.

قراءة فى كف «فندق»

Foto

فندق شبرد، ليس مجرد فندق لكنه مئة عام من تاريخ مصر، مئة لن يتأتى النظر إليها بدقة مؤرخنا الهاوى.


القاهرة وتفاصيلها المعمارية، لما تضج بالبشر، هى العصب فى رؤية المؤرخ الهاوى، وكثير مما يضخ فيه الحياة يكاد أن يكون انمحى.

فندق شبرد، ليس مجرد فندق لكنه مئة عام من تاريخ مصر، مئة لن يتأتى النظر إليها بدقة مؤرخنا الهاوى.


«شبرد» (١٨٤١- ١٩٥٢)، قرن من السياسة والفن ومغامرات الحب والسينما وحيوات مليونيرات، شبرد الذى كان فى القلب من حيز الحكم القاهرى، يطل على شارع إبراهيم باشا (الجمهورية حاليًّا)، أحد أهم المحاور القاهرية، يخرج منه ويتوازى معه ويتعامد عليه شوارع: عماد الدين الألفى بك وفؤاد (٢٦ يوليو) عدلى وقصر النيل ورشدى وعبد الخالق ثروت.. فى هذه «الصرة» ما بين الأوبرا القديمة ومحطة السكة الحديد كان فندق شبرد.. كانت القاهرة مدينة محاصرة بين جبل ونهر فى أُخريات القرن التاسع عشر، يقل سكانها عن المليون، وتضاء شوارعها بمصابيح الغاز ليلاً، ومعظم ساكنيها من أصحاب العمائم والجلاليب.


حدثان أنعشا القلب القاهرى: خط سكة حديد القاهرة- إسكندرية (٢٣ سبتمبر ١٨٥٦)، والتروماى (١٢ أغسطس ١٨٩٦).. وبعدهما ضجَّت القاهرة بالمسارح والأندية الخاصة ورصف الشوارع، وسهُل ورود الأجانب من الذين دخلوا عبر الإسكندرية، ومنها بالقطار إلى القاهرة، وظهرت لافتات تياترو حديقة الأزبكية والمسرح الكوميدى الفرنسى ودار الأوبرا، وفندق شبرد وفندق إنتر كونتيننتال وسينما حديقة الأزبكيىة وفندق فيكتوريا ومحل كوداك للتصوير وكازينو وسينما أوبرا ومقهى «يلدز» ومقهى الشيشة وبار splendid ومحلات واكد وفيكتوريا ومحلات الراديو (عزيز بولس) والأدوات الموسيقية (بوزناخ) ١٨٩٧، ثم بعدها «مصر للسياحة» التى تأسست عام ١٩٣٧.. أمام فندق شبرد كانت فى عشرينات القرن الماضى عيادة أسنان الدكتور إلياس ونيس الذى كان عضوًا بالمحفل الماسونى المصرى والذى تأسَّس عام ١٩١٨، ومتجر الشيخ عبد العزيز للأنتيكات، كان أيضًا عضوًا بالمحفل الماسونى.

كان المارة فى شارع إبراهيم يتطلعون إلى أعلى فندق شبرد، ليعرفوا أى ملك أو رئيس يزور مصر؟ لكن مَن هو السيد شبرد الذى جاء إلينا بالفندق مسرح التاريخ؟ كان هناك فى منطقة الأزبكية عام ١٨٤١ مبنى متواضع تحيط به تلال من القمامة ويديره شخص اسمه Hill، وكان اسم المبنى الفندق البريطانى، وكان هيل يدير بعض الفنادق الصغيرة فى السويس والطرق الصحراوية، يخدم بها المسافرين عبر مصر إلى الشرق الأقصى والهند، ولم يكن يجد وقتًا ليعتنى بفندقه القاهرى، فاستعان ببريطانى، ابن لمزارع إنجليزى، اسمه Samuel Shephard، كانت معلوماته الفندقية شديدة التواضع، لكن قدراته التنظيمية أحدثت انقلابًا فى الفندق، لدرجة أن تنازل عنه مالكه إلى شبرد! وفى عام ١٨٤٥ ظهرت للمرة الأولى لافتة SHEPHARD S HOTEL، وتحوَّل شبرد إلى واحة نزلاء، وتزايد عدد النزلاء، ولما تولى عباس عرش مصر فى نوفمبر ١٨٤٨، وبمساعدة القنصل البريطانى sir Charles Murray حصل السيد شبرد على تصريح من الخديو الجديد بوضع اليد على قصر الأميرة زينب بحى الأزبكية، وكانت هناك حجة عثمانية سمحت لفندق شبرد بشغل الأراضى المحيطة، حيث كان «وقفًا» للأميرة وباقى أسرة محمد علِى.. فى بداية الفندق كان مسموحًا للنزلاء باصطحاب خدمهم، ليقوموا بخدمتهم، لكن السيد شبرد بدأ خطة تدريبية لإعداد فريق لخدمة النزلاء، وتعاقد مع رئيس للسقاة أو بار مان يُدعى Luigi Steinschneider الذى كان بارعًا، فاخترع قائمة طعام أطلق عليها القائمة الملوكية للإفطار، مكونة من: شرائح اللحم والدجاج والبيض المسلوق مع البطاطس المحمرة.. وصنع المربات بالفندق مع الفواكه والشاى والقهوة، والعشاء مكون من سبعة أصناف متضمنة لحم الخنزير والضأن المصرى.

كانت الإقامة مع الوجبات تكلف نصف جنيه.. أرسى السيد شبرد قواعد النزول فى فندقه فأصبح حديث أوروبا، وانتقى الطهاة من إيطاليا وفرنسا، وفرق الموسيقى من إنجلترا وفرنسا، واقتصر السقاة أو الجرسونات على المصريين والسودانيين. استخدم شبرد سجلاًّ للنزلاء عام ١٨٤٩، فى صورة خانات تسجل الاسم والتوقيع واسم المركب أو العلم المرفوع.

فى سن الأربعين، عام ١٨٦١، باع السيد شبرد فندقه إلى البافارى Philip Zech، بمبلغ عشرة آلاف جنيه إسترلينى.

أعدَّت السيدة نينا نلسون كتابًا عن الفندق استعان به مؤرخنا الهاوى وجاء فيه أن زيادة الطلب على الإقامة بالفدق دفعت مالكيه عام ١٨٩٠ إلى هدمه وإعادة بنائه فى خمسة أشهر على أحدث طراز إيطالى وقتها، عبارة عن مبنى مستطيل يحيط بساحة مزدانة بالنوافير.

مع شرفة متسعة رائعة.. يقال إنها شهدت من المشاهير ألوانًا وأطيافًا عبر قرن من الزمان وحتى احترق فى حريق القاهرة، ولحُسن الحظ أن نسخة من سجله الذهبى ظلَّت سليمة لأن الخواجة شبرد كان قد أخذها معه إلى أوروبا حين باع الفندق.


ومن الأسماء التى سجلت حضورها فى الفندق: الأمير إدوارد، وأمير ويلز، وفيصل ملك العراق، وملكة بلجيكا، وإليزابث، وأمير الدانمارك، وملك إسبانيا، وأمير بروسيا، وبرنار شو، وأمير السويد، وأغاخان، وتشرشل، والرئيس الأمريكى روزفلت، وسيسيل ديميل، وجوزفين بيكر، ومالك «الديلى ميل» و«الديلى ميرور»، وطاغور، وشارلى شابلن، وأندريه موروا، والإمبراطور هيلا سيلاسى، وأغا خان، ومارك توين.


شبرد لم يكن مجرد فندق، يقدم أسرّة ومحل إقامة وطعامًا.. كان قضاء الإجازة فيه موضة سبقت إجازات الكوت دازور والريفيرا الإيطالية.. شبرد فندق الأرستقراطية العالمية الذى لم يكن يحتاج إلى دعاية، وإن كانتة صداقة ربطت ما بين توماس كوك، أول مَن نظَّم أفواجًا للسياحة وبين صامويل شبرد، وضعت الفندق على طريق أهم أثرياء العالم.. كان يكفى أن يكتب أحدهم خطابًا من أى مكان فى العالم على «شبرد.. القاهرة» كى يصل الخطاب ويسلم لصاحبه.


إنه الفندق الذى لا يسمح بتعكُّر المزاج حتى لو شهد حالة وفاة.. يُقال إنه كان هناك صندوق كارتون على شكل ثلاجة، ومكتوب عليه أنه ثلاجة!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات