.

استحضار معانٍ

Foto

احتفاء بالقيم والمعانى التى نذر لها الكاتب جمال الغيطانى نفسه، والتى اتخذها طريقًا وعرًا فى الحياة، انحاز خلاله إلى الإنسان أينما كان، معبرًا عن أشواق هذا الإنسان وحقه فى الحرية


حين أطل على الغيطانى، لا أحسبنى ألج فى مساحة خاصة، أو إزاء تذكرة بمرور عام على رحيل أحد ضمائر الثقافة العربية.

ولكنه استحضار، احتفاء بالقيم والمعانى التى نذر لها الكاتب جمال الغيطانى نفسه، والتى اتخذها طريقًا وعرًا فى الحياة، انحاز خلاله إلى الإنسان أينما كان، معبرًا عن أشواق هذا الإنسان وحقه فى الحرية والحلم والتحقق بنزاهة وعدل.

لست هنا فى مقام القول والحديث عن قامة رحلت، وإحياء لذكرى.. بل أقول: نحن فى حضرة الحياة، وانحيازًا للحياة التى كان الغيطانى ترجمانًا لأشواقنا إليها، عبر إبداع شق له طريقًا عربيًّا، مؤسسًا لتيار أصيل فى فن الرواية، مُغاير لما ألفه القارئ عن التيار الغربى الشائع لكتابة الرواية. كان الغيطانى يعبر عن ذلك المعنى بقوله إنه القادم من أعرَق وأغنى تقاليد السرد الإنسانى.. من تراث ألف ليلة إلى كتابات المتصوفة، كيف له أن يعرّج على غير مَنبته وجذوره؟ ومن هذا المنطلق الواعى والمُدرك والمُلِمّ لكُنه ثقافته العربية، أضاف الغيطانى للثقافة الإنسانية.. كان يقول إن أحدًا لا يعرف جنسية ابن خلدون، ولا التوحيدى، وأحدًا لا يهتم أين وُلد ابن بطوطة، وتحت أى شمس فتح ابن الفارض عينيه لأول مرة.. ولا.. ولا. المهم أنهم روافد ثقافتى العربية. أقول إن الغيطانى كان جذره مصريًّا عربيًّا إنسانيًّا بامتياز، نفذ إلى المشترك، القاسم ما بين البشر، إلى الجوهر الثابت الذى لا يختلف عليه الإنسان أينما كان موطنه، أو كان مآله.. واحد من قامات الثقافة العربية، وضمائرها التى أنشدت الحياة فى كل ما كتبت.. فإن توقف عند البصّاصين فى «الزينى بركات»، فلأن الحرية قيمة أولية، لا يشابهها إلا الشهيق والزفير، وإن فضح الفساد فى حكايات المؤسسة، فلأن الفساد يجور على العدل ويهدم البنيان، وإن طال وقوفه عند رقرقات القلب كما فى «الصبابة والوجد»، فلأن الحب هو ما يرطب ويعيننا على جفوة المعاش، وإن نزفنا مع وجع الفقد الإنسانى كما فى تجلياته، فلأن الموت هو الحقيقة التى يقف إزاءها كل البشر عاجزين، وإن سطر دقائق حرب الوطن فى «الرفاعى» و«أرض أرض»، فلأن إدراكه لقيمة الأوطان والدم المدفوع للحفاظ عليها، كان حاضرًا كقيمة ثابتة لا تتزحزح، ولا تخضع لأى أمور نسبية، منذ وعى الحياة وحتى الثامن عشر من أكتوبر ٢٠١٥، يوم اختاره الله -سبحانه وتعالى- فى ذروة تجليه إبداعًا، ولحكمة يدركها سبحانه وتعالى.. لكل مصرى.. لكل عربى.. بل لكل إنسان نصيب وحق ومساحة فى جمال الغيطانى، ربما تفوق ما لنا، نحن أسرته «محمد وماجدة» وأنا التى لا أعرف توصيفًا أو تعريفًا لموضعى عبر اثنين وأربعين عامًا، وإن كنت أحمد الله بعدد أنفاسى أن منحنى فرصة العيش فى حضرة الحياة.. حضرة جمال الغيطانى وحتى آخر لحظة من عمرى.. وإن كان لى أن أقول ولو جملة تخصنى، فأستأذنكم البوح بأنه توّجنى ملكة، وأنه نعمة ربى الكريم، فجمال الغيطانى معنى اتسعت وضاقت إزاءه حروفى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات