.

رقابة.. رقابة..حتى الموت!

Foto


 
 
يبدو -والله أعلم- أنه يوجد بيننا مَن أصبحوا ملكيين أكثر من الملك، هؤلاء يرون أن المواطن المصرى لا يجب أن يُترك لحاله، بل يجب أن يكون هناك رقيب عليه، يعد عليه خطواته وينبهه إلى الخطر الذى من الممكن أن يحيط به، بغرض توجيهه إلى الطريق الصواب، بعيدًا عن الإملاء عليه بما يفعله وما يجوز وما لا يجوز، لا سمح الله. 
ما سطرته بعاليه سببه أننا فوجئنا مؤخرًا بصدور قرار من المجلس الأعلى للإعلام بتشكيل لجنة لتطوير الأداء الدرامى، أسندت رئاستها للمخرج الكبير «محمد فاضل». بالطبع، لم أفهم ما دور هذه اللجنة؟ وما اختصاصاتها؟ وما الهدف من وجودها أصلاً؟ لعِلمى وعلم الجميع أن هناك جهازًا يتبع الدولة، اسمه «الرقابة على المصنفات الفنية»، منوط به النظر فى كل الأعمال الدرامية وغيرها من الفنون، ومدى توافقها مع قيم المجتمع وآدابه العامة. وأعتقد -على حد علمى أيضًا- أن هذا الجهاز «الرقابة» يضم، فى ما يضم، متخصصين من خريجى معاهد الفنون المسرحية والسينما، درسوا وعلموا وخبروا الدراما وفنونها وأشكالها، وإلا فليذهبوا بعيدًا عنا هم ورئيسهم والوزير التابعون له، لو لم يخبروا بهذه النوعية من الفنون والدور الذى يقومون به، والذين لم نسمع لهم صوتًا عندما سمحوا بوجود لجنة ليس لها أى سند قانونى، ظهرت من العدم تحت مسمى «تطوير الدراما» تشاركهم اختصاصهم. بالمناسبة، لم أفهم حتى الآن معنى كلمة «تطوير»، فهل تدرس فى معاهد الفنون مناهج يطلق عليها «تطوير الدراما» بعيدًا عن حبكاتها الـ36 المعروفة على مستوى العالم؟ وهل هذا التطوير يعنى فى حقيقته التعديل، أم المنع، أم التدخل فى ما كتبه المبدع صاحب العمل، أم فرض رأى عليه وعلى الرقابة التى من الممكن أن توافق على عمل فنى، فى الوقت الذى من الممكن أن ترفضه أو توافق عليه لجنة التطوير إياها؟ وبصراحة كده، ودون لف ودوران، ما التطوير الدرامى المنشود الذى يمكن حدوثه على عمل فنى سبق أن تمت الموافقة عليه من قبَل الرقابة على المصنفات المنوط بها هذا الدور؟ ألا يعنى هذا أن هناك نوعًا من الازدواجية فى اتخاذ قرار بين وزارة الثقافة وأحد أجهزتها مع المجلس الأعلى للإعلام، الممثل فى لجنته الميمونة؟ مؤكد أنه لا يوجد ما يسمى بتطوير الدراما، ولكنْ مؤكد أيضًا أننا ضِقنا ذرعًا بالحرية، التى يعتقد البعض أنها تسكن نفوسنا وتطاردنا ليل نهار، فبات واجبًا علينا أن نفرض بعض قيود جديدة عليها، حتى نعرف معنى الحرية الصحيح، والبداية ستكون بالدراما. المبرر والحجج جاهزة عند صاحب قرار إنشاء الرقابة الموازية، وهو ينحصر فى ما تعرضه الشاشات الصغيرة، والكبيرة أيضًا لو أحببت، من أعمال دخيلة على مجتمعنا، وتشهد العديد من مشاهد العنف، وتعصف بقيم وآداب المجتمع، وتسخر منه، وتبرز حالات التفكك الأسرى وسخرية الابن من والده ووالدته، إلى درجة وصل معها الأمر إلى مشاركة الابن أباه فى تعاطى المخدرات. السؤال هنا: هل هذه الأعمال التى تضم مشاهد من هذا النوع موجودة فى مجتمعنا أم لا؟ وهل مطلوب من الدراما أن تركز على إيجابيات المجتمع فقط دون سلبياته؟ وهل هذه الدراما التى تخفى الحقيقة هى ما تريدونها؟ السادة أعضاء لجنة تطوير الدراما، ألم نكتفِ بعدُ من نظرية دفن الرؤوس فى الرمال، التى أبعدتنا كثيرًا عن ملاحقة عجلة الزمن والتطور السريعة، وجعلتنا نهبًا للفكر الظلامى والوهابى، الذى افترس عقولنا دون رحمة، وفرّق بين المصريين، فهذا تصبّح عليه وذاك تبتعد عنه، وجعل من بيوت الله هدفًا للإرهاب وساحة لإراقة الدماء؟! نحن لم يعد باقيًا لدينا سوى القوى الناعمة لمواجهة هذا الغول، الذى يزيد من مخاوفنا ومواجعنا، بعد أن تقاعست بعض المؤسسات عن أداء دورها التنويرى الصحيح بفعل تغلغل البعض من أصحاب هذا الفكر المريض بداخلها؛ ولهذا يجب أن نفتح المزيد من أبواب الحرية لنتنسَّم شذاها، ولنتعرف من خلالها على الغث من السمين فى ما نعيشه ونراه، لنقرر بأنفسنا ما نتعامل معه أو نتعاطاه أو نراه، بما فيها الدراما، بعيدًا عن مشاريع قوانين مُكبّلة للحريات؛ مثل قانون حماية الرموز وعدم المساس بها، لكى لا نشكك العامة فى رموزهم، حتى لو كانوا من مصاصى دماء المصريين وثرواتهم، فى وقت لم نحدد فيه مَن الرمز الذى لا يجب الاقتراب منه، وهذا مشروع قانون آخر ضد الملحدين، الذى بمقتضاه يجب علينا أن نشق صدور كل المصريين لنعرف حقيقة إيمان كل منهم من عدمه، وهذا نائب فى البرلمان يطالب بالكشف على البنات قبل دخول الجامعة، وهذا نائب آخر يطالب بتخفيض سن زواج البنات دون مراعاة حقوق البنت الصحية والنفسية والاجتماعية، وهذا نائب آخر يرى فى روايات أديبنا العالمى نجيب محفوظ أنه أدب مواخير ودعارة، ويطالب بمحاكمة مَن يتعاملون معه.. أمثال هؤلاء هم مَن يشرّعون لمصر الجديدة التى نحلم بها ونتمناها، ويتدخلون فى حياتنا لفرض إرادتهم علينا بقوانين مثل هذه، ولجان مثل تطوير الدراما تفرض علينا ذوقها وما نشاهده، حفاظًا على قيم وآداب المجتمع، الذى سئم منهم ومن قوانينهم ولجانهم، التى أصبحت -بقدرة قادر- وصية علينا وعلى حياتنا! ويا خوفى لو وصلت هذه الوصاية أو الرقابة إلى أفكارنا أيضًا، وقتها سوف نقول على الدنيا السلام.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات