.

ذات يوم.. فى مصر

Foto

«ذات يوم فى مصر» لا يمكن أن تنكره مصر.


غالبًا ما أفكِّر فى عنوان جديد عند مقاربة كتاب أو التوقُّف عند عمل بعينه، لكن عنوان «ذات يوم فى مصر» فى حد ذاته وقبل الشروع حتى فى القراءة، كان كفيلًا بأن يفرض نفسه. «ذات يوم فى مصر» لا يمكن أن تنكره مصر.


مهما جرت فى الأمور.. أمور، لا يمكن أن تنسى مصر، أنه عشية ٥ يونيو ١٩٦٧، وتحديدًا يوم ٢١ يونيو، وصل إلى مصر الرئيس السوفييتى بودجورنى، برفقة وفد عسكرى يرأسه المرشال زاخاروف رئيس أركان حرب القوات المسلحة السوفييتى، لإظهار التأييد السياسى لمصر وبحث المطالب أو الاحتياجات المصرية من الأسلحة والمعدات، ولتمتد إقامة رئيس الأركان السوفييتى فى مصر إلى شهر كامل، للمعاونة فى تنظيم القوات المسلحة ورفع كفاءتها. هذا الذى أورده اللواء الجمسى، رحمه الله، رئيس هيئة العمليات إبان حرب أكتوبر فى مذكراته، وهو أيضًا ما وثَّقه وزير الخارجية محمود رياض، رحمة الله عليه، فى مذكراته أيضًا، والتى تكلم فيها أيضًا عن المباحثات المصرية-السوفييتية، برئاسة عبد الناصر وبودجورنى، التى أعقبتها مرحلة جديدة من العلاقات، شهدت ليس فقط الدعم السوفييتى بالسلاح، ولكن إرسال «خبراء» روس فى مجالات عسكرية شتى.. موضوع الدعم السوفييتى لمصر تاريخ موثَّق ومكثَّف أيضًا، تلخّصه جملة إعادة بناء القوات المسلحة ، وتكفى الإشارة إلى أن أرقامًا تشير إلى ستين خبيرًا ومستشارًا ومترجمًا سوفييتيًّا قد ماتوا على أرض مصر فى الفترة من حرب الاستنزاف حتى حرب أكتوبر، وهو ليس مُرادنا الآن، ما يعنينا الآن هو مجموعة من «الشهادت» الحية التى جاءت بعيون وأقلام سوفييتية، عن تجربة الوجود السوفييتى فى مصر، للمرة الأولى من منظور إنسانى وأيضًا عملى، عن العملية «القوقاز»، وهو الاسم المتعارف عليه فى إشارة إلى وجود الخبراء الروس فى مصر.


فى نهاية تسعينيات القرن العشرين، أصدرت مجموعة من المحاربين السوفييت القدماء والمستعربين من جامعة موسكو ومعهد آسيا وإفريقيا ومعهد المترجمين من بين الذين أسهموا فى دعم مصر، وعملوا كمستشارين عسكريين، أو خبراء، أو مترجمين، أو أسهموا بطريقة أو أخرى فى دعم مصر والجيش المصرى سنوات حرب الاستنزاف، وحتى حرب أكتوبر. هذه الشهادات تمت ترجمتها مؤخرًا إلى اللغة العربية، لتصدر عن المشروع القومى للترجمة بعنوان «ذات يوم فى مصر»، كاشفة عن تفاصيل إنسانية، وأيضًا عملية. كيف كانت رؤية «المحارب الأممى»، وهو اللقب الذى كان السوفييت يطلقونه على أنفسهم خارج حدود أراضيهم، وهو أيضًا مبعث الفخر، على اعتبار أن مهامهم خارج الحدود، وإن كانت جزءًا من خدمة مصالح وطنه، فإنها أيضًا تخدم المبادئ الأممية. لم يتخلّص أغلب أصحاب الشهادات من «جهامة» عسكرية، وإغراق فى التفاصيل، لكنها ترسم صورة لا يكتمل الحكم بغيرها، وفى نفس الوقت لم تخل من فواصل لماحة، أو طريفة كالذى ذكره أحدهم عن الشروط التى كان الجانب المصرى يضعها عندما طلب المساعدة وكان منها أن لا يكون من بين القادمين أى هيئات حزبية أو من الشبيبة اللينينية الشيوعية، وكما يقول صاحب الشهادة: لم يكن هناك شىء صعب، كان التمويه سهلًا، بظهور هيئات نقابية أو رياضية، لم نكن نعلن عن رجالنا الذين يملون فى السياسة، كان العاملون بالسياسة هم أنفسهم طيارين! الشهادات الروسية فى غاية الأهمية للجانبين، المصرى والروسى والعملية «القوقاز» لم تكن عملية عسكرية عادية، لا للروس ولا للمصريين، كون أن هذه الشهادات قد تمت بعد سنوات من تغيُّر الأوضاع، على أن تحوى وبحرية رؤية وتقييم هؤلاء العسكريين لتجربتهم هم أيضًا فى مجتمعهم، بدأ من رؤيتهم للجانب المصرى أو لدولتهم. يعنى أحد المترجمين لاحظ أن المستشار الروسى الذى كان يترجم له مع الضابط المصرى، كان بسبب الخجل، يوافق دون مناقشة، ويعزو المترجم ذلك إلى افتقاد الثقة لانعدام التواصل أو للستار الحديدى الذى كان يحاصر كل الروس، كما أن بعضهم قد سمح لنفسه بانتقاد «الإدارة» التى لم تفكِّر فى تكريمه بعد عودته للوطن، وإن كان هناك العشرات الذين تقلدوا أوسمة، سواء من روسيا أو مصر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات