.

من يستطيع أن يوقف عذابات مصر؟

Foto

يؤصل سعيد ويعود لجذور تاريخ مصر قبل أن يترك أساتذة كبارًا، متخصصين فى مجالات الأنثروبولوجى والسياسة والدين والعلوم والأدب والثقافة، يقدمون إسهامات عن تاريخ مصر


فى اللحظات المصيرية، علينا أن نفتش فى ما «يصلب العود»، أو ما «يلحم» الجسد، ويكون «متكأً» للارتكاز.

والمدهش أن ذلك وما يفيض عنه وجدته فى ما يشبه الوصية، فى عمل أشرف على تحريره وقدم إليه، قبل ستة عشر عامًا، واحد من «زينة» صفوة مصر، وأكثرهم إخلاصًا وإنسانية، أستاذنا الراحل الصادق الدكتور محمد السيد سعيد، الباحث والوطنى وربما الوحيد فى تاريخ مَن عرفت الذى طالب فى وقت ما بأن يخفضوا راتبه؛ لأنه «يتجاوز احتياجاته».

كان ذلك وقت أن عينته مؤسسة الأهرام مسؤولاً عن مكتب الأهرام فى العاصمة الأمريكية.. أيامها تنامى إلى المسامع أنه كتب إلى الإدارة مطالبًا بتخفيض راتبه الذى رآه متجاوزًا لمتطلباته المعيشية، واتساقًا مع قناعاته، كان هو المبادر الفريد والوحيد. هذا الذى ترامى للسامعين، عابرًا، كان عاكسًا لشخصية محمد السيد سعيد، الذى شاء أن يترك لنا ضمن ما ترك، زخمًا من القيم الإنسانية والوطنية، ضمنها مواقفه وأعماله البحثية، ومنها تلك «الوصية».. نعم، هى أشبه بالوصية، التى يوم صدورها قبل ستة عشر عامًا، كان العالم على أعتاب قرن جديد، وكان السؤال الذى يشغل بال الدكتور سعيد: مَن يستطيع أن يوقف عذابات مصر وأن يصنع لها مستقبلاً مُناوئًا للظلم؟ كانت إجابة السؤال جلية، لا تحتمل ترددا فى ذهنه: «أمانة هذا البلد مُعلقة برقاب شبابها وأجيالها الجديدة».. كانت قناعته أن جيلاً قادمًا سوف ينجح فى حمل الصخرة إلى قمّة الجبل.


كيف؟ لم يطرح طريقًا بعينه، بنفس حسم ترشيحه، لكنه قرر أن يساعد مَن رأى فيه فاعلاً للمستقبل «الشباب».. كل ما استطاعه هو أن يزود هذه الأجيال الجديدة بـ«حكمة المصريين» بإطلالة على عشرين قرنًا من التاريخ الميلادى، سبقته مصر بسنوات تعَد بالآلاف، وقدمت الإنجاز «الحضارى».. حكمة المصريين كانت العنوان؛ لأنها كانت «روشتة معرفية» لتعرف هذه الأجيال المعلق فى رقبتها «مستقبل مصر»، ما هى مصر التى عانت ما عانت واستمرت.. عن تاريخ مصر وليس فى تاريخ مصر، جاء «حكمة المصريين»، عمل صدر قبل ستة عشر عامًا، يبدو وكأنه كان يدرك الاحتياج الذى سوف تفرضه لحظتنا المصيرية الراهنة.. فى «حكمة المصريين» التى صدرت وقتها عن مركز القاهرة لحقوق الإنسان «وديعة» أهم محاورها ذلك المعنى الذى يرى فى مصر «فصلاً جوهريًّا» فى التاريخ العالمى، وأنها وإن لم تكن سعيدة الطالع فى كل الأوقات، فإن مراحل صعودها ومَجدها القومى وتفتحها الحضارى كانت المراحل التى شهدت وأكدت على «احترام الإنسان»، والتى حمَت هذا الإنسان من التعسف، والعكس بالعكس، فكان الاضمحلال والتحلل الحضارى موازيًا لهبوط مكانة الإنسان وحرمانه من فاعلية القانون، واستعادة «اللياقة الحضارية للمصريين» تمر عبر الشعور بالكرامة واحترام إنسانية كل مصرى. حكمة المصريين تمهيد ضرورى لصوغ مشروع وطنى للنهضة.. يعنى ببساطة، أمنها لا يخل. هاهى المفاتيح اللازم التعرف عليها لهذه الأجيال المرشحة لحمل الصخرة إلى قمة الجبل. كل ما شهدته مصر من تجريف عبر قرون، وليس عقودًا، والميراث المرير من أنواع من الحكم وتقلب إمبراطوريات دخيلة على حكمها، وطغاة أجانب ومحليين، صعود وهبوط، وأطياف من الاحتلال، انهيارات سياسية وحضارية واقتصادية عبر مئات السنين، تخللتها وَمضات من الصعود، لكن هناك «عبقرية».

يؤصل سعيد ويعود لجذور تاريخ مصر قبل أن يترك أساتذة كبارًا، متخصصين فى مجالات الأنثروبولوجى والسياسة والدين والعلوم والأدب والثقافة، يقدمون إسهامات عن تاريخ مصر، إسهامات مختارة بدقة وعناية؛ لأنها إسهامات دالّة لتعى مصر، التى عليك أيها الشاب أن تمد يدك وتحمل صخرتها، لابد كى تستقر تلك الصخرة من شحذ وَعيك لتعرف أى طريق سوف تسلك، وكيف تسلك؛ ولذلك فالمساهمون بخلاصة المعارف لا يقدمون مجرد «مقاربات» معرفية، لكنها تصويب باتجاه «الإلمام» التمهيدى.

المساعد، مجرد مساعد، للإجابة عن كيف نخلص مصر من عذاباتها؟ كشوف التاريخ المصرى للدكاترة: أحمد أبو زيد، وقاسم عبده قاسم، وعبد المنعم تليمة، وحسن طلب، والراحل حلمى سالم، وحامد عبد الرحيم، وإسحاق عبيد، والمغفور له رؤوف عباس.. «فَرْشَة» حقيقية وضرورية عن مصر. «حكمة المصريين» لا يقدم رؤية لتاريخ مصر الوطنى تغلق الدائرة أمام الأجيال الجديدة، أو تثقل وجدانها. مبدئيًّا، يعلن الرفض لهذا المنهج، منهج الاستعادة ورؤية أن الماضى كان يمكن أن يحمل حل اليوم أو الغد، لا قوالب مثالية فى استعادتها «الحل»، فقط هو يريد أن يعين هذه الأجيال على «الإدراك»، يحثّها على الغَرف من «الدروس» للاتجاه نحو المستقبل، لوضع القطيعة مع الفقر والتخلف، ومواجهة «الانهيار الحضارى»، الذى يعرفه بأنه الجفاف الذى أصاب الحياة العقلية، والتوقف الفعلى للعقل التأملى، التوقف عن «الإضافة» للإنسانية فى المعارف العلمية والنظرية.

إن أخطر ما نواجهه هو الارتداد إلى لحظة مثالية يتحقق فيها الإلهام عوضًا عن صنع المستقبل. عانت مصر عبر عشرين قرنًا انكماشًا حضاريًّا، على حين فاضت عبقريتها على الإنسانية حتى بعد خسوفها السياسى ولفترة طويلة إبان العصر اليونانى والبطالمة، ويورد ما يقول إنه حقيقة علمية مؤكدة وإن لم تشِع، عن أن المكتشف الأول لأمريكا كان المصريون وليس كريستوفر كولمبوس، قبل كولمبوس بـ١٧٢٣ سنة، وهناك نظرية عن أن اكتشافًا واحدًا على الأقل لأمريكا تم قبل كولمبوس هو نظرية عن أسطول من ست سفن رحل من مصر، مزودًا بمعدات ملاحة وفلك، بادئًا من النيل للبحر الأحمر عبر القناة التى كانت موجودة، ومضى عبر المحيط الهادى ربما بالصدفة البحتة، إلى بنما حتى إذا ما رأى العودة إلى مصر من ناحية الشرق، إذا به يكتشف مئات الأميال من سواحل غرب أمريكا الجنوبية دون أن يجد منفذًا، مما اضطرهم للبقاء هناك وسط شعوب أصلية، نقلوا إليها مكتسبات المدنية المصرية.

سفينة واحدة حاولت الرجوع ولكنها تحطمت فى جزيرة بين أستراليا وأمريكا الجنوبية، وهناك ترك الملاحون نقوشًا هامة دالة على أصولهم المصرية (بين قوسين أقول إنه فى زيارة للمكسيك كان تدميس الفول واللوبيا بنفس الطريقة المصرية، ومَص القصب، وملامح وشكل الرؤوس لافت حتى قبل رؤيتى للهرم المكسيكى الشهير»، يضيف سعيد أن أكبر عقل علمى فى العالم فى ذلك الوقت، وكان مديرا لمكتبة الإسكندرية وهو رياضى مصرى يُدعى «Eratostenes»، تمكن من تقديم نظرية حول كروية الأرض عبر تجربة معملية تمت فى الإسكندرية فى وقت واحد، وكان هذا العالم معلمًا لأبناء بطليموس الثالث الذى كانت موارده نضبت ويبدو أنه أقنعه بأهمية البحث عن مصادر جديدة للذهب، وبالتالى أرسل بعثات استكشاف العالم واختبار نظريته. السؤال الذى يطرحه عن طبيعة العقل المصرى الذى تؤكده إنجازاته فى العصر الفرعونى، والتى تكذّب مزاعم كونه بعيدًا عن التجريد، أميَل للملموس.. هل يتزامن الازدهار الثقافى والعلمى مع القوة العسكرية أو السياسية؟ تاريخيًّا، هناك طلاسم غامضة فى تاريخ مصر الطويل والمعذب، كما يقول سعيد، لماذا وقعت الانهيارات فى فترات يشير إليها، وكأن لا رادَّ لها ولا طريقة لوقفها؟ وكيف تنبثق إرادة المصريين المدهشة للنهوض فى أوقات كثيرة أنقذت البلاد وحرّرتها؟ لماذا تنبثق هذه الإرادة فى أوقات ولا تنبثق فى أوقات أخرى، كان المصريون فيها تفترسهم المحن لفترات تمتد لقرون؟ ليس الهدف استعراض التاريخ، بل كيف نصنع المستقبل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات