.

فى مديح الحرف

Foto

«منح ميغيل دى ثربانتس سافيدرا» يُلقى بطله «دون كيخوته» فى الجزء الأول من الرواية، خطبتين يقارن فيهما الفارس بين مزايا الحروف ومزايا الأسلحة.


ثمة معركة ما بين ممارسى الكتابة وممارسى الأسلحة! ومهارة الحكى عند مانجويل، خصوصًا عندما يتكلم عن كتاب «دون كيخوته»، تجعل من الكتب ذاكرة، ومن الذاكرة معاشًا، ومن المعاش عبرة.

«منح ميغيل دى ثربانتس سافيدرا» يُلقى بطله «دون كيخوته» فى الجزء الأول من الرواية، خطبتين يقارن فيهما الفارس بين مزايا الحروف ومزايا الأسلحة.

كانت تلك معركة القرون الوسطى، تمايز العقل ضد القوة.

يتذكر دون كيخوته أنه فى الأيام الخوالى، الزمن السعيد والقرون السعيدة، كان الناس يجهلون مفردتين «لى ولك»، يقول لجمهوره المذهول: كل شىء كان سلامًا، كل شىء كان صداقة، كل شىء وئام، ولم يكن الفرسان الجوّالون مطلوبين؛ لأن النزاع والظلم لم يكونا موجودين، لكن الآن فى قروننا المقيتة، ليس ثمة ما أو من هو آمن؛ لذا بغية مواجهة (الخبث المتعاظم) ظهر نظام الفرسان الجوّالين.. لم تعد الكلمات اللطيفة والأفكار الجميلة كافية، وأصبحت القوة مطلوبة الآن للدفاع عن العذارى وحماية الأرامل ومساعدة اليتامى والمحتاجين.

فى مدينة الكلمات يصدّر ألبرتو مانجويل فصلاً بقصيدة غنائية للشاعر هوراس: «عقيمًا كان زهو الزعيم والحكيم، لم يكن لديهما شاعر فماتا، عبثًا خططا وعبثًا استنزفا، لم يكن لديهما شاعر فماتا».

وعن اللغة «جسرنا للتواصل»، يحدثنا من خلال الكاتب ألفريد دوبلن، والذى نكتشفه عبر مانجويل، الذى سألوه عن الذى يدفعه للكتابة، فأجاب أنه يحجم عن طرح السؤال على نفسه، وأضاف: «لا يستهوينى الكتاب المنتهى، بل الكتاب الذى فى طور الكتابة، الكتاب القادم. الكتابة نفاذ من الحاضر إلى المستقبل.. تدفق متواصل من اللغة يتيح للكلمات أن تصوغ الواقع الذى يكون فى طور التشكيل.

الكاتب ألفريد دوبلن نسَبَ إلى نفسه منهجًا سمّاه «الدوبلينية».. كان طبيبًا ضابطًا فى الجيش الألمانى فى الحرب الأولى قبل أن يعمل طبيبًا للأحياء الفقيرة فى برلين، التى صوّر ملامحها فى رواياته.. كانت له شخصية متناقضة، فهو يهودى بروسى اعتنق الكاثوليكية، اشتراكى راديكالى، عارض الثورة الروسية.. طبيب نفسى يجلّ فرويد ويرفض مبادئ التحليل النفسى، نَصيرٌ للأدب ومتمرد على قواعده.. اعتمد فى أدبه على ميثولوجيا الكتب المقدسة، وكان موضوعه الهوية المتغيرة فى القرن الماضى، وبطله المفضل هو «أيوب»، البطل المعذب فى كل البشر.. هاجر إلى فرنسا تحت وطأة النازى وغادرها بعد سبع سنوات إلى أمريكا، وعانى عزلة شديدة لخصها فى رد على أحد الأصوات التى لم تغادر ألمانيا، وعايرته بهجرته، وبأنه من المستمتعين بكنَبات وكراسى الهجرة الوتيرة، فرد بقوله: أن ترحل من بلد إلى آخر.. أن تفقد ما تعرفه، كل ما كان قد غذاك، أن تكون فى ارتحال دائم، وأن تعيش لسنوات كمتسوّل بينما أنت لا تزال قويًّا، لكنك تعيش فى المنفى.. هذا ما تبدو عليه كنَبتى وكرسىّ فى المنفى.. ما جعله على قيد الحياة كانت «الكتابة».. استمر يكتب.. كتب عن اللغة الألمانية المعذبة «المفعول بها»، مُبينًا حجم الإساءات التى لحقت بها تحت حكم «الرايخ».. هذا الكاتب نسى إهماله باستثناء روايته عن شوارع برلين، والتى اسمها «برلين ميدان الإسكندر»، ومانجويل يتأسى على هذا النسيان؛ لأن هذا الكاتب كان له إطراء لغوى كأداة تصوغ الواقع وتفهمه فى آن واحد، وهذا إدراك ما زال صالحًا حتى اليوم.. اللغة لا تعيد ماضينا بل تصوّره ليصل إلى جوهر المواقف التى ترد على تساؤل: لمَ نحن معًا؟ لمَ نحن معًا ومعظم الوظائف البشرية لا يحتاج فيها المرء إلى آخرين؛ فهو يتنفس ويمشى ويأكل وينام وحده؟! لكن دوبلن -كما صرّح- رأى اللغة صيغة من حب الآخرين، الجسر المشترك، والقصص وسيلتنا لتسجيل التجربة عن العالم وعن أنفسنا وعن الآخرين. حين يتذكر أيوب فى معاناته الأيام التى كان نور الله فيها لا يزال يغمره، ويصرح: «كنت عيونًا للعمى وأرجلاً للعرج».. لا تكفيه الذاكرة المستعادة، ويأمل أن يكون قادرًا على الكتابة كشهادة على إيمانه «ليت كلماتى الآن تُكتَب».

يقول مانجويل: القَصُّ يعلّمنا استخلاص ما تعلَّمنا، بحيث نتمكن عبر تنويعات النبرة والأسلوب والحكاية من أن لا ننسى ما تعلّمناه.. القصص هى ذاكرتنا.. والمكتبات مخازن تلك الذاكرة، والقراءة هى الحرفة التى نتمكن عبرها من إعادة خلق تلك الذاكرة عبر ترديدها وفَهْرَستها، وعبر عكسها على تجربتنا، وعبر السماح لما اعتبرته الأجيال السابقة ملائمًا للحفظ.

القراءة عمل يخص الذاكرة، تتيح فيها القصص لنا أن نستمتع بتجارب الآخرين فى الماضى كما لو كانت تجاربنا.. بإمكان القصص شفاؤنا وتنويرنا وتبيان الطريق، وقبل أى شىء تذكرنا بظروفنا، تخترق المظهر الزائف للأشياء وتجعلنا نعى الدواخل.. تغذى وَعينا وما يمكننا من معرفة أننا موجودون: ابتكار القصص، سرد القصص، كتابة القصص، قراءة القصص.. كلها فنون تتمم بعضها بعضًا.. نقل للذاكرة وإرشاد وتحذير.

بعد ستة عشر عامًا من وفاة كافكا، أُسرت المرأة التى كان يحبها على يد النازى فى معسكر الاعتقال حيث المعاناة الوحشية.. ابتكر لها صديق طريقة لجوء إلى الذاكرة تستحضر الكتب التى كانت تقرؤها من زمن ومُخزَّنة فى ذاكرتها.. كان ذلك الحل لتفادى الشعور بأنه لم يعد هناك إلا الموت.. وكان من بين ما استدعته قصة لجوركى، اسمها «وُلد إنسانًا»، كانت ملاذًا آمنًا تلجأ إليه بعيدًا عن الرعب اليومى.. كان نقطة توازن فقط.. لا يمنح أملاً إنما يذكرها ويعينها على النجاة لأطول وقت بالنور.


الكلمات تُفضى إلى وجود خاص بها بعيدًا عنا.. والمبدعون يصوغون الأشياء ويمنحونها هوية جوهرية، وهم قابعون فى زوايا، ومنجرفون مع ذلك مع البشر.. يعكس المبدعون العالم فى تشظياته وتغيراته المستمرة، ويعكسون دواخل مجتمعاتهم المضطربة، ليصبحوا ما سمّاه الشاعر النيكاراجوى روبن داريو «قضبان إضاءة سماوية» عبر تساؤل: مَن نحن؟ وتقديم «طيف» إجابة.

وهذا ما يجعل المبدع شخصية مُربكة فى مجتمع يتوق -مهما كلّف الأمر- إلى الاستقرار والفاعلية، كى يحقق أقصى منفعة اقتصادية.


عام ١٩٧٠، وصف بورخيس دور المبدع: «الشعراء رمز آخر ضمن القبيلة، يقرر صف ست أو سبع كلمات مُقَفَّاة، يعجز عن كبح جماح نفسه فيجهَر بها صارخًا، واقفًا وسط دائرة مكوّنة من السحَرة، بينما باقى الناس يستلقون على الأرض، إن لم تبهجهم القصيدة فلا شىء، وإن أثرت فيهم يبتعدوا فى هدوء ورهبة مقدسة، ويشعروا كأن الروح قد مسَّته».


ووصف دوبلن الأمر بأنك «يمكن أن تكون محكومًا بالأدب إلى حد أن تكون منبوذًا»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات