.

كيف بكت مصر «محمد عبده»؟

Foto

كان محمد عبده، لكن هذا قد تجسَّد يوم رحيله على وجه الخصوص يوليو ١٩٠٥.. عُدّ موته «نازلة»، وقيل إنه يوم «تيتَّم» فيه: العلم والعلماء، والفقراء، والإصلاح والعدل، للبلاغة والبلغاء، للإنسانية جمعاء.


الحقيقة أن مصر كانت تبكى محمد عبده، كل مرة تحس أنها فى مواجهة محاولات جذبها إلى الوراء، أو ما أطلق عليه «للخلف دُر».. أو أن مصر كانت تعيد تشييع محمد عبده، مع كل تراجع للإصلاح.. جرى ذلك على مدى عقود وعقود.. كان محمد عبده، لكن هذا قد تجسَّد يوم رحيله على وجه الخصوص يوليو ١٩٠٥.. عُدّ موته «نازلة»، وقيل إنه يوم «تيتَّم» فيه: العلم والعلماء، والفقراء، والإصلاح والعدل، للبلاغة والبلغاء، للإنسانية جمعاء.


محمد رشيد رضا (منشئ «المنار»)، يقول: «ما رأينا أحدًا مات، فبكاه السنى والسلفى، وحزن عليه الأباضى والشيعى، ورثاه اليهودى والنصرانى، وابنه الشرقى والغربى، واستوى فى التعزية عنه القريب والأجنبى، مثلما جرى مع: الشيخ الإمام».


بالمعايير الإصلاحية، وعلى محدودية تواصل العالم، وقت رحيل الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٥، عُدّ غيابه فقدًا وخسارة «للبشر أجمعين»، ووَفقًا للحدود المعروفة فى ذلك الوقت: «الآسيوى والإفريقى والأمريكى والأوروبى.. للعربى والتركى والفارسى والمالاوى والإفرنجى والبربرى».


محمد رشيد رضا سجَّل حين رحل محمد عبده ما قام بتصنيفه ما بين تعازٍ وأشعار وتأبين وخلافه وقام بفهرسته ووزَّعه على أقسام: جرائد عربية وجرائد إفرنجية وثالثة فارسية وتركية، دون أن يفوته ما كتبته الجرائد الهندية.. ولسوف يندهش القارئ على سبيل المثال من «غيرة» غير المسلمين لما رأوا المسلمين يعدون رحيل محمده عبده «خسارة» للمسلمين وحدهم.


يوم الأربعاء ٩ جمادى الأولى الموافق ١٣ يوليو ١٩٠٥، قالت جريدة «الأهرام» فى عددها «٨٣٠٣»: «مصباح أضاء فى عالم الأدب والفضل والعلم ٢٧ سنة، ثم انتبته الأسقام منذ أربعة شهور حتى اطفأت منه فى الساعة السادسة من مساء أمس نورًا ساطعًا.. مات الشيخ الكبير والأستاذ النحرير والعالم الشهير: مفتى الديار المصرية»، تصف «الأهرام» تلقيها الخبر من الإسكندرية ومشهد الجنازة: «لما كانت الساعة العاشرة من صباح اليوم، ماجت محطة الرمل فى الإسكندرية بالمئات والألوف من الجنود والعساكر والبحارة وتلامذة المدارس والمشيعين من موظفى الحكومة وكبار العلماء والذوات والأعيان من كل عارف بفضل الفقيد العظيم.. حمل النعش على أكتاف الرجال وسار فى المقدمة العساكر والجنود والبحارة وخيالة البوليس والسيوف فى أيديهم، وفى المقدمة من المشيعين كان فخرى باشا وكعبانى باشا وبينهما صاحب الدولة رياض باشا ومظلوم باشا وآرتين باشا وأصحاب المناصب السامية.. سار الموكب من محطة الرمل إلى شارع النبى دانيال إلى محطة باب الحديد، فأودع النعش فى المركبة المخصصة لنقله إلى القاهرة، حيث يُقام المشهد الكبير. وذكرت جريدة «الأهرام» بعد صفحات من الوصف الدقيق وفى موضع آخر، ورود تلغرافات عن موت رجل من كتاب الإنجليز كان فى كتاباته وأقواله من أعدى أعداء الإسلام هو السير ويليام موير، كما كان الشيخ أكبر مدافع عن الإسلام «وحدثنا أفاضل إيرانيون أن فلكيًّا مصريًّا تنبأ عن وفاة المفتى هذا العام فى نتيجة تعرف بنتيجة الزرقاوى وقد طبعت من ثمانية شهور وكان فيها بيتان من الشعر:


ألا يا رحمة الرحمن صبى على قبر حوى روح الإمام
ويا ذا الأزهر اندب ليث غاب فمن يفتى إذا الأستاذ نام
وقالت جريدة «الشرق»:


مات العلم والعمل والهمة والإقدام.. مات الأستاذ الأعظم والمصلح الأكبر
نشفق على مصر أنها فقدت بموت الإمام أغلى درة فى تاريخ الإسلام


أيها الإمام إنك قد مت شهيدًا ولكن يكفيك أنك حاربت الجهل وخدمت الأمة.. وقال عنه الأفغانى «إنه لمصر أقوى من أسطول وأعز من جيش»، عن «ترجمة الفقيد» قالت الجريدة: «هذا الفقير الذى ولد من أبوين فقيرين من أهالى محلة نصر غربية، كان يضرب بهما المثل فى الشجاعة والورع والكرم حتى قيل إن بيتهما بغير باب، وكان الأستاذ يفخر بذلك كثيرًا، وقيل إن ضيفًا حل علينا صباح يوم ولم يكن عندهما شىء من الزاد لفقرهما، فقدما له اللبن الذى كان معدًّا لغذاء الفقيد وهو صبى فى المهد، فأمضى الفقيد نهاره جائعًا باكيًا».. ويروى أن أباه أدخله فى السابعة من عمره، كُتَّاب القرية ولم يرد له أن يكون فلاحًا، لكن الشيخ كان يريد أن يكون فلاحًا مثل أبيه وإخوته، وأنه توسل للجميع وأمضى سنوات ثلاث دون أن يحفظ شيئًا ثم سنوات ثلاث فى جامع الأحمدى، وأيضًا لم يحفظ شيئًا، وقال فى تعليل ذلك إن الذى كان يعوقنى عن تفهُّم المقصود ثلاثة أمور: رغبتى أن أكون مثل إخوتى فلاحًا، وعدم وجود الوسائل التى ترغبنى فى العلم والتدريس، بحيث كنت أسمع الشيخ وهو يدرس فأحسبه يتكلَّم بلغة أجنبية، والسبب الثالث هو ما اتفق عليه الطلبة من مضايقة معدهم بالتغذية الضارة مما يكون معه اعتلال الجسم «لكن إصرار أبيه على تعليمه دفعه إلى (أن يحصل فى اليوم الواحد ما يحتاج إلى عامين)»، ومما يروى عن ذكائه أنه لم يمر عليه شهر فى كتاب الكفراوى فى النحو حتى بدا له شىء من خلط الكتاب وتناقضه فى بعض الواضع، فنبَّه شيخه واعترف الشيخ، قائلاً إنما ندرس هذا الكتاب تبركًا!


تولَّى الشيخ تحرير «الوقائع المصرية» وكانت فى عهده آية فى الإعجاز، وعُيِّن مديرًا للمطبوعات المصرية، وأهم ما قام به هو تدريسه القرآن الشريف بما لم يسبقه إليه أحد، حتى كان شرحه وتفسيره شرحًا علميًّا خاليًا مما حشاه السابقون.. ومن أهم أعماله النافعة أن وجه نظره إلى الأزهر الشريف، فأصلح ما قدر على إصلاحه.


وذكرت عنه جريدة «الجوائب المصرية» أن من عجائب عصره أن تفسيره للقرآن العظيم وهو على كونه لم يخرج عن تفاسير الأقدمين فى مضمونه، فإنه قد بلغ فيه الغاية فى سهولة التعبير مع حسنه وجدة الترتيب مع القرب إلى الاجتهاد، وأنه فى الفقه كانت له من محكمات «الفتى»، مما يدل على إلمامه بأطراف المسائل المتشعبة وأخذه بالأرجح فى الغالب من الأمر، ومن غرائب عصره أنه خرج على ذلك التوسع فى العلوم الشرعية وذلك الاقتدار فى التحرير والتعبير.. تعلَّم اللغة الفرنسية، ولم تكن إلا بضعة أشهر حتى أحسنها تكلمًا وكتابة.. وكان وفيًّا لأصدقائه، شديدًا على خصمه برصانة وتؤدة.


رأت جريدة «الظاهر» فى رحيل محمد عبده «الخطب الجلل»: «أرأيتم كيف زلزل الأرض زلزالها؟ كيف تقذف الأقدار أهوالها؟ نهض الفقيد بإصلاح خدمة الإسلام وإصلاح حال الأمة المصرية نهضة ترزح دونها رجال العصور.. فى كل ما عهد إليه من أعمال مجلس شورى القوانين ومجلس إدارة الأزهر ولجنة إصلاح المحاكم الشرعية والجمعية الخيرية الإسلامية.. وحسب الأمة المصرية أنها لم تكن تتقدم للفلاح لولا أن أتاح لها الله الفقيد.

أما جريدة «المؤيد» فبعد وصفها للمصيبة العظمى برحيل الشيخ الكبير فذكرت ضمن ما ذكرت أن القطار المخصوص الذى حمل نعش الفقيد المغفور له مفتى الديار بين القاهرة والإسكندرية كان قطارًا مخصوصًا على نفقة الحكومة، وأنه مر على عواصم المحافظات التى احتشدت الجموع على محطاتها باكين آسفين، وأنه عند محافظة البحيرة التى ولد الفقيد فى إحدى قراها كان ألوف الألوف على رصيف المحطة، كما ذكرت أنه عند وصول النعش إلى الأزهر كان العلماء والطلبة والمؤذنون فوق المنابر يرتلون سورة «الأبرار».

وعن مزاياه قالت جريدة «المقطم»: «لا نقول إنه كان الكمال، لكن أبرز ميزاته أنه كان علمًا يهتدى بنوره فريق المحافظين الذى لا يروقهم ما جرى عليه المتقدمون وكان قائدًا للآراء ومديرًا للأفكار، وكان الأبعد نظرًا فى حقائق الأمور وعواقبها، غيورًا على ارتقاء الأمة المصرية»، كان فى بلاد الشرق، بلاد الخوف والرهبة والاستبداد، رجلاً جرىء الفؤاد حر الضمير يجاهر برأيه ولا يخشى بأس متسلط ولا صولة كبير، وقد جر عليه ثباته على رأيه وجرأته وقلة خوفه أهوالاً كثيرة ومصايب ومحنًا، ولكن لما استبدل بالاستبداد الدستور فى هذا القطر أوصلته هذه المزايا إلى ما وصل إليه من تقدُّم وعز ونفوذ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات