النار هنا.. والجنة هناك فى أوروبا

Foto

الرواية تناقش، أساسًا، قضية التحول الدينى، سواء من المسيحية إلى الإسلام، أو العكس، غير أن هذا التحول يتم عن غير اقتناع، للهروب من ظروف ما، أو للبحث عن مكاسب أخرى، لا يمكن الوصول إليها إلا بالدخول فى دين معين.


ما بين أسيوط القابعة فى صعيد مصر، واليونان التى تنعم برغدِ قارة أوروبا، تدور أحداث رواية الكاتب عادل سعد التى سمّاها «رمضان المسيحى»، وصدرت حديثًا عن سلسلة روايات الهلال.

الرواية تناقش، أساسًا، قضية التحول الدينى، سواء من المسيحية إلى الإسلام، أو العكس، غير أن هذا التحول يتم عن غير اقتناع، للهروب من ظروف ما، أو للبحث عن مكاسب أخرى، لا يمكن الوصول إليها إلا بالدخول فى دين معين.

يقول الروائى على لسان أحد أبطاله ويُدعى أحمد: «فى مصر العيال بالدقون يكبّروا لأن واحد مسيحى أسلم، وهنا بيهللوا عشان مسلم اتنصَّر، والاتنين أولاد كلب». الرواية تُصوّر طقس التحول هذا، فى مشهد روائى دالٍّ، يقول الروائى فيه: «وسط عدسات التليفزيون، تناول القربان، ليولد على الهواء مباشرة مسيحيًّا من جديد، وبعد مراسم تغطيسه وتعميده، انحنى خاضعًا، ولمّا نهض رسم البطرك علامة التثليث على صدره، وأعلنت المذيعة فى وقار، وهى تتابع طقوس الكنيسة البطيئة: رمضان تذوّقَ قطعة صغيرة من الخبز (البرشان) مغموسة فى القليل من الخمر، الذى يُمثّل دم المسيح، رمضان صار الآن واحدًا من أبناء الكنيسة، مسيحيًّا، تعمَّد ببيت الرب، وتناول القربان المقدس ونال بركة (سر الأفخارستيا)، وحرصًا على حياته، صار فى حماية اليونان، ولاجئًا سياسيًّا، لأن الهمج قد يقتلونه كأحد المرتدين».

مشاهد التحول الدينى هذه كانت كثيرًا ما تتكرر على شاشة التليفزيون اليونانى، مما كان يُشْعر المسلمين بالغضب، ويرون فى هذا إهانة للعرب وللمسلمين. لقد تحول رمضان عن دينه، وأصبح مسيحيًّا ليحصل على اللجوء السياسى، فارًّا من نار مسقط رأسه، إلى جنة اليونان والحرية التى لا سقف لها ولا قيود، كى يعيش فى أمان ولا يجرؤ أحد على تهديده بترحيله إلى بلاده، أو بالزج به فى السجن، وها هو يعلن بعد دخوله المسيحية أمام أحد أصدقائه المسلمين: «أنا مسلم واعرف ربنا أكتر منك، وربنا قال الدين فى القلب».

رمضان الذى سأله أصدقاؤه لمَ فعل هذا، أجابهم بأن دين ربنا قال فيه جنة وفيه نار، الجنة بالنسبة له هى النسوان، وماتيلدا وويسكى، ومارلبورو، وفراخ، وخوخ جورمادس، أما النار فهى فى مصر، فى الأوضة الحَرّ، فى أمه الزهقانة، وريحة البول، وزوجته وأطفاله الأربعة، وبوابير الجاز، والفول والطعمية، والسجاير الفرط، والموت فى خنقة الأوتوبيس. رمضان يستنكر سؤال أحد أصدقائه عن ذلك قائلًا له: «وبعدين ارحمنا، عاملْ مندوب ربنا، وكل يوم تنط على تلات نسوان، وتقربع قزازة ويسكى.. دااا غير اللى بتعمله مع الواد اليونانى صاحبك».

هنا يمكننا أن نستشف أن الرواية تناقش أيضًا قضية التدين الظاهرى لكثيرين، الذين يُصدِّرون تدينهم للناس بأقوال جوفاء فقط، فيما تعلن أفعالهم أنهم لا يعرفون أى شىء عن أى دين. كذلك نستشف أن الرواية تقول لنا إن الجهلاء الذين لا يعرفون عن الدين سوى اسمه، هم وحدهم الذين يُنصِّبون من أنفسهم دعاةً وحُماةً له ضد الآخرين، وهذا ليس حبًّا فى الدين، ولكن لأغراض فى أنفسهم، وأهداف يريدون الوصول إليها، عبر ركوب سفينة الدين. إلى جانب هذا تتعرض الرواية إلى مسألة هجرة بعض المصريين إلى الخارج، خصوصًا أوروبا، راصدةً المعاناة التى تعترض طريقهم أثناء ذلك، من بحث شاق عن عمل، أو عن سكن.

الرواية تناقش، فضلًا عن هذا، وعلى التوازى، بعض القضايا السياسية التى تتعلق بالوطن العربى، وما يمر به من تغيرات، مرورًا بالثورة الإيرانية والشيوعية واللجوء السياسى، وترصد الحرية التى ينعم بها الأوروبيون الذين يفعلون كل ما يريدون متى وأينما شاؤوا، بعيدًا عن كل العُقد، وأولها عُقدة الدين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات