.

الرحلة.. الحقيقة على النقيض تمامًا من الحب

Foto

حين يمتزج الحب مع المرض النفسى.. مَن ينتصر؟ هل يتحوَّل المحبوب إلى سجَّان بسبب «الناس اللى برّه»؟


نحن المصريين عاطفيون بالفطرة، نميل بسهولة إلى كل ما يجذبنا من أول وهلة، وعادة ما يرتبط الحب بالانبهار الأوَّلِى الذى تتوارى خلفه الحقيقة، فيظل المحبوب ملائكيًّا حتى ينكشف لثام الواقع مع تلك اللحظات المؤجلة التى لا مفر من ظهور المعادن الأصلية للنفوس خلالها، بفعل التعوُّد و«طول العِشرة» مثلما يقولون.

وانطلاقًا من المعنى السابق ذكره نجد أن مسلسل «الرحلة» تناول حالات من العشق كان الوجه الخفى منها أشد قسوةً من أى توقعات «متشائمة» لطرفَى العلاقة، سواء فى ما يتعلق بحقيقة الأشخاص أو فى ما يخفيه القَدَر من أحداث غير متوقعة.
«أسامة ورانيا» النموذج الرئيسى الذى تتشابك الشخصيات المحورية فى العمل بسببهما، فبحجم الانبهار والسعادة التى كانت تشعر بها رانيا «ريهام عبد الغفور» فى بداية علاقتها بأسامة «باسل خياط»، تنقلب الأمور للنقيض تمامًا بمجرد زواجهما، فقد تحوَّل المحبوب إلى «سجَّان» يمنعها من الخروج من المنزل حتى لا تتعامل مع أى إنسان آخر غيره، فتصبح حياتها سجنًا لمدة 6 سنوات، لا ترى فيه سوى زوجها ثم ابنتهما التى رزقا بها بعد عام من الزواج.
أسامة مريض نفسى، تسببت خيانة والدته وقسوتها عليه فى صغره فى خوفه من الآخرين، هو يبرر دومًا تصرفاته تجاه زوجته بأنها نتاج خوفه الشديد عليها من «الناس اللى برا دول.. الوحوش اللى بره دول»، يقول إنه يحبها بجنون، يخشى عليها أى أذى. تهرب منه فيبدأ فى رحلة اللحاق بها، ويحاول جاهدًا إقناع الآخرين بأنه مجرد زوج عاشق لزوجة لا تدرك مدى حبه الشديد لها.
لكن بالعودة إلى تفاصيل حياتهما فى الزواج نجد أنه لم يكن كذلك، فتعنيفه لها والتسبب فى إدمانها للمهدئات، وإجبارها على سلوكيات غريبة مثل الاحتفال بعيد زواجهما بنفس تفاصيل ليلة الزفاف، سواء فى الملابس أو حتى الأحاديث التى دارت بينهما، سلوك غير سوى. وكذلك ارتدائه ملابس نسائية متقمصًا شخصية سيدة تدعى «إنجى»، كى تتعامل معها رانيا كصديقة وتخبرها بما تخفيه عن زوجها. «أسامة» شخصية نرجسية تعشق ذاتها، كان منطقيًّا أن تحبه رانيا بسهولة، لأنه كان باهرًا فى الانطباعات الأولى، لكن فى النهاية تحوَّل الحب فى هذه الحالة إلى «لعنة» بكل ما تحملة الكلمة من معنى.
النموذج الثانى «كريمة ومالك».. كريمة أو كيمى كما يلقبونها «حنان مطاوع» الأخت الكبرى التى تقوم بدور الأم فى سن صغيرة، حينما تتولى رعاية أختها غير الشقيقة كارما «ثراء جبيل»، رغم أن زوجة أبيها و«أم الطفلة» قتلت والدهما. تتعقد أحداث حياتها بدءًا من حبيبها الأول مالك «إيهاب فهمى» الذى تبتعد عنه، ثم تعود وتلتقى به بعد سنوات طويلة، لكن كان للقدر رأى آخر، فلقاؤهما الذى جاء عن طريق الصدفة كان فى اليوم التالى لمعرفتها بإصابتها بالسرطان، تَلَته أزمة مالية كبيرة تتعرض لها، ثم خروج زوجة أبيها من السجن ورغبتها فى استعادة ابنتها.
تخفى كيمى أغلب تلك التفاصيل عن مالك، فيكتشف أنها مريضة بعد فترة من علاقتهما، ويصر على الزواج منها رغم ذلك، إلا أنها تخفى عنه التفاصيل الأخرى المتعلقة بشقيقتها، فيظل هناك جزء خفى يشعر به دومًا ويؤرقه فى تلك العلاقة، هما حبيبان بحق لكن كلما دنا الوصال ازدادت الأزمات وامتنع القَدَر.
أما «آدم وسارة» فقد نجحا فى البداية فى كسب التعاطف تجاه ما مرَّا به من أزمات، ففى البداية تتعرف سارة «مى سليم» على المؤلف السينمائى المشهور آدم منصور «وليد فواز»، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية، لكن الحب والحياة التى اختاراها لنفسيهما لم توشك على البدء حتى أفسدتها شقيقتها جميلة «هاجر أحمد» وصديقها باسم «محمود حجازى».
سارة التى أنقذت شقيقتها من الفضيحة حينما علمت بنبأ حملها، فأجبرتها على إجهاض الجنين وبدأت فى ترتيب حياتها من جديد حتى لا تقع فى الخطأ نفسه، لكن جميلة تكره أختها بسبب ذلك، وتحاول إفساد حياة شقيقتها الزوجية، فترسل صورًا إلى آدم فى يوم زفافه، تظهر فيها زوجته سارة مع حبيبها السابق، فتفشل علاقتهما قبل أن تبدأ.
تتعقد الأحداث إلى أن يكتشف أن زوجته بريئة، لكنه لا يستطيع التوقف عن الشك فيها، ثم يتضح من تصرفاته بعد ذلك أنه غير سوى وكل ما يهمه هو أن تظل صورته مثالية أمام الجمهور، فيسخِّر كل شىء فى حياته لخدمة عمله كمؤلف، والذى يعتقد بسببه أنه أعظم كاتب فى مصر. لذلك كانت مصادفات القدر سببًا فى كشف الماضى القاسى لسارة مع شقيقتها، وتوضيح الوجه الحقيقى لآدم، مما أدى إلى تطور العلاقة من الحب إلى الشك إلى الأنانية إلى الكره الشديد.
وعلى الهامش كانت العلاقة المتشابكة بين الرباعى «كارما وأسامة وياسمين وعمر».. فعمر «محمد مهران» خطيب ياسمين «جوليا شواشى» يحب صديقتها المقربة كارما «ثراء جبيل» التى يحبها أيضًا صديقهم الرابع حسن «إسلام جمال»، تتعقد الأحداث إلى أن يكتشف كل منهم حقيقة مشاعر الآخر، فتنفك روابط العلاقات بينهم سواء الصداقة أو الحب، ويحاولون إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تلك المشاعر جميعها، ليكون الأساس فيها علاقة الصداقة القوية بين كارما وياسمين.
لذلك ندرك أنه فى تشابك أزمة الرباعى ترميز للحب المناسب الذى يأتى فى الوقت الخطأ، فتكون عواقب اجتنابه مؤلمة، وأيضًا عواقب الاستسلام له وخيمة، لكن لا مفر من أحد الاختيارين.
إجمالًا، جميع الثنائيات فى المسلسل أحب فيها أحد الطرفَين أو كلاهما بصدق شديد، والبعض الآخر وصل به العشق حد الجنون، لكن «الرحلة» أثبتت أن الحب ليس كله جنة، والعشَّاق ليسوا كلهم فى نعيم، و«الناس اللى بره دول» هم مِلح الحياة وميزانها وإن ساءت صفاتهم فى كثير من الأحيان.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات