.

صفقة القرن «غزة أولًا».. وطبيعة المواقف العربية الرسمية منها

Foto

لماذا يزور الملك الأردنى البيت الأبيض بعد زيارة مبعوثى ترامب الأسبوع الماضى؟ هل تؤجل الإدارة الأمريكية إعلان بنود صفقة القرن؟


بينما تبدو الجولة الأخيرة التى قام بها كل من جاريد كوشنر كبير مستشارى دونالد ترامب، ورفيقه جيسون جرينبلات مبعوث الرئيس الأمريكى للسلام فى الشرق الأوسط، بمثابة التمهيد لإعلان ملامح صفقة القرن رسميًّا، وهى الجولة التى شملت الأطراف الرئيسية فى ملف صفقة القرن التى تسعى من خلالها إدارة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية نهائيًّا وفتح الباب أمام علاقات طبيعية ومستقرة بين الدول العربية والكيان الصهيونى، بدءًا من الأردن ومرورًا بقطر ومصر والسعودية ووصولًا إلى لقاء مطول مع رئيس الوزراء الصهيونى بنيامين نتنياهو، فإن ما يتواتر من أنباء بعد هذه الجولة وحذر ردود الفعل الرسمية العربية التى لا يزال أغلبها متمسكًا فى الخطاب الرسمى المعلن على الأقل بما يتعلق بحل الدولتَين، قد يثير بعض التوقعات حول احتمالات تأجيل إعلان تفاصيل الصفقة الأمريكية، أو على الأقل الاكتفاء بإعلان خطوط عامة قد لا تثير زوابع جديدة ضد الإدارة الأمريكية وأى أنظمة عربية قد تؤيد تفاصيل الصفقة، والسعى للتقدم باتجاه خطوات وترتيبات أمنية واقتصادية قد تهيئ الوضع لاحقًا لتنفيذ تلك الصفقة.

جولة كوشنر وجرينبلات سبقها لقاؤهما الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك زيارة مفاجئة من رئيس الوزراء الصهيونى للأردن للقاء الملك عبد الله، الذى كان أول مستضيفى الوفد الأمريكى، ورغم طبيعة العلاقات الأردنية- الإسرائيلية خلال العقود السابقة، فإن إشارات الملك عبد الله خلال الفترة الماضية وآخرها فى أثناء الاحتجاجات الأردنية ضد الغلاء تشير إلى ضغوط عليه من أجل القبول ببنود صفقة القرن الأمريكية، وهو ما قد يشير إلى ضغوط أمريكية وإسرائيلية من ناحية وكذلك ضغوط أنظمة عربية من ناحية أخرى، وهو ما يعنى ضمنًا أن الأردن لا يزال لديه موقف معارض على الأقل لبعض بنود الصفقة التى لا تقدم حلًّا يمكن قبوله وتسويقه للقضية الفلسطينية، خصوصًا فى ظل الموقف الفلسطينى الرسمى والشعبى الذى قد يضع الكثير من الأنظمة العربية فى حرج شديد حال قبولها تلك الصفقة، وقد يكون هذا الرفض الأردنى المتخوف من ردود الفعل ومن تبعات إعلان تلك الصفقة على الأردن نفسها فى حال دعمها لها هو السبب الرئيسى وراء الزيارة العاجلة التى سيقوم بها الملك عبد الله للقاء ترامب فى البيت الأبيض يوم الإثنين، قبل ساعات من نشر هذا المقال، وهى الزيارة التى قد يسعى من خلالها الملك عبد الله لتعديل بعض بنود الصفقة التى لن تلقى قبولًا فلسطينيًّا أو دعمًا عربيًّا، أو على الأقل تأجيل إعلان بعض التفاصيل محل الخلاف.
الموقف المصرى الرسمى أيضًا يبدو قريبًا من الموقف الأردنى فى ظل البيان الذى صدر من الرئاسة المصرية وتمسك بالحديث عن المرجعيات الدولية المتفق عليها وحل الدولتين وَفقًا لحدود 1967 والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وفى الوقت ذاته أكد البيان المصرى الحرص على استمرار تعزيز وتنمية علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.. وبينما تبدو تلك المواقف المصرية والأردنية بمثابة عقبات أمام تصور الإدارة الأمريكية عن صفقة القرن بشكلها الحالى الذى جرت تسريبات عديدة حوله خلال الشهور الماضية، إلا أن الموقف السعودى يبدو أكثر ميلًا لدعم الصفقة، وهو ما يبدو على الأقل فى ضوء التقارب السعودى- الإسرائيلى غير المعلن رسميًّا خلال الفترة الماضية، وكذلك الأنباء المتكررة عن لقاءات سرية بين مسؤولين من الجانبَين، وصلت مؤخرًا إلى تقارير إسرائيلية بأن محمد بن سلمان الذى كان قد التقى كوشنر وجرينبلات خلال جولتهما، كان قد شارك فى لقاء الملك الأردنى مع نتنياهو مؤخرًا، وهو ما تم نفيه رسميًّا.
وبينما تتحدث تقارير عديدة عن الضغوط السعودية على السلطة الفلسطينية من أجل القبول بالصفقة، فإن التردد المصرى- الأردنى إزاء الصفقة بشكلها الحالى يمثل عائقًا إضافيًّا، ورغم أن إدارة ترامب اتخذت قراراتها السابقة دون اعتبار لما يعلن رسميًّا من الدول العربية من تحذيرات ورفض وانتقادات، خصوصا فى ما يتعلق بقرارات الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى ثم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فإن طرح صفقة القرن يحتاج إلى توافق عربى من تلك الأطراف الرئيسية على الأقل، لضمان ممارسة دور فى الترويج للصفقة ودعمها وكذلك الضغط على السلطة الفلسطينية من أجل القبول بها والدخول فى مفاوضات حولها، وهو ما يبدو معقدًا وغير متاح على الأقل فى ضوء المعطيات الراهنة، بما يطرح احتمالًا آخر وهو إمكانية طرح العناوين العامة لصفقة القرن خلال الصيف الجارى، بما لا يثير خلافات كبيرة ولا يضعف صورة الأنظمة العربية الحليفة للإدارة الأمريكية، وهو توجه قد تؤيده الحكومة الصهيونية نفسها فى ظل حرصها على استمرار علاقاتها الإيجابية مع الأنظمة العربية، ومع الدخول فى الوقت نفسه فى ترتيبات أمنية واقتصادية بالذات فى ما يتعلق بغزة، وهو ما يبدو واضحًا من عناوين زيارة كوشنر وجرينبلات الأخيرة التى ركزت فى مناقشاتها مع كل من الملك الأردنى والأمير القطرى والرئيس المصرى وولى العهد السعودى ورئيس الوزراء الإسرائيلى، والتى ركزت على ملفات المساعدات الإنسانية وتحسين الأوضاع الاقتصادية فى غزة، وكذلك فى ظل تقارير صحفية وإعلامية متعددة حول دعوة الولايات المتحدة كلًّا من السعودية والإمارات لضخ ما يزيد على مليار دولار لمشروعات استثمارية وتنموية لدعم قطاع غزة، وهو ما تثور حوله كثير من التساؤلات فى ظل الحديث عن مشاريع يمكن إقامتها على أراض مصرية وتوفر فرص عمل لأهالى غزة مع ترتيبات أمنية واقتصادية عديدة أخرى تضمن تحسين الأوضاع فى غزة، وبما قد يمثل من وجهة النظر الأمريكية فرصة لشعور الفلسطينيين بتحسن أوضاعهم بما يشجعهم على قبول بنود الصفقة لاحقًا وبعيدًا عن موقف السلطة الفلسطينية التى لا تزال لا تتمتع بالسيطرة فعليًّا على غزة، ورغم التخوفات الإسرائيلية من وضع غزة تحت حكم حركة حماس، فإن الدور المصرى فى تلك العملية يبدو رئيسيًّا ويمثل ضمانة من وجهة النظر الإسرائيلية، وبالتزامن مع مساعٍ مصرية لاستمرار قوة العلاقات مع «حماس» فى إطار ملف المصالحة الذى لا يبدو أنه سيكتمل فى أى مدى زمنى قصير.. ورغم تهافت الاعتقاد بأن مثل هذه الخطوات الاقتصادية والأمنية قد تغير من حقيقة الموقف الشعبى عربيًّا وفلسطينيًّا، فإنها قد تكون خطوة على طريق إزالة قلق وتردد بعض الأنظمة العربية وكذلك قد تشجع بعض الأطراف الفلسطينية المعارضة للسلطة الحالية على المضى قدمًا فى صفقة القرن الأمريكية.
ومن هنا وحتى أغسطس المقبل على الأرجح فإن المواقف المصرية والأردنية من ناحية، وموقف السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى فى استمرار رفض الضغوط عليها، فضلًا عن المواقف الشعبية الفلسطينية، ستكون عاملًا حاسمًا إلى حد كبير فى طبيعة ما قد تعلن عنه الإدارة الأمريكية، وإلى أى مدى قد تذهب صفقة القرن أو تتأجل أو تولد ميتة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات