صناعة التحرش الجنسى ليست سببها بيئة ثقافية أو اجتماعية فقط.. بل سياسية أيضًا

Foto

هل تغير شىء خلال السنوات الماضية بخصوص نظرة الحكومة إلى قضية التحرش؟


تُقاس قوة وفاعلية المنظومات السياسية والقانونية فى أى بلد بقدرتها على توفير الحماية للفئات الأضعف؛ مثل الأقليات والمرأة والأطفال وذوى الإعاقة، سواءً أكانت هذه الإعاقة ذهنية أم جسدية.

 

والواقع المصرى يقول إن المنظومة المصرية فشلت حتى الآن فى توفير الحماية اللازمة لكل هذه الفئات بشكل كبير.

 

بالطبع فإن هناك قصورًا فى التشريعات المنظمة للعملية فى مصر، ولكن المسألة أبعد من أن تكون مجرد قصور تشريعى، فالمشكلة الأساسية هى الحاجة إلى تغيير فى ثقافة المصريين عمومًا، وهو أمر بالطبع يحتاج إلى جهد طويل وخطة منظمة، وكلاهما غائب تمامًا عن أولويات المجتمع، وتختفى فيه أى جهود سياسية للإصلاح.

 

وتعتبر قضايا التحرش والعنف الجنسى ضد المرأة عمومًا فى مصر أحد أبرز تلك  الملفات وأخطرها، لكونها مرتبطة بمشكلات يعانى منها نصف أفراد المجتمع تقريبًا ولكون آثارها النفسية تتواصل فى أثناء تربية الأبناء، ولكونها تؤثر فى بيئة العمل فى مصر، ولكونها تقيد المرأة أكثر وأكثر، وتحِدّ من حريتها فى مجتمع يكبّلها بعشرات الأغلال.

 

وبالطبع فإن إصلاح المنظومة ليس فقط مرهونًا بنيات الإصلاح الحكومية، ولكن أيضًا بمنظمات المجتمع المدنى، وبالأخص المنظمات الحقوقية التى من المفترض أنها تملك معرفة قانونية كبيرة، وخبرة واسعة، واطلاعًا على التجارب العالمية  المختلفة فى مجالها، ورغم أن هذه المنظومة أيضًا ليست مثالية فى مصر، لاعتمادها فى كثير من الأحيان على التمويل الخارجى بسبب ضعف التمويل المحلى لها، أو بسبب القيود الحكومية، أو حتى بسبب وقوع تجاوزات أو انحرافات أو جرائم هنا أو هناك.. فإنه لا بديل عن إصلاح تلك العيوب مع استمرار اشتباك المجتمع المدنى فى الإصلاح المجتمعى الحقيقى.

 

ولكن اللافت فى مشكلة التحرش أن الرئيس السيسى كان قد أعطاها اهتمامًا ظاهريًّا ملحوظًا فى بداية رئاسته، فبعد يومين فقط من استلامه الرئاسة قام بنفسه بزيارة إحدى ضحايا التحرش ليعتذر إليها، وهو تصرف مهم لصدوره عن رئيس الجمهورية، ولأنه كان يعنى أن الدولة تضع الموضوع على رأس أولوياتها.

 

ولكن على مدار السنوات الأربع الماضية لم يتغير الكثير فى هذا الملف، رغم تزايد وجود الشرطة النسائية، خصوصًا فى أيام التجمعات والأعياد، ورغم إجراء بعض تعديلات تشريعية فإن الأمر لم يتجاوز ذلك، لأن مواجهة الموضوع ظلت تعتمد بشكل كبير على قاعدتين، هما أصلاً جزء من المشكلة؛ الأولى هى الخطاب الوعظى الدينى الذى لا ينظر للموضوع من حيث كونه جريمة بل من حيث كونه ذنبًا، وبالتالى يتم إدخال القناعات الدينية فى الموضوع، ويدخل مدى تدين المذنب أو عدم تدينه، أو حتى رغبته فى مخالفة ما يعلنه فى السر كعامل مؤثر. والثانية هى الإصرار على اعتبار أن المرأة مسؤولة عن سلامتها الجسدية، وعليها أن تتجنب (استفزاز) ما يقرره المجتمع المحيط بها، وهو بدوره ما يقر قاعدة أن التحرش ما هو إلا نتيجة خطأ من الضحية.

 

وكان من الضرورى أن يتم توجيه خطاب مكثف سياسيًّا وإعلاميًّا لتصحيح تلك الأفكار التى تستوطن عقول قطاع كبير من المصريين، خصوصًا أن الخطاب الدينى الحالى لا يساعد فى تصحيحها، لأنه لا ينطلق من مبدأ الحرية الفردية والمسؤولية، وذلك ربما هو لُب  المسألة، إذ إن قضايا العنف ضد المرأة هى فى الأساس قضية تنطلق من فكرة الحقوق، ومواجهتها تستدعى خطابًا يقوم على الاعتراف بالحريات الفردية للأشخاص، ويحترم اختلاف مفضلاتهم وأذواقهم، ويعترف بأن حقوقهم مقدسة مهما اختلفت آراؤهم وتوجهاتهم واختياراتهم وطريقة ممارستهم للحرية الشخصية، وهذا الخطاب ليس هو الخطاب المحبَّذ سياسيًّا فى أجواء (الاصطفاف الوطنى، والضرورة التاريخية) وفى أجواء تعتبر أن أى خروج عن المسار المرسوم خيانة، وأى معارضة حتى ولو من داخل المنظومة هى استجابة للمؤامرات، وأى رأى حتى ولو خارج الإطار السياسى يتم تقييمه من زاوية مدى دعمه لمشروع الاصطفاف القومى أو خدمته له.

 

وبالتالى فإن المنظومة التى تشهد اختراقات كثيرة لحقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية، وإذاعة تسجيلات لمكالمات شخصية، وتشهيرًا ونشر صور شخصية لا يمكنها فعلاً أن تتبنى خطابًا قائمًا على منطق الحقوق والحريات، ولا يمكنها بالتالى أن تنقل المجتمع نقلة حقيقية فى ملف العنف ضد المرأة عمومًا.

 

من المؤسف -إذن- أن نقر الحقيقة البسيطة التالية.. إن منظومة لا تعترف بحقوق المواطن وحريته الشخصية لا يمكنها أبدًا أن تحمى المرأة من التحرش بشكل حقيقى أو فعّال، وبالتالى فالتحرش فى النهاية ليس فقط مشكلة ناتجة عن بيئة ثقافية أو اجتماعية، بل ناتجة عن بيئة سياسية أيضًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات