.

«حرب كرموز» التى انتصر فيها السبكى!

Foto

هل نجح الفيلم فى رسم أجواء مصر فى فترة الأربعينيات؟


إضافة جديدة وجيدة تُحسب للمنتج محمد السبكى اختياره زمنا تاريخيا غير مطروق فى السينما عموما ليكون مسرحا لأحداث فيلم الأكشن «حرب كرموز»، وهذا الزمن هو الأربعينيات دون تحديد سنة معينة.

يتغير ذوق جمهور السينما التجارية كل فترة، وبعد سنوات من سيطرة الكوميديا الخفيفة التى تعتمد على القفشات، يلمس المنتج محمد السبكى ميل قطاع كبير من الجمهور إلى الأكشن، وكما صنع من محمد رمضان بطلا شعبيا يأتى من العشوائيات، فهو يضع أقدامه بجرأة فى مساحة أخرى لخلق بطل شعبى سينمائى، وهى مساحة تتناسب مع أجواء سياسية ودعائية تدفع بصورة رجل الشرطة مكان البطل الشعبى المدنى فى الدراما، وهو بفيلمه الأخير يمتص غضب جهات رسمية وفئات من الرأى العام اتهمته كثيرا بالترويج للإباحية والاحتفاء بشخصية البلطجى، لا ننسى أن رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب منع عرض فيلمه «حلاوة روح» رغم حصوله على تصريح رقابى بالعرض، وعلى مستوى الإيرادات حقق فيلمه الأخير إيرادات كبيرة ولا يزال، ويمكن القول إن محمد السبكى انتصر فى «حرب كرموز» على الجميع، ولكن هل انتصرت السينما والدراما والجمهور؟ هذا موضوع تانى خالص.
مع تطور تنفيذ مشاهد الأكشن فى الدراما المصرية بدأت السينما تفتح الباب لنوعية مختلفة من النجوم الشباب الذين يتمتعون بلياقة بدنية تؤهلهم لأداء مشاهد الحركة، وكان أمير كرارة بنجاحه التليفزيونى فى مسلسل «كلبش» اختيارا ذكيا لبطولة فيلم يبدو مختلفا عن المسلسل فى سياقه العام، ولكنه يقدم نفس البضاعة الدرامية، وهى البطل الشعبى، صاحب المواصفات البطولية والأخلاقية المطلقة، وصاحب المواصفات الجسدية شِبه الخارقة، والشخصية التى تصاحبها الصدف الدرامية كأنها العناية الإلهية، فلا يمسه ضر مهما كانت قوة قوى الشر التى يصارعها.
فى الدراما التى تتناول فكرة مقاومة مجموعة قليلة ضعيفة قوى أكبر منها تكمن البطولة فى فعل المقاومة، ويصبح الانتصار المطلق والنهاية السعيدة أمرا استثنائيا يحتاج إلى حبكة ذكية ومعقدة وقابلة للتصديق على الشاشة، ويأتى الانتصار فى الواقع بعد موجات من عمليات المقاومة والمجهود السياسى والضغط بوسائل أخرى للوصول للنصر النهائى، ولكن الانتصار فى الواقع الدرامى لفيلم «حرب كرموز» صنيعة كثير من الصدف الهشة والمبالغات الدرامية، وكل شىء فى الفيلم يسير على طريقة المؤلف عاوز كده.
سيناريو الفيلم وحواره من كتابة مخرجه بيتر ميمى، وهو عن فكرة للمنتج محمد السبكى، والحدث الرئيسى فيها عن حصار قوات الجيش الإنجليزى لقسم شرطة كرموز بالإسكندرية بغرض تحرير ضابط إنجليزى قبض عليه ضابط الشرطة يوسف المصرى «أمير كرارة» بعد اغتصابه فتاة، وهو الحصار الذى يتحول إلى مواجهة غير متكافئة بين قوات الاحتلال المدججة بالسلاح الثقيل وقوة القسم المحدودة بسلاحها الخفيف.
الصراع الرئيسى فى الفيلم بين ضابط الشرطة الشجاع والضابط الإنجليزى المتعجرف، وهو صراع مباشر ونمطى بين شخصية تحمل كل صفات النبل والبطولة، وشخصية تحمل كل صفات الخسة والنذالة، وهذا النوع من الصراعات الكرتونية لا يصنع دراما قوية، وهذا لم يكن هدف الفيلم على أية حال، فأولوية العمل وهمه الأكبر هو تقديم مشاهد الحركة والانفجارات ومطاردات السيارات، وهناك مجهود بالفعل فى تنفيذها. رغم كفاية القوات الحاشدة التى تحاصر القسم أضاف الفيلم شخصية الضابط المجنون التى أداها نجم أفلام الأكشن الإنجليزى سكوت أدكنز، ودوره لم يتعدَّ عدة مشاهد فنون قتالية قدمها أمام أمير كرارة، ولم تكن أكثر من حشو الفيلم بمزيد من مشاهد الحركة.
هى حرب تحمل كثيرا من المبالغات فى تنفيذها، ولكنها تظل أهم عناصر نجاح الفيلم لجمهور حضر لمشاهدة هذا الأكشن الذى روجه تريلر الفيلم، وحينما يتوقف صخب الرصاص والمدافع يعلو صوت كليشيهات الدراما وسذاجة رسم الشخصيات والحوار الضعيف.
تضم شخصيات القسم بالإضافة لضابط القسم الشجاع، ومساعده «محمود حجازى»، والصول الطيب «إبراهيم فرح»، شخصيات المساجين، وأبرزهم اللص عصفورة «مصطفى خاطر»، وهو لص يتوب فجأة ويصبح مستعدا للموت فى سبيل الدفاع عن القسم، وتسنح له أكثر من فرصة للهروب، ولكنه يخرج ويعود للقسم الذى أصبح كل من داخله عُرضة للموت، وهناك العاهرة زوبة التى تبحث عن ضابط يوقع لها رخصة مزاولة المهنة «غادة عبد الرازق»، وهى أيضا تتوب فجأة وتمزق رخصتها وذلك بعد أن وقعها الضابط وطلب منها الانصراف من الباب الخلفى للقسم، ولا يكتفى الفيلم برسم الشخصيات بنمطية زاعقة، لكنه لا يبذل مجهودا كبيرا لنقلها من منطقة المجرمين لمنطقة الوطنيين الذين يضحون بأرواحهم من أجل عدم الإفراج عن الضابط الإنجليزى.
ويفاجئنا السيناريو بكليشيهات تعود لأجواء أفلام الأبيض والأسود القديمة، حينما ينهمر المطر بغزارة وترعد السماء ويضيؤها البرق كخلفية للأحداث الهامة، وفى المشهد الذى يقوم فيه الإنجليز بقطع المياه عن القسم يقوم كل المحاصرين داخل القسم بالدعاء معا «يا رب»، ومع تصاعد أصوات الدعاء ينهمر المطر فجأة، وتمد العاهرة التائبة يدها بزجاجة من شباك القسم لتملأها بماء المطر، ويبدو أن الجنود الإنجليز كانوا فى حالة صدمة من هذه المعجزة فلم تُطلق رصاصة واحدة على المرأة.
حاول الفيلم إعادة تقديم البطل الشعبى من خلال شخصية ضابط الشرطة، وأمير كرارة الذى حقق نجاحا كبيرا بشخصية الضابط الشجاع سليم الأنصارى فى مسلسل «كلبش» يعود هذه المرة إلى التاريخ، وبدلا من محاربة الإرهاب يحارب المحتل الإنجليزى، وهو اختيار جيد لأن هذه الفترة الزمنية تحمل كثيرا من التفاصيل التى يمكن البناء عليها دراميا حتى ولو جاءت التفاصيل خيالية.
أزمة الفيلم الأساسية ليست فى فكرته بل تكمن فى ضعف الخيال السينمائى، والاعتماد على كليشيهات سينمائية مبتذلة، ترى الشخصيات أبيض وأسود، وتسرف فى استعمال الصدف والمبالغات، وتنثر الكثير من بهارات مشاهد الحركة لتخفى ضعف مكوناتها ومنطقها وتفاصيلها.
شخصية يوسف المصرى يتم تقديمها بمواصفات البطل الخارق الذى لا يخاف أحدا، ويتجاهل الأوامر والقوانين إذا وجدها ظالمة، والحادثة التى تفجر كل شىء كليشيه يرمز للاعتداء على الوطن؛ اغتصاب فتاة عذراء بريئة، ومن الممكن تفهم الوازع الدرامى لغضب الضابط، واحتجازه للجندى الإنجليزى المتهم بالاغتصاب، رغم أن دور ضابط الشرطة فى كل الأحوال تسليم المتهم لسلطات النيابة والقضاء، ولهذا هناك ثغرة درامية كبيرة لم يحلها الفيلم بتحويل القضية إلى خناقة كبيرة أو حرب كما يبالغ عنوان الفيلم، بدلا من تهريب الفتاة المغتصبة، وترك المتهم لأهالى المنطقة ليتعاملوا معه خارج القسم، وهو حل أقل دموية من الحل الدرامى الذى سفك كثيرا من الدماء.
شخصية ضابط الجيش المتمرد التى قدمها محمود حميدة من أضعف شخصيات الفيلم، فهو كما نفهم من سياق الأحداث ضابط تمرد على الأوامر وكون مع مجموعة من الجنود فرقة مقاومة مسلحة تقتل جنود الإنجليز، وهو مسجون فى القسم الذى يقوده يوسف المصرى ولكنه الضابط الشجاع لم يتحرك لمساعدة هذا البطل كما تحرك للانتقام للفتاة المغتصبة، وحاول السيناريو إخفاء حقيقة الشخصية لأطول فترة ممكنة، فلم نرَ من محمود حميدة أى إشارة لحقيقة شخصيته، وظل معظم الوقت صامتا وغاضبا وحينما يتكلم يردد جملة «أمك صاحبتى»، وهو إفيه غريب قد يكون مضحكا لكنه غريب ويقلل من قيمة شخصية جادة وبطولية.
ويأتى مشهد أحمد السقا فى دور القاضى الذى يحاكم الضابط المصرى المتمرد على الأوامر لينسف بقايا أى منطق درامى للأحداث، ويضع فى نهاية الفيلم أسوأ أنواع الكليشيهات الدرامية، وهو قيام القاضى بالحكم حسب مقتضيات القانون بإعدام البطل، ثم يقوم بتهريبه واستبدال جثته بجثة أخرى، وهو يفعل هذا بصورة إذاعية للغاية، وليس من خلال مشاهد سينمائية نتابعها، نعم يقف السقا مع الضابط المتهم، ويُثمن ما فعله بكلام إنشائى، ويشرح له بالتفصيل كيف سيساعده على الهرب، وكيف سيخدع ضباط وعساكر وقادة الاحتلال الإنجليزى.
الأجواء الزمنية والمكانية بالكاد حاضرة، بلا خصوصية، ملابس الشخصيات والإكسسوار والديكورات تقدم حالة قديمة عامة دون تحرى الدقة، نرى هذا فى ملابس البوليس المصرى وملامح حى كرموز القديم على سبيل المثال، وفى ملابس المحامين والنساء فى حوارى وشوارع كرموز والعطارين والأنفوشى. شريط الصوت يستعين بلا حرج بموسيقى الفيلم الحربى الإنجليزى «دنكيرك».
وجود جماهير غفيرة محيطة بالقوات التى تحاصر القسم كان غريبا وغير منطقى، وكان يمكن تفريقه بعدة طلقات فى الهواء، والأغرب بقاؤهم رغم تبادل إطلاق النار بين قوات القسم وقوات الاحتلال البريطانى، ورغم استخدام القنابل ودانات الدبابات فى تلك المعركة التى تحولت حرفيا إلى مسخرة، ومن علامات تلك المسخرة أن تشاهد صفوف القوات تطلق الرصاص الكثيف ويقفز أمامها مدنيون وجنود يتشاجرون بالأيدى والعصى دون أن يصيبهم الرصاص، وبالطبع مشهد تحرير شخص لحظة إعدامه شنقا بطلقة من بندقية عن بُعد تقطع حبل المشنقة هو درة المساخر، ويليق بفيلم كوميدى بارودى يسخر من أكشن أفلام الأكشن التى يؤلفها ويخرجها بيتر ميمى، ولكن الرجل لم يترك شيئا لأى مخرج يرغب فى السخرية من كليشيهاته وأكشناته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات