.

السينما.. والأدب

Foto

لم تكن السينما وقتها إلا تسجيلاً للواقع.. كانوا يصورون الطبيعة أو القطار أو حركة الناس فى الشارع..


عندما جاء الأخوان لومبير من مدينة ليون الفرنسية بأول شريط سينمائى مصوّر وصامت، كان على كل مُتفرج أن يدفع فرنكًا فرنسيًّا كى يتمكن من الدخول إلى الصالون الهندى فى الطابق تحت الأرضى لمقهى «جراند كافيه» بباريس.

لم تكن السينما وقتها إلا تسجيلاً للواقع.. كانوا يصورون الطبيعة أو القطار أو حركة الناس فى الشارع.. كانت سينما إخبارية، وكان المدهش بالنسبة إلى الناس أنها ترى حياتها على الشاشة.


هل ظل الناس يفتشون عن ذواتهم على الشاشة طوال الوقت؟ ثلثا إنتاج سينما العالم مأخوذ عن فن الرواية، على اعتبار أن الرواية مصدر رئيسى للنظر داخل الإنسان، ومع ذلك كان جارثيا ماركيز يشعر بنوع من الاستعلاء أو الفوقية إزاء السينما، فكان يرفض تحويل بعض رواياته إلى أفلام، وعلى الرأس منها «مئة عام من العزلة». يقول عبد الرحمن نجدى، الذى أسهم فى ندوة عن السينما العربية عُقدت قبل عامين فى الإسكندرية عن السينما العربية، تحت إشراف المعهد السويدى وبتنظيم من منظمة الوحدة الإفريقية.. إن عددًا من الكتب العظيمة نُقلت إلى السينما، منها: «طار فوق عش الوقواق، عازف البيانو، لا وطن للمُسنين، عربة اسمها الرغبة».

بل إن هناك أفلامًا فاقت الروايات المأخوذة عنها نجاحًا، ومنها: الأب الروحى والفك المفترس.

وهناك كتب أفسدتها السينما؛ مثل جاتسبى العظيم. بالنسبة للسينما المصرية، ووفق دليل أعدّه الأستاذ محمود قاسم، فإنه فى العشر سنوات الأولى للسينما المصرية، تم إنتاج ثمانين فيلمًا طويلاً، تسعة منها مأخوذة من كتب، وأهمها فيلم «زينب» لمحمد حسين هيكل، وفيلم «وداد» لأحمد رامى، وعملان استندا لأعمال أجنبية: «دموع الحب» عن «ظلال الزيزفون»، و«عمر وجميلة» عن قصة لهنرى بوردو. سنة ٦٠، تم اقتباس ١٤ فيلمًا من ٦٠ فيلمًا تم إنتاجها، منها «البنات والصيف» لإحسان عبد القدوس، و«الرباط المقدس» لتوفيق الحكيم، و«نداء العشاق» لعبد الحى أديب، و«بداية ونهاية» لنجيب محفوظ. فى عام ٦١، ظهر «السفيرة عزيزة» لأمين يوسف غراب، و«لا تطفئ الشمس» لإحسان عبد القدوس، و«نهر الحب» عن «آنا كار نينا». عام ٦٢، اقتبست السينما المصرية تسعة أفلام من ٤٦ فيلمًا، منها «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، و«ألمظ وعبده الحامولى» لجودة السحار.

وحتى عام ٦٩، أنتجت السينما ٥٤٤ فيلمًا، منها ١١٨ فيلمًا تستند على كتب وروايات، أبرزها: زقاق المدق لمحفوظ، وسجين الليل عن «الغريب» ليوسف إدريس، والأيدى الناعمة للحكيم، والنظارة السوداء لإحسان عبد القدوس. تلا ذلك «بين القصرين» لمحفوظ، و«الحرام» لإدريس، و«المستحيل» لمصطفى محمود، و«هارب من الأيام» لثروت أباظة. قبل عام ٦٧، كان المعدل العالى لإنتاج السينما، وكذلك للاعتماد على الأدب، فنجد عام ٦٦، خمسين بالمئة أفلامًا مأخوذة عن أعمال أدبية، أبرزها «خان الخليلى» لمحفوظ، و«يا عزيزى كلنا لصوص» لإحسان، و«عدو المرأة» للتابعى. والعام التالى اقتربت النسبة من ستين بالمئة «١٩ فيلمًا من ٣٠»، وبعدها «١٥ من ٣٧»، ثم ١٥ من ٤٤ فيلمًا عام ٦٩. مع سنوات التسعينيات التى تم فيها إنتاج نحو أربعمئة فيلم، تتناقص النسبة إلى أن تصل إلى ستة أفلام عام ٩٩ من سبعة عشر فيلمًا.


عام ١٩٩١، أنتج فيلم «الكيت كات» عن قصة «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، والذى كانت بطولته لفناننا الراحل محمود عبد العزيز. عن التعامل السينمائى مع النص الأدبى، يقول الناقد التونسى كمال الرياحى إن المخرج داود عبد السيد قام بما يمكن أن نسميه اقتباسًا حرًّا، قدم فيه رؤيته للعالم من خلال نص أدبى، فجعل من النص منطلقًا، ولم يخضع لسلطة النص، بل أعاد بناء عالمه بالشخصيات نفسها التى بنى بها إبراهيم أصلان «مالك الحزين»، ولكن بوجهة نظر أخرى وبترتيب مختلف، مغيرًا ما يتناسب مع رؤيته فجعل من الشيخ حسنى بطلاً رئيسيًّا فى الفيلم، تنطلق منه الأحداث وإليه تعود، فجاء الفيلم يقتفى أثر الشيخ حسنى ومغامراته وأسرار الحى، فوُلد الفيلم من رحم نص أدبى تحرَّر منه بوجهة نظر جديدة، لتبقى العلاقة ما بين السينما والأدب علاقة جدَلية فيها تكامل وإثراء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات