.

المحافظون الجدد.. مش جدد ولا حاجة

Foto

لماذا لا يهتم الشعب بحركة المحافظين؟ هل يمكن أن تختار محافظين أكثر نشاطًا أو تفكيرًا من الوزراء؟


بينما ينشغل الشعب بارتفاع أسعار السلع وكيف يستكمل شهره ومن أين يحصل على مستلزماته بأقل الأسعار، ينشغل الإعلاميون بأخبار حركة المحافظين، ومَن جاء ومَن ذهب، وما السيرة الذاتية لكل محافظ جديد، وما الجهة التى رشحته، هل هو من القضاء أو من القوات المسلحة أم من رجال الداخلية، وكثير من الحكايات الملفقة عن حكمة ومهارة المرشح للمنصب، ومَن سيخرج وأسباب الخروج، وألف حكاية ملفقة عن أسباب الخروج.

يبدو أننا فى عصر إعلام الستينيات فعلًا، عندما كان الشعب فى وادٍ والإعلام فى وادٍ آخر، والحقيقة أن حكومتنا لا جديد فيها يُذكر، لا وزير ولا محافظ ولا أى مسؤول، الكل على قديمه، إنهم نفس الوجوه حتى لو تغيَّرت الأسماء والأشكال، المصريون يرونهم بنفس السحنة، لأنهم ينفذون نفس السياسات. والمصريون كانوا ينتظرون تغيُّرًا شاملًا يشمل الأسماء والوجوه والسياسات، لكن الرئيس لا يختار إلا موظفين كبارًا، فمات الأمل فى أى تغيير، فالشعب يتطلع إلى ثورة إدارية وفكرية، يتطلع إلى حكومة ومحافظين يحملون هموم المواطن، حكومة ومحافظين يرون أحلام المواطنين أوامر يسعون لتحقيقها، يعملون على إرضاء السيد الأول فى هذا الوطن وهو الشعب، لا مجرد موظفين ينتظرون تعليمات الرئيس.
إن منصب المحافظ ليس شرفيًّا، ولا يجب أن يكون مكافأة على نهاية خدمة لواء أو مستشار أو أستاذ جامعى، هذا المنصب مهم جدًّا، لهذا يجب أن يتحلَّى المرشح لهذا المنصب بعدة صفات وأن يكون لديه الكثير من المهارات، لابد أن يكون مقاتلًا وقادرًا على العمل وتحريك الأجهزة داخل محافظته، لكى يشعر كل مواطن أن المحافظ معه فى كل مكان.
ومن أجل أن يتحقق لنا محافظون جدد لابد أن نحسم أولًا مبدأ تعيين القيادات المحلية فى حد ذاته، فقد ترك الدستور الحالى (2014) فى المادة 179 أسلوب اختيار المحافظين ورؤساء الوحدات المحلية مفتوحًا، سواء أكان بالانتخاب أم التعيين، يحدد ذلك قانون يصدر متعلقًا بهذه المسألة، وبما أن هذا القانون لم يصدر بعد فنحن تحت سيف القانون رقم 43 لسنة 1979، ولا أحد يعلم لماذا يتجاهل البرلمان والحكومة إصدار قانون جديد للمحليات يحسم هذه الجزئية، لأن هذا الحسم سيوضح طبيعة دور المحافظ، هل يمثل شعب المحافظة لدى الدولة أم أنه يمثل الدولة فى مواجهة شعب المحافظة؟ طبعًا يمكن أن يجمع بين الأمرَين، فيكون حلقة الاتصال بين الطرفين، لكن إلى الآن لم نجد هذه الشخصية الفريدة التى تقوم بالدورَين معًا، من الواضح أن القيادة السياسية تفضل التعيين رغم أنه أسلوب ثبت ضعفه وفضله، نظرًا لغياب معايير الاختيار وغياب معايير التقييم وتحسين الأداء والاكتفاء بمهارة التنفيذ فقط، وهذه الطريقة لها آثارها السلبية التى نجنيها إلى الآن، لأن مَن سيتولى المنصب سيكون ولاؤه لمَن عيَّنه، وسيراعى مصالح الجهات التى رشَّحته، وسيظل يطلب ودَّها، وهذا فى الغالب على حساب شعب المحافظة.
ولعل الحكايات التى قيلت عن بعض المحافظين المهددين بالتغيير نظرًا للرأى العام الشعبى ضده فى محافظته، ولكنه كان متأكدًا من بقائه فى منصبه، لشعوره أنه مسنود فى دوائر الدولة العليا، لهذا كثير من أداء المحافظين باهت منسوخ مكرر رتيب، لا لأنهم غير نابهين بل لأنهم قرروا أن يكونوا منفذين طيعين. إن التغيير الذى ينتظره المواطن المصرى البسيط الذى يتعامل مع الأجهزة المحلية ليل نهار، هو أن يهتم به المسؤول وبطلباته وبالتفكير المتجدد وكل المشكلات قبل تفاقمها، نظرًا لأن صوته هو مَن أحضره إلى المنصب، لكن مع تولِّى الموظفين هذه المناصب تكلست مفاصل العمل ولم نجد مَن يفكر خارج الصندوق ولم نجد مَن يمتلك مهارة الإدارة أو مهارة توقع المخاطر والكوارث، ولعل أزمة المطر والسيول دليل على تأخر رد فعل المحافظين كلهم، ثانيًا علينا أن نطور المحليات فليس من المعقول أن تظل مصر دون محليات كل هذه الفترة! وليس من المعقول عدم إصدار قانون المحليات إلى الآن! لأنه دون التطوير لن تستطيع قوة على وجه الأرض أن تصوّب أداء المحليات ولا أداء المحافظين، وهناك تجارب بالدول المتقدمة أو بدول الجوار ودول نامية كذلك ممكن أن تستلهم منها مصر ما يناسبها فى الإدارة المحلية، المهم توفر الإرادة للتغيير.
إن النظام المحلى المطبق حاليًّا يعتبر مسخًا مشوهًا للا مركزية، وإن بقاءه يعد فشلًا ذريعًا لثورة 30 يونيو، فقد تفشَّى مرض شيوع المسؤولية وازدواجية السلطة، وهو مرض إدارى يقضى على أى أمل للإصلاح، ولو رجعنا بالذاكرة إلى الوراء قليلًا سنتذكر أننا فى عامَى 2006 و2007 حاولنا تطوير الإدارة المحلية، فاستعانت القيادة السياسية وقتها بأكبر المكاتب الاستشارية فى العالم ودفعت ملايين الجنيهات لتطوير الإدارة المحلية، ولكن لغياب إرادة التغيير بقى الوضع على ما هو عليه! إن تطوير الإدارة المحلية لم يعد رفاهية ولا يجب أن يترك لمزاج القيادة السياسية، بل يجب أن نبدأ به فورًا إذا كنا نسعى إلى تطبيق رؤية تنموية فى 2030، وهذا التغيير لن يتحقق إلا بتوفير مقومات أساسية، أولها إعادة تقسيم أقاليم الدولة (المحافظات) بما يحقق مبدأ التنمية المتوازنة مع التوسع فى إنشاء محافظات جديدة، وإنشاء محافظات جديدة أو تقليص مساحات بعض المحافظات أصبح علمًا يخضع لقواعد تنظيمية صارمة، ولدينا فرنسا مثال لذلك، فمساحتها تقدر بـ674843 كيلومترًا مربعًا وهى أقل من مساحة مصر التى تبلغ نحو 1.002.000 كيلومتر مربع، وعدد سكانها يقدر فى (2016) بستة وستين مليون مواطن، وهم أقل من تعداد مصر البالغ تقريبًا مئة مليون مواطن، وعلى الرغم من ذلك فإن عدد المحافظات فى فرنسا أكبر من مصر، وثانى هذه المقومات أيضًا هو انتخاب قيادات الإدارة المحلية، فلن يقوم بالتنمية فى مصر موظفون، وعندما يختفى المحافظ الموظف ورئيس المدينة الموظف ورئيس الحى الموظف ستنهض الإدارة المحلية بدورها التنموى، وانتخاب المحافظين لا يمكن أن يهدد سلامة ووحدة الوطن، ولا صحة لمزاعم المؤيدين بأن هذا دعوة للانفصال أو الحكم الذاتى، كل هذا تهريج، فمصر غير قابلة للانقسام أو الحكم الذاتى، أيضًا من مقومات الإصلاح الإدارى ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة المركزية ووحدات الإدارة المحلية بالمحافظات بما يحقق أهداف الخطة القومية للتنمية، يعنى مديرية الزراعة أو مديرية التربية والتعليم فى محافظة كفر الشيخ مثلًا هل تخدم العملية التعليمية المركزية أم احتياجات البيئة المحلية، سواء فى قواعد الالتحاق بالمدارس أو فى مواعيد العمل شتاءً وصيفًا أو فى الاختبارات أو فى العاملين فيها؟ وحتى الميزانيات يجب حسم هذه العلاقة لصالح اللا مركزية، خصوصًا أن المواطن المصرى من أول ما يفتح عينَيه إلى أن ينام يتعامل مع الإدارة المحلية، فإن تطويرها أصبح ملحًّا وضروريًّا حتى تتحسن جودة حياة المواطن المصرى.. غير هذا فلا تغيير سيهتم به المواطن ولا تعديل سيحدث فى حياة المصريين، والله أعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات