.

متى يصبر المصريون ومتى ينهضون؟ لا أحد يعلم

Foto

هذه عين عالم التاريخ المصرى القديم الدكتور إسحاق عبيد، التى علينا الانتباه لها أكثر بعد تتمة لمحمد السيد سعيد، فى العلاقة بين الازدهار العلمى والثقافى، والقوة السياسية


مصر دائما ومنذ الدولة القديمة كانت بحاجة إلى القوة العسكرية؛ لتحمى نفسها من أكثر من جهة، فلم يكن موقعها كله «خير»، بل لعله كان مسؤولا عن إعاقة نموها.

هذه عين عالم التاريخ المصرى القديم الدكتور إسحاق عبيد، التى علينا الانتباه لها أكثر بعد تتمة لمحمد السيد سعيد، فى العلاقة بين الازدهار العلمى والثقافى، والقوة السياسية.


يستحضر سعيد واقعة لا تخلو من دلالة.

كانت هناك رحلة بحرية، اعتاد الكهنة المصريون، كهنة آمون، القيام بها إلى إلى حاكم «بابلوس» فى لبنان، وهى المنطقة التى كانت تورد الخشب اللازم لصناعة السفن عموما، ومراكب الاحتفالات الدينية خصوصا.. طبعا أيام القوة كان استقبال هذه البعثة شيئا، وفى الضعف شىء تانى.

بعد وفاة الملك رمسيس الثالث بأربعين عاما هناك رحلة موثقة فى فترة ضعف وانحطاط.. وجه الحاكم الفينيقى خلالها، قدرا من الإهانات لكهنة آمون ورسولهم، بل أهان حاكم مصر.. القصة تحوى تحديدا صنوف الإهانة التى لقيها رسول الكهنة من أهالى قبرص وغيرهم ممن كانوا تابعين لمصر فى أوجها، بعد أن علموا بما جرى لأحوال مصر.

النفوذ الثقافى لا يضمن دون قوة، وكذلك القوة دونما ألق ثقافى وعلمى تجعل النفوذ هشا.


متى يصبر المصريون، ومتى يستنهضون الهمة؟ لا تستطيع أن تقطع برد، لا أنت ولا المتخصصون.. تفسير حركة التاريخ بين الصعود والهبوط، وأسباب التدهور والازدهار، مجاله فلسفة التاريخ، وهذا ليس ما يسعى إليه «حكمة المصريين» الذى هو «عن» وليس «فى» تاريخ مصر.. مبدئيا طول وعمق تاريخ مصر، لا يريح فلاسفة التاريخ إن سألناهم عن «قوانين تحكم هذا التاريخ».. متى يثورون.. ومتى يصبرون؟ يقولون إن الأمم القديمة كمصر ليس من السهل صياغة قوانين تحولاتها وانتقال حركاتها، فلا يمكن أن تفهم تاريخا ممتدا لآلاف السنين، أو تضعه فى قالب واحد.. أو تضع له مفتاحا واحدا.. كل حقبة لها خصوصيات، من حيث الواقع السياسى والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والثقافة.. والحقب العديدة.. حتى داخل الحقبة الواحدة لا يمكنك.


كل عمل يسير فى اتجاه المستقبل لابد أن يبدأ بإجابة عن سؤال ولو مضمر، عن ماهية المجتمع؟ «حكمة المصريين» له عشر زوايا لرؤية جوانب أساسية من المجتمع أو حياة المصريين، واختار لها: الحياة المدنية والدينية والبعد الإبداعى الحضارى.. يقول سعيد الذى هو المقدم والمحرر، إن الدافع لهذه الاختيارات، زيادة حساسية الأجيال الشابة لأبعاد هامة فى العملية الاجتماعية والهوية الوطنية.

ولنعد إلى أستاذ التاريخ القديم فى «حكمة المصريين» الذى يؤكد أن الحضارة المصرية حضارة أخلاقية، من ناحية رؤيتها للعالم.. كان هناك نوع من التناغم بين المصرى القديم والكون الواسع، بعناصره المتعددة وظواهره الطبيعية ومخلوقاته. حديث الدكتور إسحاق عبيد، أستاذ التاريخ القديم، يأخذ مفتتحا عن معنى العراقة، رابطا بين القدم والحكمة والأخلاق والتهذيب الجميل للنفس البشرية. لم يبارح المصريين «التحضر» على مدى تاريخهم، إلا استثناءات قليلة. حصيلة المصريين وتراثهم الحافل بالإعجاز المعمارى «أهرامات، مسلات، معابد...» هى اجتهادات أصيلة فى مجالات الأخلاق والدين والفنون والآداب..

الحضارة المصرية «مسعى أخلاقى»، بل إن توقها وجوهرها كان الوصول إلى أعلى مدارك الأخلاق، دون إهمال للعقل.. هناك «توأمة» ما بين العقل والأخلاق فى الحضارة المصرية ومصر صاحبة المبادرة «الحضارية الأولى» فى تاريخ الإنسانية، وذلك أول محددات مصر، ومصر ليست هبة للنيل، لكن «هبة للسواعد» التى جففت الأحراش والمستنقعات وطهرت النيل ونظمت دلتاه وكان لها سبعة فروع، على أهميته لا يفسر الانتقال إلى الزراعة وتطورها فى الألف الرابعة قبل الميلاد.. مصر فعلت ذلك دونما أى «بنوة» أو «تلمذة» على يد حضارات أخرى.. لم يكن موقعها كله «خير» بل إن هذا الموقع أعاق تقدمها كثيرا، عاشت محاطة بمخاطر، تحمى مدخل إفريقيا من اعتداءات شعوب غرب آسيا وغزواتهم، وهددت أمنها قبائل غرب ليبيا. مصر دائما كانت تحتاج إلى أن تحمى نفسها عسكريا، بمثل قدر حاجتها إلى تنظيم اجتماعى فعال لعملها الزراعى القائم على الرى. من هنا جاءت مركزيتها. نشأة الدولة المركزية الموحدة هى مفتاح المبادرة الحضارية المصرية. راجع أيها الشاب المعنى من الرسالة ما سبق.. مصر القديمة وقعت فى خمسمئة عام من الفوضى! تصور خمسمئة عام.. شهدت كذلك اضمحلالا متقطعا واضمحلالا ممتددا، تقطعه فترات قصيرة.

خلال حقب الازدهار، ما قبل الاضمحلال عرفت مصر معنى الأمة المتماسكة والمجتمع المترابط الذى تغلب فيه مصلحة المجموع على الفرد.. مجتمع يميل للتنسيق والتوحيد. لم يكن الفرعون رمزا للاستبداد، بل نظر إليه كتجسيد لنظام العدالة الذى يتصرف «عن عقل من قلبه».

فى فترات الازدهار، قام أمنحتب، رأس الأسرة الثانية عشرة بالمفاخرة، بإيه يا ترى؟ بأنه يؤدى واجباته، ويفى بالعهد غير المكتوب مع رعيته، مدركا أن الجوع والعطش وتدهور الزراعة هو الذى يطعن فى مصداقية الحاكم: «أنا الذى زرعت الحبوب... النيل يجيؤنى من كل وادٍ، فلا جائع فى عهدى».

لم يقتصر الأمر على الفرعون وحده، ها هو حاكم إقليم يشهد: «لم أسئ معاملة ابنة رجل من القوم، ولم أظلم أرملة.. لم أهن فلاحا.. لم أطرد راعيا ولم أسخر فى أعمالى عمالا دون أجر، وهكذا أزلت الكآبة عن جسمى وانعدم الجوع وقت حياتى، ولما حصل القحط فى زمنى اجتهدت فى زراعة قسمى حتى آخر حدوده الشمالية الجنوبية، وأطعمت سكانه، لم يجع أحد منهم وكنت أسوى العطاء للأرملة والمتزوجة والكبير والصغير».


الفلسفة السياسية يجسدها القانون، وليس المقولات المجردة. احترام القانون فى سجلات منقوشة على المعابد جزء من التجربة الحضارية، كما يفتخر مصرى من الطبقة المتوسطة «كنت أعرف القانون وأطبقه بكل حزم واحتراس».

لم يكن كبار رجال الدولة المصرية القديمة أحرارا فى تطبيق القانون إلا فى زمن الاضمحلال، وبلغ الحرص على تطبيق القانون والالتزام به أن كان رجال الدولة يسجلون عقودا مع أنفسهم، للالتزام بالقانون.. الشخص نفسه يكتب عقدا، ونفسه بصفته موظفا بصفته كاهنا. وضع المصرى القلب واللسان، فى مقام أسمى من بقية الأعضاء، القلب مصدر الحكمة واللسان يترجمها إلى حلو الكلام، ويوم الحساب أمام الآلهة، تقف الروح «كا» أمام سيدة العدل ماعت. المصرى أول من أرسى نظرية الغلبة للخير.

انظر إلى رقة هذه الشهادة «أنا ما تجبرت يوما على أهل بيت.. أنا ما أرهقت أجيرا ولا جرح لسانى كرامة خدم.. ما طففت كيلا ولا أنقصت كفة ميزان وما كدرت على رضيع يرضع فى أمان».. آمن المصرى القديم بإله وببعث وحساب، وعرف جامعات فى منف وطيبة، وكان عف اللسان يشفق على الحيوان والطير، يرى الماء مصدرا لكل شىء، وأن عناصر الخلق الماء والنار والهواء والذرة لا تفنى وهى أساس الوجود.


ثم ماذا جرى بعد ذلك؟!
سوف نرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات