.

الحلاج «الحكاية الكاملة».. محاكمة الحلاج كانت سياسة إلهاء

Foto

كيف حاول حامد بن العباس إلهاء الناس بمحاكمة الحلاج؟


حتى لا ننشغل نحن أيضًا بمشهد إعدام الحلاج فقط دون رصد المشهد السياسى العام، فعلينا التدقيق فى الأحداث التالية بشىء من التروى، ففى سنة «307هـ/ 919م كانت الأزمة المالية الطاحنة التى مرت بها الخلافة العباسية، وهاجم العوام المحتكرين والمخازن، وتم اقتحام السجون، حتى إن الحلاج رفض الهرب من سجنه، وبعد استقرار الأمور قليلا استطاع حامد بن العباس أن يتآمر مع القاضى المالكى أبى عمر الحمادى، وتغيرت التهمة بالانضمام إلى الحركة القرمطية، حتى إن أم الخليفة حاولت كثيرا مع ابنها الخليفة تغيير حكم الإعدام المُعد سابقًا، ولكن حامد، حسب تعبير أحد الباحثين، لوح أمام الخليفة بشبح ثورة اجتماعية حلاجية، وفى الغداة وقع الخليفة أمرًا بإعدام الحلاج.

وكذا فعلينا أيضًا قراءة النصوص التالية جيدًا، ففى عام «307هـ/ 919م ضجت العامة من الغلاء، وكسروا المنابر، وقطعوا الصلاة، وأحرقوا الجسور، وقصدوا دار الروم ونهبوها، فأنفذ المقتدر من قبض على عدد منهم واستدعى حامد لبيع الغلات التى له ببغداد فباعها ونقص السعر خمسة دنانير، أى أن حامد بن العباس قد استغل سلطته وقام بممارسات احتكارية فاسدة، وفى سنة «308 هـ/920م " غلت الأسعار ببغداد، وشغبت العامة، ووقع النهب، فركب الجند فهاوشتهم العامة، وسببه ضمان حامد بن العباس السواد وتجديد المظالم، فقصدوا دار حامد، فخرج إليهم غلمانه فحاربوهم، ودام القتال أيامًا، ثم انكشف عن جماعة من القتلى، ثم تجمع من العامة عشرة آلاف، فأحرقوا الجسر، وفتحوا السجون، ونهبوا الناس.. واختلت أحوال الدولة العباسية، وعلت الفتن، ومُحقت الخزائن. وكان السبب الرئيسى فى كل هذا الخلل الاقتصادى والاجتماعى والإدارى هو السياسات الفاسدة لحامد بن العباس، وهو ما فطن إليه العديد من المؤرخين  ففى سنة «308هـ /920م ظهر اختلال الدولة العباسية، وجُيشت الغوغاء ببغداد، فركب الجند، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العباس، فقصدت العامة داره، فحاربهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، فدام القتال أيامًا، وقُتل عدد كثير، ثم استفحل البلاء، ووقع النهب فى بغداد، وحسب نصوص أخرى أنه فى سنة «308هـ/920م زاد شغب الناس ببغداد على حامد بن العباس الوزير؛ بسبب غلاء الأسعار، حتى صاروا إلى حد الخلعان. كل ما سبق كان هبَّات وحركات شعبية سماها ماسينون (مظاهرات من أجل لقمة العيش)، كان سببها (الفُحش الضريبى من حامد بن العباس)، وسياساته المالية المتهورة والمجحفة.
والنصوص السابقة بطبيعة الحال تبرز كيف كان الخلل الاقتصادى الناجم عن سوء سياسات حامد بن العباس يضرب أركان الدولة العباسية، وكان حامد بن العباس نفسه يعرف جيدًا أنه سبب الأزمة لدرجة أنه وقت اشتداد الأزمة طلب من الخليفة أن يعفيه من منصبه، قائلا له: «فقد جاء من العامة ما ترى، وظنوا أن هذا الغلاء من جهتى»، وهكذا كان الشارع السياسى والاجتماعى ملتهبًا وينذر بثورة حقيقية؛ لذا كان توظيف سياسة الترهيب والإلهاء مناسبًا بامتياز لهذه الفترة، وهو ما أشار إليه أحد كبار المستشرقين عندما قال: «ويبدو أن قتله قد أملته دوافع سياسية».
ولمعرفة مدى فزع السلطة من الحلاج لا يوجد أفضل من استحضار مقولة حامد بن العباس للخليفة المقتدر: «إن بقى قلب الشريعة، وارتد خلق على يديه، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعنى أقتله»، وفى خطابه للخليفة قال له أيضًا: «إن أمر الحلاج قد اشتهر، ولم يختلف فيه اثنان، وقد افتتن به كثير من الناس»، ويبدو أن حامد بن العباس قد تدخل بكل ثقله السياسى للقضاء على الحلاج. ومن المفارقات الهامة أن وقت انشغال المجتمع بالأزمة الاقتصادية العاصفة، وكذا إلهائهم بمحاكمة الحلاج كان حامد بن العباس يمارس فساده المالى، إذ قدم فى عام «309هـ/921م للخليفة بستانًا بناه وسماه الناعورة، قيمته مئة ألف دينار، وفرش مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة. ويصف (ماسينون) حامد بن العباس معلقًا على جميع ممارساته قائلا: وهو نموذج لجابى الضرائب، محتال، متوحش، طماع، بلا ذمة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات