية «نفسى تسأل»

لو دققت ستجد فى المنفلتة ألسنتهم قارصى اللباليب معتلى النفسيات أشخاصًا لولاهم ما كان الواحد قد وصل إلى ما وصل إليه.
من حكاية «أصحاب الفضل»

سألت ابن شقيقتى مداعبًا «هو الضمير موجود فين فى جسم الإنسان؟»، كنت أعتقد نفسى بسؤالى هذا «صايع»، لكن ابن أختى فاجأنى بالإجابة «الأصيع» عندما قال «الضمير موجود فى الجسم كله».
من حكاية «ماتفوتنيش أنا وحدى»

يقولون إن القلق مرض العصر، لكنَّ هناك قصص نجاح سر نجاحها أن أبطالها يعيشون معظم الوقت فى قلق. يقولون الحياة طريق، أضيف أن الحياة طريق والناس حوادث. يقولون خلف كل رجل عظيم امراة، وأضيف أنه خلف كل رجل عظيم امرأة جعلته «يطلَّع همه فى الشغل».
من حكاية «مهما الأيام تعمل فينا»

لابد أن تمشى كثيرًا، دون هدف، دون أن تمتلك محطة ينتهى عندها المشى، ضع قدمَيك على الطريق وانطلق، مع كل خطوات تقطعها يُمحى تلقائيًّا حرف من صك عبوديتك، عندما تمشى تمشى إلى جوارك الأفكار العظيمة التى تحملها روحك.
من حكاية «مع صديقى فى سينما جالاكسى»

المستحيلات الثلاثة الغول والعنقاء وامرأة تدخل فى الموضوع مباشرة.
لا توجد غربة على كوكب الأرض، هناك مسافات.. مجرد مسافات.
أعتقد أنه أمر مخيف جدًّا موضوع إن «الدنيا ريشة ف هوا طايرة بغير جناحين» ده.
هل كان الفراعنة يقرؤون المستقبل عندما نحتوا وجه أبى الهول بحيث ينظر ناحيتنا ممتعضًا طول الوقت؟
لا يوجد داعٍ للقلق أو للتشاؤم، فالكوارث الحقيقية تأتى عادة بلا مقدمات.
يرتاح الواحد للأصدقاء الذين اختارهم له القدر أكثر من ارتياحه للأصدقاء الذين اختارهم الواحد بنفسه.
الأماكن بتوسع أول ما تبقى ذكريات.
أكبر تطبيق لمقولة «الحى أبقى من الميت» أن أسماء الأحياء أضعاف أضعاف أسماء الأموات فى صفحة وفيات «الأهرام».
معجزة أن أول ما تعلَّمه سيدنا آدم هو الأسماء، هذه النعمة الضخمة التى لولاها لظل العالم حتى يومنا هذا يقول على كل شىء فى الوجود «البتاع».
أصبح العالم قرية صغيرة لا ينقصها شىء سوى أخلاق القرية.
احترس، فكثرة التحذلق والفزلكة تؤدى إلى حدوث تسلخات فى المخ.
عشان تبقى بنى آدم مسلم لازم الأول تبقى بنى آدم.
يخترع الواحد منا شخصًا يحبه بالروح نفسها التى اخترعت بها الكهرباء، لا أحد يعشق الكهرباء لكننا لا نستطيع أن نستغنى عن كل ما يترتب عليها.
أسرع أنواع الكانسر انتشارًا فى جسم الإنسان كله هو كانسر سوء الظن.
أى شخص فينا عبارة عن 60% ماء و40% اختيارات خاطئة.
فى مصر ممنوع الاعتراض على الحكم أو الحاكم.. ووجه الشبه بين الاثنين فى مصر أن كليهما قد يحتاج إلى الشرطة لتأمين خروجه من الملعب.
من «محطات قصيرة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات