.

الدينُ شىء.. والسياسة شىء تانى خالص!!

Foto

ما الفرق بين صياغة بطرس البستانى ومحمد عابد الجابرى للعلمانية؟ هل كان ظهور مصطلح العلمانية على يد الشوام المسيحيين قادحًا فيه؟ هل كانت الخلافة العثمانية المستبدة سببًا فى الدعوة إلى العلمانية؟ لماذا يصرّ كثيرون على أن العلمانية كُفر؟


فى العام 1860 م، نشبت فى لبنان فتنةٌ طائفية بين المسيحيين والدروز فكتب الأستاذ بطرس البستانى، وهو مسيحى، مقالًا فى صحيفته «نفير سوريا»، وكان هذا المقال دعوة صريحة إلى وضْع حدٍّ فاصلٍ بين الأديان والمدنيات، وإلى وجوب وضع حاجز بين السلطة الرُّوحية والسلطة المدنية؛ لأنّ ذلك هو شرط التقدّم والنهضة على حدّ تعبير المفكّر المغربى الراحل الدكتور محمد عابد الجابرى الذى ننقل عنه ذلك النصّ الذى بيّن فيه أنّ «العوامل الأولى المحدّدة لثنائية الدين والدولة فى المرجعية النهضوية العربية ثلاثة رئيسية: استلهام التجربة الأوروبية الدينية، مُشكـل الطائفية الدينية، ربـط النهضة بالفصل بين الدين والدولة».


أمَّا نصُّ المعلم بطرس البستانى فنجتزئ منه ما يأتى: «وما دام قومُنا لا يُميّزون بين الأديان التى يجب أن تكون بين العبد وخالقه، والمدنيات التى هى بين الإنسان وابن وطنه أو بينه وحكومته، والتى عليها تُبنَى حالات الهيئة الاجتماعية والنسبة السياسية، ولا يضعون حدًّا فاصلًا بين هذين المبدأين الممتازين طبعا وديانة، لا يُؤمل نجاحهم فى أحدهما ولا فيهما جميعا كما لا يخفى».. ومن هنا: «وجوب وضْع حاجز بين الرياسة، أى السلطة الروحية، والسياسة، أى السلطة المدنية؛ وذلك لأنّ الرياسة تتعلّق ذاتًا وطبعًا بأمور داخلية ثابتة لا تتغير بتغيُّر الأزمان والأحوال، بخلاف السياسة فإنها تتعلق بأمور خارجية غير ثابتة وقابلة للتغيّر والإصلاح بحسب المكان والزمان والأحوال، ولذلك كان المزج بين هاتين السلطتين الممتازتين طبعًا، والمتضادتين فى متعلقاتهما وموضوعهما، من شأنه أن يُوقع خلافا بيّنًا، وضررًا واضحًا فى الأحكام والأديان حتى لا نُبالغ إذا قُلنا: إنه يستحيل معه وجود التمدّن وحياته ونموّه».


عبّر البستانى عن مفهوم العلمانية تعبيرًا، وإن كان فى القرن التاسع عشر، لكنه جاء جامعًا وحاويًا لشرط التقدّم والنهضة من خلال استلهام التجربة الأوروبية التى وضعت حدًّا فاصلًا بين السلطة الروحية والسلطة المدنية، لكنّ الجابرى اصطنع صياغة توفيقية، أو إنْ شئت الدقة فهى صياغة تلفيقية، ليحاولَ من خلالها تهذيب مصطلح «العلمانية» فى الوسط العربى الرافض له، فاصطنع كلمتين بديلتين هما: الديمقراطية والعقلانية، بالرغم من اعترافه ضمنًا وصراحة بأنّ معنيْهما متمثّل فى مصطلح العلمانية، كما أنه ربط ربطًا متعسّفًا بين مسيحية بطرس البستانى، ووقوع المسيحيين تحت وطأة الحكم العثمانى المستبد آنذاك وفكرة استلهام التجربة الأوروبية التى كان نتيجتها التقدّم والنهضة فى أوروبا، وليس الأمر متعلقا باستلهام تجربة أو غيرها بقدر ما هو متعلّق بمبدأ لا يتعارض مع الإسلام فى شىء وإن أنكرت الطغام الدينية ذلك، فالجابرى كمفكّر أراد أن يخرج بالمصطلح من إشكاليته وسوء سُمعته باصطناع مصطلحين موجودين أساسًا فى تضاعيف العلمانية، وعلل ذلك الأمر بأنّ «المرجعية التراثية التى يفكر بها ومن داخلها قطاع واسع عريض من الشيوخ والكهول والشبّان فى الوطن العربى» لا تستسيغ مبدأ الفصل بين الدين والسياسة، لذا اختار الطريق الأسهل نسبيًّا، وهو المراوغة اللفظية التى لن تُجدى أصلا مع الكهنوت الدينى الذى يستأثر بتفسير النصوص وَفق أيديولوجيته الخاصة دون اعتبار لمصطلحات يتم تزويقها لتتناسب مع مزاجه الكهنوتى، فهذا الكهنوت يرفض الاعتراف بسلطة غير سُلطته، فلا هو يعترف بالديمقراطية السياسية أو الاجتماعية، ولا هو يعترف بالعقلانية التى ينادى بها الجابرى، فتزويق المصطلحات لا يعطى علاجًا ناجعًا كما يتخيّل البعض، بل لا بد من التشديد على تحرير الألفاظ والمصطلحات الأصلية وإن كانت لا تأتى على هوى ومزاج أصحاب السلطة الدينية التى يريدونها مهيمنة على حياة الناس بصرف النظر عن عقائدهم أو متطلباتهم الروحية والعقلية.


إنّ مصطلح العلمانية كما يعنى «حيادية الدولة دينيًّا وعقائديًّا» فهو يعنى كذلك بناء الدولة على أساس ديمقراطى، يعطى للعقل حافزًا للتحرّك والتدبّر والنظر، وفى نفس الوقت يلغى الهيمنة الدينية والسيطرة الكهنوتية باسم الدين، فليس شعار «العلمانية» بمُلتبِسٍ كما يرى الجابرى وأمثاله، بل هو مصطلح يصدم العقول التى تكلّست تحت تأثير التديّن المنغلق الشكلانى، والتقديس اللامتناهى للنصوص الحديثية الظّنية التى تعمل على تغييب العقل، وبثّ المغالطات التى لا تتفق مع آيات القرآن والمنطق والتحضّر.


إنّ ظهورَ مصطلح العلمانية على يد بعض المفكرين المسيحيين الشّوام لا يقدح فيه بحال كما يدّعى البعض، فقد عانوا وعايشوا فترة زمنية حياتية حالكة بفِعلِ استبداد العثمانيين الذين كانوا يحكمون باسم «الخلافة الإسلامية»، وكان الكهنوت الدينى وقتها – كما هى الحال فى عصور الإقطاعية العسكرية – يُبرّر كلّ تصرفاتهم وممارساتهم السياسية والاجتماعية باسم الخلافة والدين، حتى غدَت الخلافة ركنا من أركان هذا الدين وما هى بذلك أبدًا، فبعد الخليفة عمر بن الخطاب لا تتحدّث عن خلافة أو غير ذلك بل تحدّث عن ظلم وغُشم وبغى وجُور وغير ذلك من المعانى والأحوال القاسية التى ألمّـت بالناس وهم يرزحون تحت نير تلك الخلافة المزعومة، وكان رجال الدين – دائمًا – مع الخليفة على الرعية، خصوصًا رجال الدين الرسميين الذين ما ينطقون بكلمة حقّ قط بحضرة سلطان جائر، فكلّ أدبياتهم وشروحهم فى الأحكام السياسية تصبّ فى اتجاه واحد هو اتجاه الخليفة الذى أعزّ الله به الإسلام، وجمع به شتات الأمة!!


إنَّ ما قصده المعلم بطرس البستانى ليس فصل الدين عن السياسة أو فصل السياسة عن الدين، إذ الدينُ – أى دين – إنَّما هو مُكوّنٌ أساسٌ فى كيان كلّ نسمة بشرية وسلوكياتها الحياتية، فهو اعتقادٌ قلبى خالص، أما مراده الذى شدّد عليه هو إبعاد رجال الدين عن العمل فى السياسة، فالدين ثابت أما السياسة «فإنها تتعلق بأمور خارجية غير ثابتة وقابلة للتغيّر والإصلاح بحسب المكان والزمان والأحوال» على حدّ تعبيره.


 العلمانية مصطلح صادم لكنه مطلوبٌ لكسر أوثان الكهانة، والتدخلات السافرة للسلطات الدينية الرسمية فى كل شىء يمسّ حياة الإنسان، حاضره ومستقبله، وهى ليست كُفرًا وليست دعوة لكفر بل هى إطار يفصل بين السياسيين وعملهم المتغير، وعلماء رجال الدين وعملهم الثابت، وبالرغم من ذلك ستجد من يُصرّ على القول إن العلمانية كُفر!!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات