فى بيتنا رمضان.. الفقراء الذين لا ينفعهم الصوم

Foto

هل يشعر الصائمون فعلًا بالفقراء؟ وهل يستفيد الفقراء إذا لبس الناس ملابس بالية مثلهم؟


يُقبل رمضان بالخير دائمًا، نسعد بقدومه، نصومه ونصلى ونزكى، ونظن أن الجميع كذلك، إليكم نماذج ليست قليلة فى المجتمع، لكنها تتعامل مع رمضان بطريقة مختلفة، اكتشافها واجب وتجاهلها خطيئة. فى هذه المساحة سنعرض وجهات نظرهم، ليس اقتناعًا وإنما بحثًا عن الحل.

...

جلس الأب أمام المائدة ساعة الإفطار، التف حوله أبناؤه، وجاءت زوجته من المطبخ بآخر صنف من الطعام، وجلست فتمتم الأب بالدعاء وطالب أبناءه بالدعاء لله فى هذه اللحظة، لأن للصائم فرحتين، ساعة فطره وساعة أن يلقى الله فى الآخرة، وإن هذه الدقائق هى من أوقات استجابة الدعوة للصائم الذى له دعوة ساعة فطره لا تُرد. رفع الأب أكف الضراعة عالية، ودعا بكل خشوع، وجمعت الأم كفيها متجانبين وقربتهما من وجهها، ورأسها لأسفل، تكاد تبكى من فرط دعائها، أما باقى الأبناء فما بين مُدَّعٍ ومتكاسل ورافع يده ساخرًا. انطلق صوت المؤذن معلنًا انتهاء صيام يوم شاق حار، وبدا الجميع يعبئون من الماء المثلج والعصائر المنعشة المسكرة تعبئةً، ويلتهمون من الطعام اللذيذ الذى أعدته الأم بكل نهم، وقال الأب بصوته المتهدج: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله. قال الابن الأكبر «محمد« ساخرًا: أهم حاجة فى الصيام ذهب الظمأ. فقال الأب: طبعًا، لأن حكمة فرض صيام رمضان أن يشعر الغنى بمعاناة الفقير. فقال الابن: على كده المفروض الفقير ما يصُمش؟ فقالت الأخت: ليه؟ قال: علشان هو هيشعر بمعاناة مين؟ فقالت الأم: يصوم علشان يشعر بمعاناة الأفقر منه. فقال الابن الأوسط أحمد: بس إحنا بنصوم من سنين طويلة وعمرنا ما حسينا بالفقراء. فقال: لأنك ما بتحسش ومش مشكلة الإسلام أن فى واحد ما عندهوش دم زيك. ابتسم الابن وقال: تسلم يا حاج. فقال الابن الأكبر: إحنا فعلًا عمرنا ما حسينا بالفقراء، لم أشاهد أمى مرة عزمت جيرانًا فقراء فى البيت، ولم أشاهد حضرتك، يا بابا، غيرت طريقة تعاملك مع الفقراء، فصدقتك للفقراء قبل الصيام هى كما هى بعد الصيام، الحقيقة، يا بابا، نحن نشعر بالعطش والجوع فقط. فقالت الأم: هذا هو ما يشعر به الفقير. قال الابن الأكبر: غلط، يا ماما، الفقير يشعر بالحرمان وليس بالجوع والعطش، لأنه إذا جاع أكل، لكنه يأكل طعامًا أقل جودة، وإذا عطش شرب من أى حنفية مياه أو من سبيل.. الفقير يشعر بالحرمان من الأمان المجتمعى، ولا يوجد فقير جائع بالمعنى البيولوجى. فقالت الابنة تصدق على كلامه: صحيح، يا ماما، مش إنتِ دايمًا تقولى مافيش حد بيبات من غير عشا، وما دام فيه رغيف وحتة جبنة ممكن يكون عشا مشبع. فقال الأب: بس فى النهاية الصائم شعر بالحرمان أيضًا مثل الفقير تمامًا. فقال الابن الأكبر: كيف شعرت بالحرمان، يا بابا، وأنت أمامك كل هذه الأطعمة المبهجة والمشبعة؟! هل الحرمان هو تلك الساعات القليلة التى امتنعنا عن الطعام والشراب فيها؟! ثم قال الابن الأوسط: أيضًا فكرة أننا نصوم علشان نشعر بالفقراء غير واقعية ولا تفيد الفقراء. فقال الابن الأكبر: الفقراء يرتدون ملابس رثة وأسمالًا بالية، ماذا يستفيد الفقير إذا طلب الله من الناس أن يرتدوا ملابس بالية مثل الفقراء؟ لا شىء، الفقير كان يريد أن يأمر الله الأغنياء بأن يعطوه ملابس جديدة مثلهم، لا أن يرتدوا أسمالًا بالية مثله، ثم ماذا استفاد الفقير من حرماننا هذا لو أن الصيام يجعلنا مثلهم؟ لماذا لا يجعل الصيام الفقراء مثلنا؟ قطب الأب جبينه قائلًا: يعنى إيه؟ أعتقد أن الفقير لا يريد من الأغنياء أن يكونوا مثله، بل كل أمنياته أن يكون مثلهم، فلماذا لا يكون رمضان شهرًا نمتع فيه الفقراء ونؤمّن لهم احتياجاتهم دون أن نحرم أنفسنا من الماء والشراب؟ لماذا لا يقوم كل فرد غنى بتقديم وجبة يوم كامل لفقير أو أسرة فقيرة طوال شهر رمضان، أو مقابلها المالى، أو يتكاتف المجتمع لتقديم هذه الوجبات لمَن يريد دون تسبب فى إحراج أحد؟ أكيد فيه حل تانى غير الامتناع عن الطعام والشراب. نظر الأب إلى أبنائه، ورفع يده إلى السماء، وقال دعاءً مكتومًا لم يسمعه أحد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات