.

على هامش مهرجان مفروض أنه يحتفى بالسينما.. فلاشات ودلالات 

Foto

قال الاقتصادى المصرى العظيم طلعت حرب: «إننا نعمل بقوة اعتقادية، وهى أن السينما صرح عصرى للتعليم، لا غنى لمصر عن استخدامه فى إرشاد سواد الناس»


اقتصاد وإبداع.. تلك هى رؤية طلعت حرب لفن السينما.


فى تدشينه لاستوديو مصر، قال الاقتصادى المصرى العظيم طلعت حرب: «إننا نعمل بقوة اعتقادية، وهى أن السينما صرح عصرى للتعليم، لا غنى لمصر عن استخدامه فى إرشاد سواد الناس».. وفى يوم السادس عشر من نوفمبر ١٩٢٧، 

فى صالة سينما متروبول القاهرية عرض أول فيلم مصرى طويل، فيلم «ليلى» لعزيزة أمير، وشارك فى إخراجه ستيفان روستى ووداد عرفى، بحضور طلعت حرب،

 وما أن انتهى الفيلم وصافح طلعت حرب عزيزة أمير، حتى بادرها بقوله «إنك يا سيدتى حققتِ أمرًا يعجز عنه الرجال»، ويقال إنه كان يرمى إلى«البُعد الاقتصادى»، خلف ظهور الفيلم، كونها أنتجت الفيلم، علاوة على التمثيل، والمعروف أنها كانت زوجة لأحد العُمد الأقوياء: أحمد الشريعى، ولعل هذه الليلة كانت وراء خوضه غمار الإنتاج السينمائى وإرسال البعثات إلى فرنسا وألمانيا.


ربط طلعت حرب ما بين ازدهار الاقتصاد والثقافة،

بل إنه استوعب ما تعجز عنه عقول جاءت بعده بقرون، 

من أنه لا تجديد لشرايين الاقتصاد دون ثقافة رفيعة ومعرفة، بل إنه عمل على مفهوم أن الثقافة والفن أرفع أنواع الاستثمار، وبأنهما جناحا الوعى القادر على بناء الاقتصاد فى مصر.. وعلى ذلك كان التوازى فى إنشاء بنك مصر وشركة «مصر للتمثيل والسينما» لإنتاج أفلام مصرية للكبيرَين محمد عبد الوهاب وأم كلثوم.. من قبيل إعادة القول والإشارة إلى أن مصر كانت ثانى بلد فى العالم يعرف فن السينما.. الأخوان «لومبير» قدَّما أول عرض سينمائى تجارى فى العالم يوم ٢٨ ديسمبر ١٨٩٥، ليُقام أول عرض سينمائى فى الإسكندرية فى العام التالى مباشرة ٥ نوفمبر ١٨٩٦، ويتلوه عرض فى القاهرة ٢٨ نوفمبر.. بدأت مسيرة السينما فى مصر فى مستهل عشرينيات القرن الماضى، صامتة تسجيلية.


أسس الفنان محمد بيومى عام ١٩٢٣ أول استوديو سينمائى فى مصر باسم «آمون فيلم» ومنه بدأت جريدة «آمون» السينمائية فى الصدور، وخصص أول أعدادها عن عودة الزعيم سعد زغلول من منفاه فى جزيرة سيشل واستقباله بالقاهرة عام ١٩٢٣.. أول فيلم روائى مصرى قصير أخرجه الفنان محمد بيومى بعنوان «برسوم يبحث عن وظيفة» عام ١٩٢٣، وكان أقرب إلى الكوميديا الاجتماعية التى تعكس تماسًا وهموم الناس.


من الأمور اللافتة فى نشأة السينما المصرية، والتى تميزها عن باقى سينما العالم، كونها قامت على أكتاف «سينمائيات» مصريات، هن مَن أخذن على عاتقهن الوصول إلى فيلم مصرى مئة فى المئة، وفى رؤية د.أمل الجمل التى ولا شك تعرفنا بجذور السينما المصرية،

أن ذلك لا يمكن فصله عن تأثيرات ثورة ١٩١٩، التى ألقت بظلالها على المنظومة الاجتماعية فى مصر فى ذلك الوقت، وواكبها نهضة فكرية كان للمرأة فيها نصيب الأسد، المرأة التى شاركت فى ثورة ١٩ سافرة الوجه، برزت وجوه «شغوفات» بفن السينما،

مثل عزيزة أمير وبهيجة حافظ وفاطمة رشدى وأمينة محمد، اللائى  قدمن فى الثلاثينيات والأربعينيات ما لم يجرؤ رجال على إنتاجه، مثل أفلام: «ليلى» و«كفَّرى عن خطيئتك» و«الزواج» و«الضحايا».. 

حاولت السينما المصرية فى عقودها الأولى أن تكون على تماس مع تطور السينما العالمية، كما حاولت التعرض لمشكلات المجتمع ما بين ١٩٢٧ -ظهور أول فيلم مصرى- وبين ١٩٥٣، فكانت أفلام «زينب» و«لاشين» و«العامل» و«السوق السوداء» و«بابا أمين» و«رصاصة فى القلب».


مع الأربعينيات كانت جهود طلعت حرب قد بدأت تؤتى ثمارها، فظهرت أفلام تتناول الواقع المصرى بدرجة أعمق، مثل فيلم «العزيمة» ١٩٣٩، الذى تناول مشكلة البطالة للمخرج كمال سليم و«السوق السوداء» لصلاح أبو سيف، وكان عن البناء الداخلى للنظام الرأسمالى، وفيلم أحمد كامل مرسى «العامل» الذى يناضل فيه العمال لأجل حقوقهم ويتولون إدارة المصنع بأنفسهم، وفيلم كمال سليم «المظاهرة» عام ١٩٤١، عن الصراع بين العمال وأصحاب العمل، كما يشير الأستاذ سمير فريد فى مقال له عن السينما والسلطة والحرية. وما دمنا مع د.أمل الجمل، فلا يمكن إغفال العلاقة التبادلية بين نهضة الستينيات وبين الانعكاسات الإيجابية على فن السينما فى تلك الفترة التى تميزت بظهور قضايا اجتماعية حقيقية، أبرزت كثيرًا من المفاهيم، كالعلاقة بين السلطة والشعب، كما فى أفلام «الزوجة الثانية» و«أدهم الشرقاوى» و«الحرام» و«مراتى مدير عام» و«أرض النفاق».
العصر الذهبى للسينما المصرية كان بمساندة القطاع العام، ورغم كل الانتقادات ففى هذه الفترة ظهرت أفلام: «الأرض» و«العصفور» و«يوميات نائب فى الأرياف» و«المومياء» الذى يصفه الأستاذ الكبير إبراهيم العريس بأنه «عمل على تثوير اللغة السينمائية نفسها بتحريرها من الخطاب السردى».. و«القاهرة ٣٠».. اشتغلت أفلام الستينيات على موضوعات: الفقر وإعلاء قيمة العمل والإشادة بالأفكار الاشتراكية، مثل فيلم «اللص والكلاب»، وإدانة الانتهازية والرشوة والفساد، وتناولت الديمقراطية وجرائم السرقة،

ويرى الأستاذ إبراهيم العريس أن الستينيات مثَّلت مرحلة انتقال السينما المصرية من سينما «الواقع» إلى سينما «القضية» (فيلم العصفور) ليوسف شاهين،

الذى سوف يقود بعد ذلك تيار السينما الذاتية.

 فى دراسة شديدة القيمة للأستاذ إبراهيم العريس عن «سينما المخرج» فى العالم العربى، أنه على الرغم من نسبة ما يمكن وصفه بأنه سينما المخرج فى الإنتاج المصرى لا يتعدَّى ثمانية فى المئة على مدى القرن الذى يشكل عمرها، حتى إن كان الناس يذهبون إلى «نجوم»، وأن «النجم» عماد الفيلم، فإنه ليس صحيحًا أن الناس يذهبون فقط إلى النجم، فإنه منذ محمد كريمة وحتى يوسف شاهين ومحمد خانة وخيرى بشارة ويسرى نصر الله، مرورًا بأفلام الواقعية، فإن «المخرج» عرف كيف يكون «نجمًا فى السينما المصرية».. كيف يمثل «تيارًا» أو «مرحلة»، ويرى العريس أن إصرار حسن الإمام على كتابة عبارة «فيلم من إخراج حسن الإمام أو مخرج الروائع حسن الإمام» لم يكن من قبيل المصادفة.. 

حمل أول أفلام السينما المصرية الروائية توقيع عزيزة أمير ووداد عرفى، ودشن سينما «المخرج».. فصلاح أبو سيف.. حلمى رفلة.. عز الدين ذو الفقار.. محمد خان.. رأفت الميهى.. وغيرهم. المخرج «لغة وأسلوب»، أو أضعف الإيمان «نوع سينمائى».. حسن الإمام «الميلو دراما» كما الأخوَين لاما «المغامرات»، وحلمى رفلة «الكوميديا»، وأحمد ضياء الدين «الرومانسية».. فى البداية لم يكن المخرج «لغة» أو «أسلوب» بقدر ما كان يمثِّل نوعًا سينمائيًّا.. 

كانت هناك «وتيرة للنجوم» وكان المخرج يؤيد صورة معهودة للنجم، فلا تختلف فاتن حمامة فى أدائها سواء مثَّلت مع حسن الإمام أو بركات، لكنَّ مخرجًا من عينة صلاح أبو سيف كان قادرًا على إخراج فاتن حمامة مما يطلق عليه إبراهيم العريس «دروبها» إلى حافة التجريب.. صلاح أبو سيف جاء بترسانته الفكرية ليحقق الانطلاقة فى تاريخ الإخراج.


يقول العريس إن مخرجين من طراز محمد كريم وتوجو مزراحى وأحمد جلال وأحمد بدرخان وبركات والإمام وفطين عبد الوهاب، كان لهم حضور التقنى الحرفى، وإن أبو سيف وكمال الشيخ وعز الدين ذو الفقار حولوا المخرج من تقنى إلى فنان طوال الأربعينبات والخمسينيات،

كان هناك صراع بين دورَين للمخرج انتهى بانتصار المخرج كفنان مجدد ومبتكر، يسيطر على عمله تمامًا، وهناك من جمَع النوعَين (بركات والإمام وعاطف سالم)..

ومن رحم الفهم الجديد، بات تاريخ السينما تاريخ المخرج، وأتت الثمانينيات بتيارَين جديدين: تيار السينما النقدية الذى نهل من صلاح أبو سيف (محمد خان وعاطف الطيب وعلِى بدرخان ويسرى نصر الله وخيرى بشارة)، وتيار السينما الذاتية، ولولا الحضور الاستثنائى لشادى عبد السلام وتوفيق صالح، ما كان هذا المخاض. 

هذا المخاض الذى استولد تبدلاً أساسيًّا «حضور المخرج» الذى لا يمكن أن تخطئه فى أعمال مثل «أهل القمة» و«الكرنك» لعلِى بدرخان، و«قلب الليل» و«سواق الأوتوبيس» و«الحب فوق هضبة الهرم» لعاطف الطيب، و«يوم حار جدًّا» و«فارس المدينة» و«سوبر ماركت» لمحمد خان وكما أفلام داود عبد السيد والميهى وبشارة، احتاجت السينما المصرية عشرات السنين لتنتقل من ريف «زينب» إلى ريف «الطوق والأسورة» ومن «عنتر وعبلة» إلى صلاح أبو سيف إلى «السقا مات» لنفس المخرج.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات