.

الفراخ المجمدة ومسلسل «التار البايت» بين الحكومة وصناعة الدواجن المحلية

Foto

لماذا تهمل الدولة دعم وتطوير صناعة هامة وعملاقة كصناعة الدواجن؟


تُعد صناعة الدواجن إحدى أهم الصناعات التى ترتبط بالأمن الغذائى فى مصر، إذ تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أن حجم استثماراتها يبلغ أكثر من 60 مليار جنيه، بينما يبلغ حجم العمالة التى تستفيد منها، بصورة مباشرة وغير مباشرة، نحو 16 مليون شخص، الأمر الذى يؤكد أهمية تلك الصناعة بالنسبة إلى الاقتصاد المصرى، على الرغم من مرورها بسلسلة طويلة من الأزمات، لعل أهمها ما تعرضت له فى العام 2006، بعد انتشار فيروس «أنفلونزا الطيور» الذى ضخَّمت منه الدولة آنذاك، ولم تتعامل معه بشكل علمى؛ ما أدى إلى تدمير تلك الصناعة وتقلّص إنتاجيتها وارتفاع أسعار الدواجن والبيض بصورة لم يسبق لها مثيل، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن وهى تعانى فى ظل غياب شبه تام من الحكومة، التى تركت تلك الصناعة أسيرة لكبار التجار والمستوردين والمحتكرين الذين سيطروا على سوق الأعلاف والذرة الصفراء وفول الصويا والمُركّزات النباتية والأدوية واللقاحات والمستلزمات الأخرى التى تدخل فى تلك الصناعة، بل إنها تترك بورصة الدواجن نفسها نهبًا لكبار التجار والمنتجين والسماسرة، ولا تباشر عليها رقابة من أى نوع. ومما يُعجب منه أن الحكومة لا تكاد تمتلك قاعدة بيانات أو إحصائيات رسمية صحيحة تتعلق بتلك الصناعة وأسواقها والمنتجين، وهو ما يثير الدهش ويؤكد أن الحكومة لا تلتفت على الإطلاق إلى أهمية تلك الصناعة المحلية كونها أحد أهم مصادر البروتين الحيوانى الذى يتدنى نصيب المواطن المصرى منه على المستوى العالمى!

 

واستمرارًا لمسلسل «التار البايت» بين الحكومة وصناعة الدواجن المحلية، طرحت الحكومة، بكميات كبيرة، داخل أفرُع شركة المجمعات الاستهلاكية، دواجن مستوردة مجمَّدة، يبلغ سعر الدجاجة الواحدة 17 جنيهًا فقط (..)، الأمر الذى أثار جدلاً وقلقًا كبيرَين، وذلك لتدنى أسعار ذلك الدجاج. ومما عزَّز ذلك الجدل والقلق أن الحكومة عرضت أيضًا كميات كبيرة من الدواجن البرازيلية المجمدة التى تنتهى صلاحيتها بنهاية شهر فبراير الحالى (..)، وتوالى خلال الأيام الماضية أيضًا وفى وضح النهار، تحت سمع وبصر الحكومة وجهاتها الرقابية والأمنية، بيع دواجن برازيلية مجمدة (lepon) على الأرصفة بأسعار تتراوح بين 15 و17 جنيهًا، وهى أسعار تؤكد أن ثمة أمورًا مريبة تحدث، وإن أعلن كثير من المواطنين المستهلكين رضاهم عن ذلك باعتبارها «أحسن من مفيش!»، ولم تملك بعض الغرَف التجارية على مستوى الجمهورية إلا أن تعلن أن بيع تلك الدواجن المجمدة بتلك الأسعار المتدنية إنما هو بسبب قرب انتهاء صلاحيتها، ومما يؤسَف عليه أن يعلن الدكتور علِى المصيلحى، وزير التموين والتجارة الداخلية، أن الدواجن المجمدة التى يتم طرحها بمنافذ المجمعات الاستهلاكية وفروع الشركات التابعة، جيدة ولن تنتهى صلاحيتها إلا بانتهاء شهر مارس، ولم يتجاسر الوزير المصيلحى على الاعتراف بأن الذى دفع الوزارة إلى طرح هذه الكميات من الدجاج بتلك الأسعار المتدنية ليس حرص الحكومة على تخفيض الأسعار، وإنما اضطرت الحكومة إلى البيع بأقل من سعر الشراء بسبب قرب انتهاء صلاحية الدواجن المجمدة، تنفيذًا لمبدأ «أخَف الضررَين!» ليس إلا، كما لم يتجاسر الوزير فيُعلن أن هذه الدواجن المجمدة التى على وشك انتهاء صلاحيتها، بلا قيمة غذائية على الإطلاق!

 

الحكومة تتذرع بأنها تقف فى صف المواطن الفقير محدود الدخل، فتعمل على توفير منتجات غذائية له بأسعار رخيصة، وعليه فهى تقوم بإغراق الأسواق بكميات رهيبة من الدواجن المجمدة، بمساعدة وإشراف من جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، دون أن تدرك أو تحس بأن ما تفعله إنما يدمّر صناعة محلية ضخمة، يبلغ حجمها أكثر من 60 مليار جنيه، كما ألمعنا سابقًا، وهى صناعة تلتئم طائفة من الصناعات الأخرى المغذية والمستفيدة منها بشكل غير مباشر، ما يعنى أن سياسات الحكومة لا تدمر مزارع الدواجن فقط، بل إنها تدمر صناعة الأعلاف والأدوية والخدمات البيطرية ومحلات التجزئة ومحلات البقالة والهايبرات وقطاعات النقل، وغير ذلك من صناعات وخدمات ترتبط تمام الارتباط بصناعة الدواجن، وهو ما يعكس حجم التخبُّط الحكومى المستمر إزاء تلك الصناعة الهامة جدا!

 

الأخطر مما سبق يكمن فى سيطرة جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة على عمليات الاستيراد وإدارة المشتريات فى الجهاز الحكومى؛ لأن هذا الأمر ببساطة شديدة من شأنه القضاء على التنافسية، فضلاً عن كونه يضع القوات المسلحة فى موضع بعيد عن الشفافية، ونحن لا نفهم لماذا يتم استيراد تلك الكميات الضخمة من الدواجن المجمدة عن طريق القوات المسلحة تخصيصًا وليس عن طريق وزارة التموين وأجهزتها المعنية؟! إن مجرد دخول القوات المسلحة فى مجال كهذا سيقضى -لا محالة- على الاستثمار المتوقع لتطوير صناعة الدواجن، ما ينعكس بشدة على الأوضاع الاجتماعية فى مصر، وإذا كان استيراد القوات المسلحة للدواجن المجمدة يتم دون جمارك، فهذا معناه دعم الصناعة الأجنبية لا الصناعة المحلية، الأمر الذى يقضى تمامًا على التنافس الحر تحت دعاوى مصلحة المواطنين الفقراء، ولو أن الحكاية تتعلق بمصلحة المواطنين الفقراء فمن باب أولى دعم الصناعة المحلية ولوازمها من أعلاف وعليقة وأدوية ولقاحات وأمصال ومركزات نباتية وغير ذلك، وليس المساعدة على انهيارها الذى يكلف الدولة سنويًّا قرابة 200 مليار جنيه!

 

من السهل جدا أن يتذرع وزير التموين بمصلحة الفقراء، وترديد بضعة شعارات بغرض الاستهلاك المحلى، ولكن الأمور تختلف تمامًا على أرض الواقع، فالدولة تتحمل ملايين الدولارات لاستيراد كميات ضخمة من الدواجن المجمدة الرديئة، سواء من البرازيل أو أوكرانيا، ولا تدرك أن هذه الكميات، على ضخامتها، لا تصل إلى المواطنين جميعهم، وفى المقابل ترتفع أسعار الدواجن المحلية الحية والمذبوحة، بسبب سياسات الحكومة وتجاهلها دعم صناعتها وحل مشكلاتها ومواجهة معوقات النهوض بها.

صناعة الدواجن فى مصر.. التدمير مستمر بيد الحكومة لا بيد غيرها!

 

 

 

 

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات