.

النداء الأخير لما بعد انتخابات الرئاسة.. قبل أن ندفع جميعًا الثمن

Foto

كيف أُهدرت فرص كثيرة كان يمكن لمصر الاستفادة منها على مدى 15 عامًا؟ ماذا يمكن للرئيس أن يقدم فى ولايته الثانية؟


 

كلى قناعة بأن ما سيرد فى تلك السطور لن يكون له صدى. ليس بالنسبة للقارئ بل بالنسبة لصانع القرار. والسبب الرئيسى وراء تلك القناعة هو أن الكثيرين على مدار الأربع سنوات الماضية «مدة الولاية الرئاسية الأولى» قد قدموا الكثير من النصائح، المكتوب منها على هيئة مقالات، أو أوراق، أو حتى نصيحة على الشاشات أو قدمها آخرون وجهًا لوجه لدائرة صنع القرار فى مصر، أو من يملكون نفاذًا إلى تلك الدائرة. بل إنى أذكر أنه فى العامَين الأول والثانى للولاية الرئاسية كانت بعض الصحف قد تحولت إلى ساعى بريد، مليئة بالرسائل والمقترحات والأفكار لكنها ضلّت طريقها هى الأخرى، كون كل هذا لم يجد مستقبلاً، ولم يُجدِ نفعًا فى النهاية.

 

وعلى أى حال، فلم يكن هذا الحال بجديد، وظَنى، بل يقينى أن الاستجابة، أو حتى أخْذ فى الاعتبار الكثير أو القليل من النصائح التى كُتبت فى الماضى، أو قُدمت بالمثل لإدارات سابقة، كان من الممكن أن يُجنبنا الكثير، ولَربما لم نكن وصلنا إلى ما نحن فيه الآن «أستطيع أن أحصى لك قائمة من النصائح على مدار 15 عامًا»، وكنا نستطيع معها أن نتجنب أو نختزل سنوات من عمر هذا البلد أهدرت أو دفع البلد فيها أثمانًا ضخمة وما زال يدفع، إذ إن القادر سياسيًّا عادةً ما يتعامل مع مصر بمنطق الصراع على ملكية وليس بمنطق السياسة، فهو يجب أن يكون الرابح فى ما يخسر الآخرون جميعا، وهو أمر شبه مستحيل. لكن -للأسف- فى كل تلك الأحوال كان الإدراك يأتى متأخرًا، بل متأخرًا جدا. فى لحظة يكون فات فيها أوان الفعل، أو إمكانية إعادة عقارب الساعة للخلف، أى ما قبل مرحلة التماهى مع حالة إنكار السلطة للواقع، ثم استخدام التهديد والوعيد والسخرية من أى رد فعل كما شاهدنا فى حالات مختلفة، وما زلنا.

 

بالطبع، لا يمكن أن يقدم شخص ما نصيحة بتلك المقدمة. هذا هو الدرس الأول لأى ناصح بسياسة أو مقترح لها، لكن بالنسبة إلىَّ فإن تلك السطور ليست ورقة سياسات، فنحن لسنا بصدد خلاف حول تفاصيل، بل هى بالنسبة إلىّ تسجيل للتاريخ حول جوهر مسار كامل متسارع من عنصر يحسب نفسه فاعلاً سياسيًّا مسؤولاً عبر سنوات، أو قد تكون بمثابة النداء الأخير كى لا تفوتنا طائرة النجاة، أو فى الحد الأدنى تخليص للضمير وفق المصطلح الشائع.. أيًّا كان.

 

من المؤكد أن لحظة الانتخابات كانت لحظة كاشفة عن ما وصلنا إليه. وهنا لا أقصد بالانتخابات أحداث اليوم الانتخابى، بل العملية محسومة النتائج سلفًا، والتى أصبحت كاشفة للجميع فى الداخل والخارج عن ما قد يوصلنا إليه السير فى مسار استبدادى، يقصَى فيه كل الشعب والمواطنين من معادلة السياسة والحكم بشكل تام وليس حتى بشكل جزئى مثلما كنا فى عهد مبارك بعد ثورتين أراد الناس بهما أن يكونوا جزءًا من معادلة الحكم، وانتقال مستوى الاستهداف بتنوع أشكاله بعد أن كان مقتصرًا على النشطاء السياسيين، والمنظمات الحقوقية، والكتاب المستقلين، والأحزاب المعارضة، ليشمل العداء والاستهداف لرسميين سابقين كانوا يشغلون مواقع حساسة فى هذا البلد، ولم يكن من الوارد مسبقًا أن يتم استهدافهم من قبَل الدولة بمثل تلك الصورة أو أن يتم التعامل معهم على هذا النحو إطلاقًا. ولك أن تتخيل طبعًا ما يمكن أن يؤدى إليه مثل هذا النمط من التعامل من تبعات مقلقة على استقرار مؤسساتنا الداخلية.

 

ثم أضف إلى ذلك ما تسمعه كل يوم من دوائر رسميين حاليين ومسؤولين رجال أعمال وأصحاب مصالح وغيرهم، مفادها وملخصها أنه لا أحد راضٍ، حتى وإن أبدى كل هؤلاء العكس، ملتزمين الحياد أو مؤكدين إبداء مظاهر القرب والتأييد فى العلن. باختصار، أنت تتحدث عن أن هناك طرفًا فى مواجهة الجميع، واعيًا لهذا أم لا، ويظن أنه قادر على المحافظة على الاستقرار بأن يحوز كل شىء دون أن يمنح ولو النذر القليل وفق نظرية الـ«Zero Sum game»، أى الربح الكامل لطرف بما يساوى خسارة الآخرين.

ثم هناك أوضاع غير مستقرة فى الداخل، يزيد من القلق بشأنها ضغط اقتصادى واجتماعى، وعجلة اقتصاد متعطلة فعليًّا، ومجتمع مستقطب سياسيًّا، وإرهاب لم ينتهِ، واختراق للمؤسسات وغيرها، وبيئة إقليمية مليئة بالصراع الحاد، وقضايا مصيرية عالقة مثل قضية مياه النيل، وعالم مستقبله ومساره كنظام يتسم بعدم اليقين. ثم تلك الصورة التى صرنا عليها فى الخارج أمام الرأى العام العالمى وهى صورة لا تحتمل أى التباس أو تأويل. ليست حتى جدلية يونيو 2013 ذات الحجة والحجة المضادة بالنسبة لمن يسمع أو يقرأ عنا. الصورة اليوم بتأويل وفهم واحد ووحيد لها، وهى أن مصر تحكم بشكل يدعو للقلق والكثير من التفكير حول استقرار بلد هام فى بيئة وإقليم مضطرب. راقب شكل تغطية الصحف والوكالات العالمية على مدار أسبوع كامل، ستدرك مدى حدة الأزمة.

 

هذا عن التشخيص، وهو تشخيص ينبئ بكارثة، قريبًا أو بعيدًا، بالنظرية والتحليل والحدس، أو بالثلاثة مجتمعة وفق وجهة نظرى المتواضعة، ويعبر عنها أى مواطن ممتعض ومسلوب القدرة على الفعل، بل وخائف منه، بقول: «ربنا يستر». بالطبع ليست هناك حتميات، لكن هناك منطقًا، أتمنى أن تسير الأمور عكسه لصالح تجنب تلك الكارثة. لكن هل من الوارد أن يتحرك مصيرنا عكس المنطق؟! وماذا عن الحل إذن؟

 

لست من هواة الاستغراق فى وصف ما سبق، فنحن نعرفه جميعًا والكل يندد به ويشجبه، وهو ضرورى، لكنى دائمًا أكثر انشغالاً بسؤالين أكثر جدوى: ماذا بعد؟ وما العمل؟

 

وهنا فالحل هو طريق واحد ووحيد، عهد جديد يطوى صفحة الماضى تمامًا ويبدأ مع الولاية الثانية، والتى أتمنى أن نصل إليها دون ارتكاب المزيد من الأفعال غير الرشيدة التى تزيد الوضع سوءًا وتقيدًا، مثل اللجوء إلى التزوير، أو محاولة تعبئة الصناديق لإضفاء إقبال شعبى مصطنع أو وهمى على تلك الانتخابات، من أجل المناورة حول فقدان ثقة الناخبين فيها وعزوفهم عنها.

 

ثم بعد ذلك، على السلطة، وبقول واحد، أن تبدأ من جديد، وأن تكون الولاية الثانية هى فترة شعارها السياسى، وجوهر توجهاتها الرسمى هو الإصلاح السياسى، عبر خطاب واضح وتعهدات واضحة، بدايةً من خطاب التنصيب «المؤكد»، إلى فترة انتهاء «محتملة» للولاية الثانية، إن لم تُمَد.. يُفتح فيها المجال العام، ويُطلق فيها سراح مَن فى السجون ممّن لم يتورطوا فى عنف، وترفع اليد عن الإعلام والأحزاب السياسية ومنظمات حقوق الإنسان، ووقف تشويه المعارضين عبر وسائل الإعلام، وأن يتم إجراء حوار شامل مع كل القوى السياسية والحزبية فى مصر، بممثليها الحقيقيين لا الشكليين من المدعوّين التقليديين إلى الموائد الرسمية، بالإضافة إلى الكُتاب والمفكرين والإعلاميين المعارضين والحقوقيين والنقابيين وغيرهم؛ لصياغة أجندة أبعد، ذات خطوات تحدد مستقبل الإصلاح السياسى فى مصر، ويتم متابعة ما أجرى بشأنها بشكل دورى.

 

وقبل كل هذا بالطبع أن يتحول الدستور بكل ما فيه إلى برنامج سياسى شامل لأربع سنوات، ويتم التخلى عن أى أفكار حول تعديله أو المساس بمدد الرئاسة، وتعاد صياغة قوانين الحريات، والحق فى التنظيم «الأهلى والنقابى» وصياغة قوانين انتخابات برلمانية ومحلية تسمح بالمنافسة الحقيقية، وأن يكون وجود المعارضة المدنية فى البرلمان القادم هدفًا محددًا.

 

هذا هو الحل الوحيد، وهذا هو الطريق، وما عداه خطر قد يكون ككرة ثلج لن يوقفها أحد وسندفع جميعنا الثمن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات