عاصفة السيوف تهب على لعبة العروش

Foto

كيف يرسم جورج مارتن شخصياته الروائية بشكل مختلف عن المسلسلات؟


 

لم يشارك نجيب محفوظ فى كتابة سيناريوهات الأفلام المأخوذة عن رواياته، رغم أنه كتب نحو 19 سيناريو فيلم، من بينها سيناريو مقتبس عن رواية لكاتب روائى آخر هو إحسان عبد القدوس، والرواية كانت بعنوان «أنا حرة». هذا المبدأ الذى التزم به محفوظ، ولم يتنازل عنه أبدا يعود إلى إيمانه بانتهاء علاقته بروايته بعد نشرها فى كتاب، ولأن السينما وسيط فنى مختلف، بأدواته، ولغته، وعناصره الفنية، فهو كمبدع لا يجد نفسه قادرا على ترجمة عمل كتبه بنفسه إلى لغة أخرى.

 

لم يقاوم الكاتب جورج مارتن المشاركة فى كتابة بعض حلقات مسلسل «لعبة العروش»، المأخوذ عن سلسلة رواياته الملحمية «أغنية الجليد والنار»، فهو كاتب سيناريو عدد من الحلقات لسلاسل تليفزيونية شهيرة فى حقبة الثمانينيات، مثال «Beauty and the Beast» و«The Twilight Zone»، وقدم العديد من الأفكار والموضوعات الدرامية لشبكات التليفزيون الكبرى بغرض إنتاجها، منها سيناريو فيلم، وحلقة أولى من مسلسله الخاص، لكنه كان دائما يقابل بالرفض، بسبب ضخامة التكاليف الإنتاجية، وكثرة مشاهد الحروب الضخمة، وفى منتصف التسعينيات ضاق ذرعا بهوليوود، وبدأ يتفرغ للكتابة.

 

يستمر المترجم الموهوب هشام فهمى فى مهمته الشاقة والممتعة بترجمة واحدة من أهم سلاسل الروايات الملحمية المعاصرة، ورواية: A Storm of Swords «عاصفة السيوف» التى صدرت مؤخرا عن دار التنوير، واحدة من الروايات المترجمة الهامة المتوفرة حاليا بمعرض الكتاب، وهى الجزء الثالث من سلسلة A Song of Ice and Fire «أغنية النار والجليد»، وهى من أكبر أجزاء السلسلة، ويزيد عدد صفحاتها عن 1300 صفحة، تضم 82 فصلا، من وجهة نظر 12 شخصية، وتم تقسيم الرواية على كتابين يباعان معا فى حزمة واحدة، وتتضمن الرواية فصل الزفاف الدامى، الذى صرح جورج مارتن أنه أسوأ شىء كتبه على الإطلاق، لذلك أجل كتابته لنهاية العمل.

 

الرواية تستكمل الأحداث التالية لمقتل نيد ستارك، كبير آل ستارك، وجمع ابنه روب ستارك لجيش كبير، بغرض الانتقام لأبيه، ومواصلة دينيريس تارجاريان مسعاها لاستعادة عرش الممالك السبع الذى ورثته عن أبيها، وبوصول الأحداث إلى ذروة العنف، يبدأ مارتن فى الرواية بتصوير أثر الحرب على الشخصيات، وخصوصا الجنود والشخصيات الهامشية التى تكون وقود الحروب، وتتعرض الرواية أيضا إلى تأثير الحروب على الشخصيات الفاضلة، وتحدى اتخاذ قرارات مصيرية تخالف مبادئ وقناعات الشخصية، ولا شك أنه يلعب العنف وفظائع الحروب فى توجيه بوصلة الشخصية وتوجهاتها التى قد تؤدى بها إلى طرق لا أخلاقية.

 

ومن تابع المسلسل التليفزيونى سيجد أن الموسمين، الثالث والرابع، تأسسا على أحداث هذه الرواية، ولكن المسلسل لم يلتزم كثيرا بالتفاصيل والشخصيات، وسار بعد الموسم الأول على خط مواز للروايات، وأضاف أحداثا وشخصيات، وحذف أخرى، وهذا ربما كان الدافع الذى جعل جورج مارتن يبتعد عن كتابة مزيد من الحلقات، فالمسلسل بدأ يستقل إلى حد ما عن الروايات، لكن الدافع الأكبر خلف قرار مارتن كان التفرغ لإكمال كتابة الروايات المتبقية من السلسلة.

 

تدور أحداث سلسلة الروايات فى العديد من البلدان والدول التى تخيلها جورج مارتن، وتخيل أن هذه الدول تقع فى قارتين خياليتين، هما ويستروس وإيسوس، وقد بدأ خيال جورج مارتن الذى ولد عام 1948 فى تصور عوالم البلاد الأخرى البعيدة من خلال غرفة نومه الصغيرة فى نيو أرك، حيث كان يشاهد وصول السفن المختلفة للمرفأ، وترفع كل سفينة علم دولتها، وكطفل كان نشاط يومه لا يخرج عن الذهاب والعودة من المدرسة، وبدأ شغفه بالقراءة عن الدول الأخرى البعيدة، وكانت الكتب وسيلته للقيام برحلات إليها فى خياله، وكانت قراءة كتب التاريخ أيضا من أكثر اهتماماته، فالتاريخ رحلات من نوع آخر لمدن ودول لم تعد موجودة، أو لم تعد بنفس صورتها وشخصيتها القديمة، وقراءة التاريخ محببة لمن يمتلكون خيالا، فهذا الخيال يمكنهم من تصور تلك العوالم القديمة وتفاصيلها، وأصبحت قراءة التاريخ امتدادا لاهتمام جورج مارتن بجغرافيا الدول المعاصرة، وانعكس ذلك على كتاباته عموما، وعلى سلسلته الأشهر «أغنية النار والجليد»، فهى مزيج التاريخ والسياسة، والواقع والخيال.

 

السياسة هى المكون الثانى الأهم فى كتابات جورج مارتن، وجزء رئيسى من صراع الممالك والعروش، وفى شبابه كان له موقف مناهض للحرب الأمريكية فى فيتنام، فى أثناء دراسته الجامعية، ولعل ذلك الموقف يفسر كثيرا من جوهر روايات مارتن، فهو يصور أهوال الحروب بصورتها العنيفة بلا تنقيح، ويتعمد أن يكون تصويره دمويا، ومروعا، وأى قارئ متمعن للتاريخ الأقرب لما حدث بالفعل يعلم أن الحروب والصراعات التاريخية لم تكن بالصورة التى قدمتها كثير من الروايات والأفلام التى ركزت على جوانب البطولة والافتخار بالنصر.

 

يستلهم جورج مارتن فى سلسلته الروائية واحدة من أكثر حروب العصور الوسطى فى أوروبا دموية ووحشية، وهى الحروب التى أطلق عليها اسم حرب الوردتين، وهى حرب أهلية دارت معاركها على مدى ثلاثة عقود (1455م - 1485م)، بغرض تحديد من الأحق بعرش إنجلترا بين أنصار كل من عائلة لانكاستر، وشعارها الوردة الحمراء، وعائلة يورك، وشعارها الوردة البيضاء، وتعود تسمية هذه الحرب بـ«حرب الوردتين» لويليام شكسبير فى مسرحيته الشهيرة «هنرى السادس».

 

عالم «أغنية النار والجليد» ليس فقط عالم حروب عنيفة، بل حياة اجتماعية مختلفة، ومكائد سياسية لا تنتهى، وكما فى تصويره للحروب يرسم جورج مارتن عالمه وشخصياته من دون رتوش وتنقيح، صادما فى تعبيره عن العلاقات بين الشخصيات، وفجًّا فى تصويره للجنس والمعايير الأخلاقية التى ترسم تفاصيل حكاياته وصراعات شخصياته. حب جورج مارتن الشخصى للموسيقى وراء اختيار اسم «أغنية النار والجليد»، وهو ما نراه فى أعمال أخرى له، منها «أغنية ليا» و«أغانى النجوم والظلال»، وتشير النار والجليد إلى ذلك الصراع بين الموتى السائرين، القادمين من الشمال حيث الجليد، وبين التنانين النافثة للنار، وهو الصراع الذى تمهد له الروايات كمعركة النهاية، والنهاية قد تكون أعمق من مجرد حرب طاحنة، فالعنوان مستوحى من قصيدة روبرت فروست «النار والجليد» التى نشرت سنة 1920، والمستوحاة من قصيدة «الجحيم»، وهى الجزء الأول من القصيدة الملحمية الكوميديا الإلهية التى ألفها دانتى أليجييرى فى القرن الرابع عشر، وتصف جدلا خياليا بين من يؤمنون أن نهاية العالم ستكون الجليد، وبين من يؤمنون أنها ستكون النار.

 

سلسلة «أغنية النار والجليد» تتكون من سبعة أجزاء، صدر منها خمسة حتى الآن، وبترجمة الجزء الثالث منها للعربية تكون المكتبة العربية قد ضمت ثلاث روايات من السلسلة، كان أولها «لعبة العروش»، وفى العام الماضى صدر الجزء الثانى بعنوان «صدام الملوك»، والأجزاء الثلاثة من ترجمة هشام فهمى الذى يقوم بترجمة الأجزاء المتبقية من السلسلة.

 

بعد الجزء الرابع من مسلسل «لعبة العروش» توقف جورج مارتن عن المشاركة بكتابة بعض الحلقات للتليفزيون، وتفرغ تماما لكتابة الروايات، واكتفى فى علاقته بالمسلسل بدوره كمشرف ومنتج منفذ، وهذا يتيح له التحكم فى وصول أفكاره للمتفرج بصورة لائقة، وقريبة من روح ما كتبه، وقد أسهمت شبكة HBO ببذخ إنتاجها فى صنع تحول جذرى فى عالم الدراما التليفزيونية، فالعمل يتم تصويره فى العديد من دول أوروبا بالإضافة للمغرب، وتم اختيار أماكن تاريخية مختلفة لتصويرها كخلفيات للأحداث، ومشاهد الحروب، والأماكن الخيالية المختلفة كالجدار الشمالى، وشكل الإنتاج يشبه الإنتاج السينمائى للأعمال الملحمية، ولكن باحترام أكبر للتفاصيل الصغيرة، ويرى جورج مارتن أن استوديوهات السينما بهوليوود كانت ستدمر الروايات لو أنتجتها كأفلام.

 

القارئ للروايات سيشعر بانجذاب مختلف لعوالم جورج مارتن، وعلى الرغم من الحالة البديعة للمسلسل، فإن الروايات بسرها للتفاصيل ومسارات أحداثها المختلفة تمثل العالم الأصلى للحكاية، بخيال ولغة المؤلف، وهذا هو نفس الشعور الذى يشعر به كل من قرأ روايات نجيب محفوظ التى نقلت للسينما، ومهما كانت جودة الأفلام ورغم معرفة الحدوتة فإن الاستمتاع بقراءة الرواية الأصلية يساوى اكتشاف العمل من جديد، واكتشاف تفاصيل ثرية بين ثنايا السطور والصفحات، تفاصيل تعجز عن توصيلها الشاشة مهما بلغت فنياتها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات