.

المعتزلة من قوة العقل إلى عقل القوة

Foto

وعلى الرغم من ذلك فإن حركة المعتزلة على صعيد النظرية أو على صعيد الممارسة لم تخل من تناقضات، وإن أول ما ينبغى نقده فى المعتزلة هو تديينهم للعقل


«إن الحبس أو القتل أو التكفير أو الإقصاء سواء باسم العقل أو باسم الكتاب أو باسم أى تصور مطلق ودوغمائى آخر، لا يغير من الأمر شيئا؛ فالنتيجة واحدة وهى الاستبداد واضطهاد الناس بسبب آرائهم وأفكارهم».


-على عكس الجبرية، المعتزلة أكدوا الحرية واعتبروا الإنسان مسؤولا عن أفعاله طالما هو الذى قام بها، فأفعال الإنسان من فعل الإنسان ذاته، فنحن إزاء فصل تام بين الفعل الإنسانى والفعل الإلهى.

 إنهم أدركوا أن الاختيار هو قاعدة الحياة الأخلاقية كلها، وحجتهم: إنهم يرون أن الله الذى ينهى عن الشر والمعصية ما كان له أن يلجأ إلى ذلك لو كان مسؤولا عن معصية العاصى وشره، فالشر والمعصية من أفعال البشر، ثم لماذا هناك الثواب والعقاب إذا كانت الأفعال جميعها مرادة من طرف الله ولا دخل للإنسان فيها؟، ويمكن القول إن الاتجاه العقلى عند المعتزلة قد شكل الأرضية التى سمحت بتبلور الفلسفة الإسلامية بالمعنى الدقيق فيما بعد فى القرن الثالث الهجرى، فالمعتزلة هم رواد النزعة الإنسانية وأسلاف المدرسة الفلسفية عند العرب والتى سوف تبلغ ذروتها مع الفلاسفة أمثال الكندى وابن رشد، دون أن يترتب على ذلك قطيعة مع الدين سواء عند الكلاميين أو الفلاسفة.


-وعلى الرغم من ذلك فإن حركة المعتزلة على صعيد النظرية أو على صعيد الممارسة لم تخل من تناقضات، وإن أول ما ينبغى نقده فى المعتزلة هو تديينهم للعقل، فحينما جعلوا هذا العقل كاشفا عن جوهر الدين وعن حقيقة الله فإنما قاموا فى الحقيقة بتديينه ونزعوا عنه صفته كظاهرة إنسانية ونسبية، وقاموا بتنصيبه مرجعا لا يختلف من حيث الوظيفة وحتى من حيث المقام عن الوحى وعن الكتاب، بل إن المعتزلة جعلوا العقل فى سلم الاستدلال مقدما على الكتاب والسنة، يقول حسن حنفى وذلك يعنى أن مبدأ «قال الله قال الرسول» لا يعتبر حجة، فمن أين للعقل كل هذه السلطة التى نسبها له المعتزلة؟ الجواب عندهم أن هذا السلطان يستمده العقل من الله، فالله تعالى كما يقول القاضى عبد الجبار: «لم يخاطب إلا أهل العقل»، فهو الذى جعله كما يقول الماوردى: «للدين أصلا وللدنيا عمادا»، وبناء على هذا التصور فإن مقولات العقل بدلا من كونها اجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ تصبح حقائق ذات صبغة ربانية، ومن الطبيعى بعد ذلك أن تصبح كل معارضة فى الرأى عندهم خروجا عن الدين ذاته، وهذا ما حدث بالفعل حينما راح المعتزلة يمارسون أسلوب التكفير للمعارضين لآرائهم.


وإذا علمنا أن المبدأ الخامس والأخير من مبادئهم وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ينبغى من وجهة نظرهم تطبيقه حتى بحد السيف، أدركنا أن عقلانية المعتزلة المتعالية والدوغمائية تحمل فى طياتها بذور العنف واللا تسامح، لذلك ليس غريبا أن نراهم يتحولون من حركة تعتمد على قوة العقل إلى حركة تعتمد على عقل القوة، أى على الدولة كجهاز قمع عندما أصبح مذهبهم المذهب الرسمى للحكم فى عهد المأمون والمعتصم والواثق، فنرى السجون فى عهدهم تمتلئ بمساجين الرأى وكان معظمهم من أهل الحديث ومن القائلين بأولوية النقل وتبعية العقل، وكان من أشهر هؤلاء المساجين الإمام أحمد بن حنبل.


يقول المفكر والروائى الجزائرى إبراهيم سعدى: «فأى غرور هذا الذى يجعل المرء يتأكد بأنه فهم الله حق الفهم إلى درجة يجعله يطمئن حين يزج بالناس فى السجن أو حين يقتلهم بأنه لا يفعل أكثر من تنفيذ التعاليم الإلهية؟، إن السؤال لا يعنى بالطبع المعتزلة وحدهم بل كل الدوغمائيين، عقليين كانوا أو من دعاة النقل، بل ربما كانوا معنيين به أقل من غيرهم، فلنتذكر مثلا كيف عذب الأمويون معبد الجهنى حتى مات وصلبوا غيلان الدمشقى حيا، وذبحوا الجعد بن درهم فى المسجد يوم الأضحى. إن الحبس أو القتل أو التفكير أو الإقصاء سواء باسم العقل أو باسم الكتاب أو باسم أى تصور مطلق ودوغمائى آخر، لا يغير من الأمر شيئا، فالنتيجة واحدة وهى الاستبداد واضطهاد الناس بسبب آرائهم وأفكارهم».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات